تسود في الأرياف السورية وريف اللاذقية بشكل خاص هذه الأيام طقوس احتفالية خاصة، حيث تجري التحضيرات لموسم قطاف الزيتون الذي ينطلق خلال أيام قليلة ويتأهب كل أفراد الأسرة الواحدة ويتفرغون لهذا الطقس الاجتماعي الحميم فيتم تحضير أدوات القطاف ومستلزماته لتبدأ الرحلة السنوية للأهل و الأقارب نحو كروم الزيتون والتي تستمر لما يقارب أسبوعين من الزمن.


رنا رفعت من اللاذقية: ويرتبط قطاف الزيتون كما يقول الباحث حيدر خنيسة بوجدان أهل الساحل وذاكرتهم الشعبية وعلى مدى قرون من الزمن بالمعاني الجميلة والمشاعر الدافئة فهو موسم البركة والرزق والألفة ولم الشمل إذ تتجلى فيه الروابط الاجتماعية القوية وأواصر المحبة والتعاون من خلال الأوقات التي يقضيها القرويون رجالا ونساء وشيبا وأطفالا في ظلال الزيتون منذ طلوع الشمس وحتى مغيبها.

وأضاف خنيسة ان العائلات قليلة العدد تعمد عادة إلى الاستعانة بعدد من العاملين لمساعدتها على القطاف إذا كان رزقها واسعا ويحتاج إلى عدد كبير من الأيدي العاملة ويتشارك هؤلاء الأفراد مع أصحاب الأرض العمل والمأكل والمشرب وأوقات الراحة دون أي تمييز وغالبا ما يقبض هؤلاء أجرهم على شكل نسبة من المحصول بدلا من المال.

وجرى التقليد الساحلي على أن تبدأ الأسرة قطاف الزيتون بعد أول هطول للمطر منذ مطلع شهر تشرين الأول من كل عام وعادة ما تختلف على نحو بسيط تقديرات كل عائلة حول الوقت الأنسب لقطاف محصولها لكن الغالبية العظمى تسارع خلال العشرة الأوائل من هذا الشهر لجني زيتونها خشية من هجوم الشتاء ببرده الشديد وأمطاره الغزيرة التي عادة ما تعيق عملية القطاف.

ويلجأ القرويون إلى عملية القطاف اليدوي لانها برأيهم أكثر صحة وسلامة للشجرة رغم المجهود المضاعف الذي تحتاجه حيث ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الوسائل و المعدات الحديثة لقطاف الزيتون ومنها الآلات الميكانيكية التي تهز الشجرة مؤدية إلى تساقط أكثر من تسعين بالمئة من ثمارها على الأرض وكذلك العديد من المواد الكيماوية التي تؤدي الغرض ذاته والتي يأبى معظم القرويين حتى الآن استخدامها.

ولفت خنيسة إلى أن جمع مستلزمات القطاف اليدوي وتحضيرها يتم في وقت سابق لتكون جميعها جاهزة وقت التوجه صوب الحقول والبساتين وتشمل هذه الحاجيات مفارش كبيرة الحجم من القماش أو النايلون إضافة إلى السلالم وأمشاط الأغصان والعصي وعبوات القصدير وعدد كبير من أكياس الخيش إضافة إلى زوادة الطعام التي تتكفل النسوة بتجهيزها وتكفي للعائلة بأكملها على مدى النهار.

وأوضح خنيسة أن طريقة قطف الزيتون الأسود تختلف عن الأخضر بفروقات بسيطة حيث يجري ترك شجر الزيتون الأسود إلى نهاية موسم القطاف ليبدأ قطف ثماره وخلال الفترة المنصرمة بحوالى شهر تقريبا يجري هز الشجرة بمعدل مرة واحدة أسبوعيا لتتساقط ثمارها الناضجة على الأرض في حين يترك الباقي على أغصانه حتى يكتمل نضجه الذي يستدل عليه من درجة اسوداده.

وأشار إلى أن طقسا زراعيا اخر عادة ما يعقب موسم القطاف ويسمى في الساحل السوري ب العفارة وهو عمل لا يقل عناء عن سابقه يتم خلاله العودة إلى الحقول من قبل عدد أقل من أفراد الأسرة لقطف الحبات التي غابت عن الأنظار قبل ذلك وتمشيط الأرض من الثمار المتبقية عليها أو تلك التي غطاها التراب والأوراق الكثيرة ويعمد في هذه الحال إلى نبش السطح الخارجي لأرض الحقل بأصابع اليدين لاستخراج هذه الحبات بما فيها الجافة منها والتي تصلح للعصر إن لم تكن جيدة للأكل.

أما تحضير الزيتون المنزلي فيتم حسب الطريقة الشعبية بغسل الثمار ومن ثم رصها باستخدام حجر الصوان أو أداة خشبية تشبه المطرقة وتخصص لهذا الغرض مع الحرص على عدم هرسها أثناء عملية الرص ومن ثم تبدأ مرحلة التحلية عبر نقع الثمار بالماء بشكل كامل تحاشيا لاسودادها حيث تبقى منقوعة لعدة أيام يتم خلالها تبديل الماء مرة يوميا لتخفيض نسبة المرارة في الثمرة.

واختتم خنيسة بالقول إن تخزين الزيتون يتم بعد ذلك بتصفية الثمار من الماء و وضعها في محلول ملحي ذي تركيز مناسب يضمن جودتها لأشهر طويلة ويفضل وضع الزيتون في أوعية زجاجية تكفل طعمه و لونه الأخضر البراق خلال فترة التخزين ويعمد الأهالي في الريف الساحلي غالبا إلى إضافة قطع من الليمون والفليفلة والزعتر الخليلي إلى الزيتون المرصوص كما تتم تغطية الطبقة العلوية منها بورق الغار وقليل من الزيت حتى لا يصيبه العفن وتختلف هذه الطريقة بشكل بسيط بين أسرة وأخرى.

يشار إلى وجود أكثر من ألف معصرة زيتون في مختلف المحافظات السورية والتي يتوقع مكتب الزيتون أن يصل إنتاجها هذا العام إلى 160 ألف طن من زيت الزيتون حيث يقدر أن يصل إنتاج سورية من ثمار الزيتون للموسم الحالي إلى نحو 845 ألف طن تنتجها 5ر66 مليون شجرة مثمرة من أصل 91 مليون شجرة موجودة في سورية.