تحت أشجار بغداد قبلات عاشقين وأحضان شبقة
عراقيون: لن يحرق الإرهاب صفحات ألف ليلة وليلة
سيف الخياط من بغداد:هرب باسم مع حبيبته بين الأشجار حين شعر بأن عدسة كاميرا تحاول التطفل عليه وقطع سلسلة القبلات الساخنة على شفاه فتاته السمراء داخلحديقة الزوراء الكبيرة وسط العاصمة بغداد على جانب الكرخ الغربي حيث تشهداقبالاً واسعًا للمتنزهين والعوائل التي انهكتها جدران المنازل ومن صائدي القبل السريعة من الشباب العاشقين الذين لا يجدون مكانًا في شوارع العاصمة المليئة بالجنود والشرطة ونقاط التفتيش. وتزدحم بوابتها الرئيسة كل يوم بطوابير من العوائل والعشاق بسبب التفتيش المركز لأجهزة الأمن على المركبات الداخلة والأشخاص، خشية تعرض الزائرين لإنفجارات إرهابية او احداث عنف مسلحة.
| متنزه الزوراء في بغداد |
يقول باسم شاب عراقي 20 عامًا، رفض التقاط صورة له ولحبيبته quot;نواجه الحرب والارهاب بالحب والقبلات، وحيث لا مكان للقاء العشاق فليس لنا إلا التخفي بين الاشجار لاصطياد قبلة او التحاضن للحظات تشحن الروح والوجدانquot;.
يعترض باسم على تقاليد وثقافة المجتمع التي تحول دون ممارسة الفرد لحقوقه الغريزية في العلن مع ان الجميع يمارسونها في السر quot;وهذا يخلق ازدواجية نفسية في تصرفات الشخصquot; كما يقول باسم.
لم استطع الحصول على تعليق من صديقته التي كانت خجلة جدًا وارتفع الدم في وجنتيها فاختلط الاحمر مع لون بشرتها السمراء، فتحولت الى تمثال من البرونز يستنجد بشمس العراق الحارة لتخلصه من هذا الموقف المحرج، وقالت بعد ان تمتمت كثيرًا وفرقعت اصابعها وهربت بعيونها الى الارض quot;لم نفعل شيئًا سوى قبلة واحدةquot;.
لكل بغدادي ذكريات مع حديقة الزوراء فالغالبية قد مرت بهذه المحطة في مرحلة الشباب وما زال بعضهم يشعر بأنفاس حبيبه تحت اشجارها ويقول ابو منير 44 عامًا، quot;عندما كنت طالبًا في الجماعة كنت اذهب عند الظهيرة مع صديقتي واستقل الحافلة رقم 59 القادمة من مراب الميدان في باب المعظم القريب من جامعة بغداد واحصل على قبلة ساخنة كانت تجعلني ملك الكرة الارضيةquot;.
ويضيف ابو منير quot;الحب كان الترياق الوحيد الذي حافظ على هدوء نفوسنا في بلد لا شيء فيه سوى الحرب والامن والشرطة، ولهذا تحاول الافكار والانظمة المستبدة ان تحارب الحب لتصنع اشخاص لا يعرفون الا القتل والارهاب، ولهذا نجد ان جميع الانتحاريين يفجرون انفسهم طمعًا بالحصول على حور العين في الجنة وهذا مصدره الكبت والحرمانquot;.
يستغل الشباب من سكنة وسط وجنوب العراق مناسبة دينية للقاء احبتهم وقضاء ليلة ساخنة تستمر حتى خيوط الفجر الاولى، وهي ليلة العاشر من شهر محرم التي يقدسها المسلمون الشيعة وفيها وقعت احداث مقتل الامام الحسين في كربلاء قبل 1400 عام، وحيث لا رقيب، فالجميع يمكنهم الخروج من منازلهم لحضور مجالس العزاء فتكون فرصة للهروب من سلطة الاهل بحجة الدين، ولكون تلك المدن اكثر تشددًا من غيرها وكونها تخلو من اماكن للعشاق فتكون هذه الليلة متنفسهم الوحيد.
بعد سقوط نظام صدام في 2003 اشتهر في مدينة الناصرية جنوب العراق مكان يطلق عليه شارع الحرية وهو طريق بين مركز المدينة ومطار الامام علي الذي اتخذته القوات المتعددة الجنسية قاعدة لها وفرضت فيه حماية خاصة فصار مكانًا لبيع المشروبات الكحولية وملتقى للعشاق يزورونه لقضاء ساعات من اللذة الجسدية.
يفتخر البغداديون بأن احداث حكايات الف ليلة وليلة التي دونت في العهد العباسي وقعت في مدينتهم، وبما فيها من قصص للعشق والغرام يكشف وجهًا آخر غير الذي عرف به العراق من حروب لا تنقطع وموت لا تنجو منه الاجيال وبجميع الاعمار.
وقد يكون شباب العراق هذه الايام افضل حالاً من الذين سبقوهم فالهواتف النقالة ساهمت في تقليل الولع بين العاشقين وقد تكون قبلة عبر الاثير او رسالة اس ام اس افضل حالاً من لا شيء، واحيانًا تكون الدردشة عبر الانترنت والكاميرا الرقمية وسيلة منعشة ايضًا، في حين ما زال شباب التسعينات والثمانينات يتحسرون على سنوات شبابهم التي ضاعت.
يقول غسان علي quot;قضيت سنوات شبابي في التسعينات تحت مطحنة الحصار الاقتصادي الذي حرمنا من شراء بنطلون جينز او تي شيرت جميل، وكنا مثل قارب يصارع الغرق، وبعد ان تنتهي ساعات الدراسة الاولى في الجامعة نذهب للعمل للحصول على مصروفنا اليومي وبعد كل هذا التعب نلتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية فتحترق سنوات اخرى من شبابنا على لا شيءquot;.
في حين يعتبر الذين كانت سنوات شبابيهم في الثمانينات افضل حالاً اقتصاديًا لكنهم ايضًا قالوا إن ما فعلته الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمانية سنوات كافية بأن تقتلع الحب من جذوره وكان الهاجس الوحيد، إما ان تعود من ارض المعركة لأيام معدودة يلتقي فيها محبو بتك او تعود الى الابد في جثمان ملفوف بالعلم العراقي.
يحفظ العراقيون اغنية للمطرب الراحل رياض احمد يقول فيها quot;عراق هواي وميزة فينا الهوى خبلوا.. يأب العشق فينا بالمهود وتبدأ الرسلquot; ولعل ولعهم بهذه القصيدة يأتي من ولعهم بالحب نفسه، وهم اليوم بانتظار ان يحصلوا على اشجار اكثر ليجلسوا تحتها ويمنحوا العالم قبلات ساخنة اكثر.
