دلور ميقري

جبلُ الخليقة، مدينة ُ الجنة

تتواصلُ حومَة الزرياب في سمائه الأولى، الأكثر قرباً لجبل الخليقة وسفحه؛ أين تترامى على امتداد البصر، مشهدُ أقدم حواضر الدنيا: دمشق، الشام، جلّق، جيرون، الفيحاء، بمسمياتها السامية والعربية؛ وهي أيضاً، العذراءُ، بسِمَة الرومان الذين وهبوها آلهتهم الحامية quot;مينرفاquot;.. سَمّها، إذاً، ما شئت! عذراءٌ، خصرها الرشيق تزنره الجبالُ، كأسوار خرافية؛ الغوطة ُ شعرها الكثيف، الأخضر المحمرّ بثمار الشجر؛ والنهرُ فضة الجسد العذريّ، الأبهى؛ فضة، أيضاً، في العمائر المتداخلة مع الخضرة؛ في المنائر المرتفعة، المشرعة للأفق كرماح محلّقة. ثمة، في انعكاس أشعة الشمس على المشهد الصباحيّ؛ المشهد المفتوح لعينيكَ، أنت المستند إلى صخرة من صخور الجبل القيامة. وها أنتَ، في نقطة انطلاقك الأكثر علواً، متأهبٌ للشروع في جولة أخرى؛ تهيمنُ من موقفك على المشهد الآسر، وإطلالة quot;قاسيونquot; مهيمنة عليك. ربما جازَ لك، آنئذ، التساؤل عن مغزى اختيار أسلافك لهذا الجبل: أهيَ محض مصادفة أم إحدى ألعاب القدَر، أن نرحل من جبل إلى جبل ومن شمال إلى آخر؟ ربما هي حسابات أسلافنا، أولئك، المبنية على ما وعدهم به الرسولُ من حسن الختام؛ ما دامت قيامة الله ستكون في الشام: quot;وإليها يُجتبى الصفوة من عبادهquot;، بحسب الحديث النبويّ عن ابن حوالة..؟

أياً كان الأمرُ، فجبل قاسيون، على زعم الأساطير والعقائد، هو مهد الخليقة وقيامتها. وهذا رحالتنا الأشهر، إبن بطوطة، يدخل الشام فيسأل عابر سبيل يصادفه، عن الوصول إلى الجبل ومغره المقدسة: quot;وهو في شمال المدينة والصالحية في جنوبه، وهو شهير البركة لأنه مصعد الأنبياء. ومن مشاهده الكريمة الغار الذي ولد فيه إبراهيم الخليل، وبالقرب منه مغارة الدم وفوقها بالجبل دم هابيل على الحجارة. ومنها كهف بأعلى الجبل ينسب لآدم عليه السلام وأسفل منه مغارة الجوعquot; (1). وشاءت إعتقادات الأولين أن تفسر، وفقاً لتلك الأساطير، منشأ تسمية المدينة؛ فمنهم من طلع لنا بإسم quot;دمشق بن نمرودquot;؛ أي أنّ والده هو الملك المشهور في التوراة كخصم لإبراهيم الخليل. والبعض الآخر قال، بل إن quot;دمشقquot; هو غلام أبي الأنبياء، إبراهيم.. والعلمُ، إذاً، عند هذا الأخير، بعدَ الله!

أنحي الأساطير جانباً، وألتفتُ إلى واقع جولتي، المتخذة مساراً جديداً. أجدني أنتقل من الطريق السلطاني، المرصوف بأثر خطى الأسلاف، إلى طريق آخر أكثر جدّة ومعبّد بالإسمنت: إنه شارع quot;إبن النفيسquot;، المستحدث في الخمسينات من القرن المنصرم والموصل حي ركن الدين بمركز المدينة؛ والذي يوصلنا، أيضاً، بالعصر الأيوبيّ وطبيبه الأشهر، ابن النفيس؛ صاحب الدراسات المهمة في مجالات التنفس والدورة الدموية، بعلامة فائدتها لأطباء الشرق والغرب خلال العصور الوسطى. ومن الشارع التليد، إنحداراً هيناً نحو quot;شارع الميساتquot;؛ المنسوب لأشجار المَيْس، ذات الثمر العجيب بقشرته الصلدة السوداء اللون وطعمها الحلو المزّ. تتوسّط الشارع مستديرة فارهة، هي quot;ساحة حطينquot;؛ بإسمها المتقمّص، أيضاً، لماض ٍ أيوبيّ مجيدٍ، ما فتيء كصناجة يردد صداها عصرنا الحاضر. ومثلما كانت موقعة حطين، فاصلة ً في التاريخ، كذلك quot;موقعquot; سميتها، الساحة؛ بكونها بوابة الحيّ وواسطته إلى بقية الأحياء داخل وخارج الأسوار. الساحة ُ تحاوط ُ قبة ً مهيبة بحجمها وأناقة هندستها الأيوبية / المملوكية: ها هنا مرقد quot; ستي حفيظة quot;، حاميَة حي الأكراد، والأكثر شهرة بين نسائه على مرّ الزمن؛ ستي حفيظة، أو الحافظة، نسبة ً لتفقهها بالقرآن والحديث؛ هذه المرأة، الغامضة، بسيرتها المجهولة بالنسبة للأهلين، حتى أنها أضحت أسطورة من تخلّقات خيالهم: إنها عائشة الباعونية الصالحانية، الصوفية الدمشقية، والشاعرة المجيدة قبل كل شيء؛ ها هنا مقامها الموصود بابه بفظاظة قطع الطوب والإسمنت، تحدقُ به هولاتُ أبنيةٍ حديثة شاهقةٍ، من زمن اللا شِعر، هذا! في وحشتها هذه، كأنما قدّر لها أن يكون مقام quot; الشيخ العفيف quot; حارساً مؤانساً؛ المقامُ المتبقي منه أطلال أعمدة وأقواس حجرية، تحاوط الضريح المتأنق، المكشوف لعين السماء والمظلل بأشجار الصفصاف الوارفة، المادّة جذورها حتى أعماق النهير المجاور. بَيْد أنّ اللوحة المثبتة بواجهة الضريح، والمسجل فيها اسم quot; المدرسة الشبلية quot;، احارني لوهلة في ما يخصّ هوية الصاحب الحقيقي لهذا المقام. وفيما بعد، تسنى لي أن أطالع في التواريخ ما غمض من أمر هذه المعضلة؛ وفيها أن شبل الدولة الحسامي، الطواشي المملوكي وأحد حكام مدينة quot; سنجار quot;، العريقة، كان قد أوصى بدفنه في هذه المدرسة، والتي حملت منذئذ اسمه (2).

قلنا أنّ مقاميْ ستي حفيظة وشيخنا العفيف، المتجاوريْن، يحاذيهما نهيْرٌ تستقى من مياهه جذورُ الأشجار المظللة المكان. إنه quot;يزيدquot;، أحد الأبناء السبعة لنهر quot;بردىquot;؛ الأب الدمشقيّ الخالد، الأكثر ذكراً في قصائد الشعراء والمغنين. فمن هذه البقعة، المكتنفة ببوح بعيد من شذرات quot;الباعونيةquot;، يتنوّق النهير صعوداً حتى يصبح موازياً لشارع إبن النفيس، مخترقاً حيّ ركن الدين إلى أن يتلاشى في البساتين الكثيفة، وفيها الكروم النادرة للصبار؛ المتلاشية بدورها، أبداً، تحت الخرسانة الهائلة المشكلة قاعدة حيّ quot;مساكن برزةquot;، الأحدث عهداً. يقالُ، دونما سند تاريخي مثبت، أن الخليفة الأموي يزيد الأول، الطاغية، أو ربما خليفته، الماجن، يزيد الثاني، من أعطى اسمه لهذا النهير النحيل، الشحيح صيفاً، في زمننا، حدّ الجفاف. أمويون؛ حكموا الدنيا quot;من بستان هشامquot;؛ كما في إنشاد فيروز لكلمات الشاعر سعيد عقل؛ أمويون، اندثرت أوابدهم جميعاً، اللهمّ إلاّ quot;قصر الخضراءquot;، المكتشفة أساساته خلف الجامع الكبير، الذي يحمل اسم سلالتهم؛ السلالة المنكرة لقريش وبواديها، مستبدلة بها حاضرة البيزنطيين، دمشق؛ جاعلة منها في أوج مدّ موجة فتحهم، منارة بحر المتوسط، ومضاهية للقسطنطينية. وما فتئت عالمية العاصمة الأموية متبدية في فسيفساء ساكنيها وعمائرها.

هي ذي أطياف الأسوار القديمة، المحدِدة في أزمان غابرة، شكلَ دمشق القديمة. سهمُ جولتي مريّشٌ نحو حجارتها اللامرئية، فيسيل من جرحها شلالٌ من خمور رومانية وبيزنطية، معتقة. أسوارٌ جريحة، غير مرئية، تقتنصها نبال مخيلتي، وأخرى لا تقلّ وهماً رغم ماديتها؛ متداعية متآكلة في بعض الأماكن، أو ما تزال محافظة على رونقها، كما في الحيّ المسيحيّ الممتد بين quot;باب توماquot; وquot;باب شرقيquot;؛ الحيّ الذي نجا بأسواره وأهله من التدمير والجزر، لدى اجتياح العباسيين لحاضرة بني أمية. ما من ريب أن الرمز الموحي به اسمُ دمشق، كأول إمبراطورية عربية انتهضت على أنقاض الحضارة الإيرانية وعلى أشلاء أئمة وشيعة آل البيت، ليفسر لدينا الحقد المدمر الذي أنزله بها العسكر الخراساني الموالي لبني العباس. ولن تعود المدينة إلى دورها الرياديّ، كعاصمة عالمية، إلا بعد أربعة قرون أخرى؛ مع ظهور صلاح الدين.

حجارتها مفرداتي، بيوتها أبياتي

مشهد المدينة القديمة، المبهم والمتجهم، كما يتجلى للناظر من فوق جبلها، بفعل سحابة السخام، الملوثة، المحلقة فوق الأجواء؛ هذا المشهد يغدو أكثر بهاءً لمتأمله من على أسوار الجامع الأموي، الشاهقة. على أنّ سحابة أخرى، تتراءى فوق المشهد ذاته، مشكلة من جلبة الشوارع والأسواق والأزقة، الصخابة بعرباتها وناسها؛ كما لو أنها جوقة مريدين تتحلّق حول مولاها، quot;المسجد الأمويّquot;؛ جوقة ٌ متبدد صخبها، دفعة واحدة، في حضور آذان منشده. بيْد أنّ لليل المدينة منشدٌ آخر، ينفضّ معه المريدون من حضرة التقى إلى حضرة الشبق؛ مولاهم quot;الميدانيّquot; ببزقه الشجيّ، يلم ثمالتهم المتهافتة مع هتافه: quot;الشام شامة على الدنيا، لولا المظالم فوق المدن جنةquot;؛ هتافُ الحاضرة المتمدنة، بوجه أسيادها الريفيين، الجلفين. هي ذي القلعة، متفتحة كوردة ليلية، معبّقة بأريج الماضي المعتق، المتداخل مع شذا الغوطة والنهر والجبل؛ مسبلة بتلات أبراجها الإثني عشر على أسواق quot;الحميديةquot; وquot;البزوريةquot; وquot;الكلاسةquot;؛ قلعة صلاح الدين، ليست حصن المدينة الحصين، حسبُ: quot;إنها تساوي متحف اللوفر في باريسquot;، يقولُ مهندس المدن، الفرنسيّ، quot;ايكوشارquot; (3). هي المختزنة بعبقها مجدَ الأيوبيين؛ سورها المربع، أبراجها، قصرها، إيوانها، سوقها، حماماتها، مساجدها، حدائقها.. وسجنها، الذي أضحى في الزمن الغاشم، المعاصر، السمة الوحيدة لهذا المنجز المعماريّ الرائع، وبقي كذلك إلى أن تم نقل سجنائه وسجانيه، مؤخراً، إلى بقعة اخرى؛ لتعود القلعة إلى رونقها السابق إثر عملية ترميم شاملة.

أتدرجُ بإزاء سور الجامع الكبير، على درب quot;الكلاسةquot; الموصل بين قلعة صلاح الدين ومقامه. ها هنا زقاقٌ معتمٌ، بالكاد تمسّ أشعة الشمس أرضه الحجرية ؛ زقاقٌ صديقٌ، رافقته عمراً. أتوقف في منتصفه، قدّام دارين متقابليْن، لكل منهما بابٌ خشبيّ، آية في الزخرفة؛ quot;الظاهريةquot; وquot;العادليةquot;، المكتبتان العموميتان الذائعتا الصيت في العالم الناطق بالضاد، وكذلك في عالم الاستشراق الغربي.. والسياحي. يشبه تصميم كل منهما، المدارس الأيوبية / المملوكية، المتناثرة في هذه الأرجاء. لنرَ، أولاً، مكامنَ quot;الظاهريةquot;. لندع الدور الأرضيّ وحجراته الرطبة، المستعملة كقاعات للمطالعة وحفظ الكتب والإدارة، ونصعد هوناً المرقى الحجريّ، المودي إلى مقام السلطان المملوكي، المرعب، بيبرس. مدفنه، والحق يقال، جديرٌ بألقابه المكنى بها حياً: الملك الظاهر، الناصر، الغازي، البندقداري..! و أيضاً، مثل مدافن الأباطرة جميعاً؛ فالزخارف المذهبة والجدران المغشاة بالفسيفساء والقبة المنحوتة، باذخة كلها وبديعة. وما يهمنا معرفته عن هذه الدار الجميلة، أنها كانت في البدء مِلكَ يمين نجم الدين أيوب، والد صلاح الدين؛ وكانت تعرف آنئذ بإسم مالكها الدمشقيّ، الأول، quot;دار العقيقيquot;. هنا، إذاً، ولد أولادُ أيوب، وفيها كان مرتع الطفولة وملاعب الفتوة؛ أبناء وبنات، كبروا في جنة الأمويين، وصاروا أمراءً وخواتين. يُقال، على ذمة المؤرخين، أنّ إختيار الملك الظاهر لهذه الدار الأيوبية، كمدفن له، ما كان اعتباطاً؛ بل إن غرضاً سياسياً، خلفه: فالمماليك، من الآن وصاعداً، سيخاطبون بألقاب الملوك.

بيت الطفولة، ما أشدّ سطوتكَ. لأنتَ ملكٌ، أيضاً. وأولاد أيوب، ملوكاً وخواتين، أوفياءٌ لذكريات quot; دار العقيقي quot;، مهما أسحَقتْ بهم المقاديرُ: هذا أشهرهم ومؤسس دولتهم، صلاح الدين، يؤوب من مصر، سلطاناً، ليقيم في كنف الطفولة المستعادة، ريثما ينتهي تجهيز إقامته الدائمة في القلعة؛ وهي ذي شقيقته، ربيعة خاتون، تعود من كردستان بعيد وفاة زوجها الحاكم، لتقضي بقية أيامها هنا، في منزل العائلة القديم؛ وكذلك الأمر مع شقيقهم، الملك العادل، الذي يختارُ مدرسته، وبضمنها مقامه، في لصق دار أبيه، ذاتها؛ المدرسة الكبرى، المسماة اليوم ب quot;المكتبة العادليةquot;. يتشابه معمار هذه المدرسة مع quot;الظاهريةquot;؛ ولا عجب في ذلك، مادامتْ هي إبنة لها. على أنها في دور واحد، تتميّز بقبة عظيمة، تحتضن ضريحَ الملك العادل، باني هذا الصرح. في الباحة، لا بدّ أن يتجوّل المرء في الحديقة اللطيفة، العبقة بأريج النارنج والأترج وغير ذلك من شجر الحمضيات، الأثيرة لدى ساكني الدور الدمشقية. وربما سيتسنى للمتجول في ربوع المكان، أيضاً، إستحضار أحد رموزه، الأشهر؛ محمد كرد علي، علامة عصره وصاحب المجلدات القيمة عن دمشق؛ خططها وغوطتها وأدبها وتراثها، فضلاً عن تأسيسه وترأسه لمجمعها العلميّ، الذي كان مقره هنا، في هذه المدرسة.

مقامُ صلاح الدين، محجّ آخر للغرباء والسوّاح. تبدو منائر الجامع الأمويّ، العملاقة، المهيمنة على المكان، حرساً سلطانياً مهيباً. قبة دقيقة، نبيذية اللون، تبرز رأسها خلل خضرة الخميلة المشجرة، المزدلفة لكل داخل ٍ. داخلها، من الضيق أنه يسبب حرجاً للزوار، بتناكبهم وتزاحمهم في المسافة المحصورة بين ضريحيْ سلطاننا وإبن أخيه، الملك الأشرف. بيْدَ أنّ ذلك يهون، ما دمتَ على موعد مع مراقب الوقف، العجوز الطريف، الذي يستقبلكَ بترحاب الموظف البشوش، المتأمل quot; بخشيشاً quot; لقاء معلومته التاريخية، النادرة، المتفوّه بها كما اللازمة الببغائية: quot; هذا قبرُ صلاح الدين، وذاك قبرُ وزيره عماد الدين! quot;. صلاح الدين، وآمنا أيها العم الطيّب.. فمن هذا العماد الدين، إذاً: الجوابُ، نجدهُ عند المؤرخ النهضويّ، جرجي زيدان؛ فقد كانت روايته المعنونة quot; صلاح الدين الأيوبي quot;، من الرواج على مرّ الأجيال، أنّ بطلها المختلق، عماد الدين، أضحى شخصية حقيقية بنظر كثيرين من القراء؛ حالُ صاحبنا مراقب المقام. أتأمل رسماً قديماً للسلطان، مثبتاً على جدار المقام، يقال أنه من وضع راهب قبطيّ. وهذا ال quot; بورتريه quot;، فيما أعلم، هو الأول من نوعه في الفنّ الإسلامي؛ المقتصر بحسب تعاليم الشريعة الصارمة، على نقوش الحيوان والأشياء: أهو تأثير الحروب الصليبية، وما رافقها من تبادل حضاري بين الشرق والغرب؟ أما الضريح الرخاميّ، الفاخر، الذي يضمّ تجاليد بطل الإسلام، فقلائل منا ربما يعلمون أنه هدية من القيصر الألماني، غليوم الثاني (4). كان هذا العاهلُ في ذلك العام (1898)، في زيارة ودية لصديقه الخليفة العثماني، المخيف، عبد الحميد، فعرّج على الشام وبصحبته الناووس المرمريّ، المبرهن على محبته للمسلمين؛ العاهل نفسه، الذي لم يجد، آنذاك، حرجاً في المعاونة على إخماد إنتفاضة أحفاد صلاح الدين، في كردستان، من خلال إرساله مستشاريه الكبار (مولتكه وغيره)، لمساعدة العسكر التركي.

كانت الشمس الخريفية، الواهنة، تميل خلف جبل قاسيون، لحظة اجتيازي لممشى مقبرة quot; الدحداح quot;، المظللة بأشجارها، كمثيلاتها من المدافن، وبنكهة جنائزية، رطبة. خرجت من الباب المطل على quot; شارع بغداد quot;، متوجهاً صوب موقف الحافلات، في طريقي إلى الحيّ. ثمة، على ناصية الشارع، قبة حائلة اللون، مغسولة لتوها برذاذ المطر المتقطع انهماره. إنها مدفن آل quot; منكورس quot;، الذين منحوا المدينة أحد أبطالها في الحرب المقدسة مع الفرنجة؛ ركن الدين منكورس، صاحب المقام المعروف، آنف الذكر؛ والذي، بدوره، مَنحَ حيّنا الدمشقيّ، الكرديّ، اسمَهُ الأول:

هؤلاء الذين يتناثرُ في دروبنا خزفُ أبازيمهم فيمسي للطمي
قرائنَ؛ المتناسخونَ في كلّ قرنفل، مُزدهٍ، يُبوّبهُ زبرجَدُ
النوافير الطائشة؛ في ذؤاباتِ فطرياتٍ على صروح متداعية
أفقدها الغزاة ُ نعمة َ ذاكرةِ الأسوار؛ وفي المسالك المظلمة تصدى
عجمَة ُ أصواتهم، مشحونة ً بفصاحة شجنة لمنائر جوامع ٍ؛ الذين
ترفضّ أسرابُ نحلهم عن ضوعة مساكِبِ الهياكل المنحلّةِ: مجداً لهُمُ
اولئكَ الملوك المتناسخونَ، أيضاً، في أسماء إناثنا وذكورنا، ساحاتنا
وجاداتنا، مساجدنا ومدارسنا، مقاماتنا وبساتيننا
(كلّ بستان ٍ إقطاعٌ، كلّ وقفٍ وليّ)
وحيّنا الأيوبيّ هوَ أقلّ جدةٍ وموْجدَة، على إسمكَ ركن الدين؛
الذي يرنّ كصناجة ٍ تليقُ بأمير ٍ قائدٍ فلكيّ


إشارات:
1 _ رحلة إبن بطوطة، طبعة القاهرة 1967، ص 62
2 _ د. حسن شميساني، مدينة سنجار _ بيروت 1983، ص 279
3 _ د. صفوح خيّر، مدينة دمشق (دراسة في جغرافية المدن) _ دمشق 1982، ص 585
4 _ يوسف الحكيم، سورية والعهد العثماني _ بيروت 1980، ص 38

ديباجة جلـّق 1-2


[email protected]