غادة أسعد من الجولان: ملامحالجولان تغيرت فصارت المحلات التجارية، تكتب بالأسماء العبرية، وأصبح الأبناء يتحدثون العبرية بطلاقة، وجدتُ فروعاً لبعض المؤسسات الاسرائيلية في القرى الجولانية. وقد التقينا في مقهى quot;عود النعناعquot;، في مجدل شمس التقيتُ به، في الواحدة والعشرين من عمره، جلس الشاب باسل صفدي هو وصديق له، في ساعات الظهيرة يحتسي القهوة وبيديه سيجارته، بادرته بعد السلام عليه، والتعريف بنفسي، بالسؤال عن الأمل في عودة الأراضي الجولانية الى السلطة السورية، فقال: quot;هل أكلمك بصراحة؟!quot; وعندما أشرتُ اليه بالتأكيد، قال: quot;رغم بطاقتي الزرقاء التي أحملها، والذي أبدو فيها بأنني بلا وطنٍ، لكنني سوري الهوية والانتماء، أعيشُ يومًا بيوم، أعرّفُ نفسي بداية كإنسان، وأعمل كوكيل لأجهزة الكمبيوتر، وعملي ناجحٌ والحمد لله، لا أنظرُ الى الأفق البعيد، كل ما أريده حياة مستقرة، ووضع مادي ونفسي مريح، وأنا أشعر بهذا الأمر، على الأقل في هذه المرحلة من عمريquot;.
سألته: quot;ألا يهمك ضمّ الجولان إلى الأراضي السورية؟!quot;، فأجاب: quot;نعم أريد ذلك، أشعرُ بأنني وأبناء جيلي رعيلا ثانيًا أو ثالثًا، نعرفُ ما يدورُ حولنا، ونرفض الاحتلال ونقاومه اذا ما اقتضت الحاجة، لكننا في المرحلة الحالية، نعيشُ بهدوء دون أن نخوض نضالاً نُحتسب فيه بأننا أبطالquot;.
وعن توجهات الشباب ومجالات عملهم فقال: quot;الشباب السوري كحال الشباب في العالمين العربي والغربي، نتأثر بالتطورات التكنولوجية، ونحنُ هنا بمعظمنا نتوجه الى مهنة التدريس، لدينا مدرّسون وأطباء أكفاء والأجيال التي سبقتنا بمعظمها تستغل الأرض في الزراعة والفلاحة، وتعتمد على التصدير المحلي، ولكن نظل نحتاج الى امكانياتٍ غير متاحة في بلادٍ كبلادنا محتلة ومحاصَرةquot;.
وفي مكانِ عمله في موقع انترنت، جلس الصحفي وهيب أيوب (في العقد الخامس من عمره)، من مجدل شمس، وجلستُ قبالته أناقشه في مواضيعٍ شتى، أبرزها دور بعض الأنظمة العربية في تراجع مواطنيها عن العطاء والإبداع، إذ قال: quot;أما سمعتِ ما قاله الشاعر أدونيس؟! إنّ الشعوب العربية اليوم لا تنتج أبدًا، ولا تُصدّر إبداعًاquot;... أردتُ أن أفنّد ادعاءاته لكنني لم أفلح في ذلك، خاصة أن أيوب يبدو لي قارئاً مُلمًا وصاحب تجربة إنسانية طويلة في القضايا السياسية والأمنية، فقد اعتُقل نحو اثنتي عشرة سنة، لكنه خرج من تجربته يلوم الدول العربية بِما حلّ بشعوبها من تراجع ثقافي واجتماعي ونهضوي.
قال ايوب بالحرف الواحد: quot;مشكلتنا الأساسية في الجولان هو الاحتلال، صِرنا نعي تمامًا أنه عدونا الذي لن يترك أراضينا دون الحصول على ثمنٍ أكبر، ولن يتنازل عن الأراضي الجولانية وعن منابع المياه، وبحيرة طبريا، وكل المنافذ التي تمنحه الخيرات والأمن في الشرق الأوسط، ونسمع ونراقب ما يمارسه الاحتلال الاسرائيلي في مناطق ال 48 وال 67 وضدنا إذا ما فكرنا في طرده من أرضنا، لكنني كنتُ أتمنى أن تمُدنا الدول العربية بِمن فيها الوطن الأم بدعمٍ معنوي ومادي أكبر، الأمر الذي نفتقدهquot;.
وتابع أيوب: quot;نحنُ ما زلنا نقاوم، بأدواتنا البسيطة، لم يعد للمواجهة مكان، خاصة أنّ الإسرائيليين يعرفون أن وجودهم بيننا امرٌ مرفوض، وبات سلاحنا اليوم هو الثقافة، فحتى لو صرنا نتكلم العبرية مثلهم أو أفضل منهم، لن ننسى أن وطننا هو quot;سورياquot;.
تابعتُ جولتي في الجولان، ووجدتُ ابتسامة ترحابٍ أينما حللت، واستقبالاً توقعته فجاءَ فوقَ المتوقَع... فالجولانيون يشتهرون بالكَرَم، إضافة الى شهرتهم بكروم التفاح والكَرَز، وفي كل بيتٍ تطأ عتباته، يصرُ أهله أن تشاركهم وتؤانسهم في مجلسهم، وهكذا كان في بيت الأسير المحرر سيطان الولي، الذي أفرج عنه قبل سنة.
استقبلتني امتثال الولي، شقيقة الأسير بالترحاب مخففة بابتسامتها موجة الحر الشديد الذي لفحني خلال تجوالي.
طلبتُ منها لقاء سيطان، فأخبرتني انه في قرية مسعدة، واقترحت علي الانضمام اليه اذا شئتُ فوافقتها على الفكرة.
وبدأت امتثال تحدثني عن شقيقها الذي أمضى 23 عامًا في سجون اسرائيل، ومعه خمسة رفاق اتهموا بالتدبير لعمليات تخريبية ضد مواقع للجيش قرب الجولان.
ولم أكن أحتاج لأطرح عليها الأسئلة، فهي متحدثة لبقة ويثيرها الحديث عن شقيقها، إذ اعتبرته شريك وتوأم روحها، فقد تواصلت معه طوال أيام سجنه، وجمعت بينه وبين والده ووالدته، وهي مَن سارعَ للتخفيف عنه عندما علمت أنه مصابٌ بمرض السرطان.
قالت: quot;أتعرفين أنّ ما يحسُ به شقيقي احسه انا؟! وما يريده أعرفه دون أن يبوح بِه؟! وما يشعر بِه من حزنٍ حتى اليوم على رفاقٍ له رحلوا أعيشه أنا، كأنّ صديقه الراحل هايل أبو زيد، صديق عمري الذي استفقده حتى اليوم.. فأنا مثل سيطان، تغيرت الحياة بالنسبة لي عندما رحل صديق دربه، الذي توفي بعد صراعٍ مرير مع اللوكيميا (سرطان الدم)quot;.
وتابعت امتثال: quot;عاش المرحوم هايل أبو زيد معركتين، الأولى معركة المرض، والأخرى السجن، وأصعب من هاتين المعركتين لا أتوقع أن يعيش الإنسان... لقد انتقل من المعتقل الى القبر، فأيُ وصفٍ يمكن أن نتحدث بهِ حول ما عاشه هذا المناضل الراحل؟!quot;
وزادت امتثال: quot;استغرب مسألة عزله نحو ستة أشهر عن رفاقه وإبعاده الى سجن شطة، بينما الآخرون في سجن الجلبواع، الأمر يبدو غير طبيعي.. صحيح أنّ السرطان لا يمكن زرعه في جسم الإنسان وبالتالي لا يمكن أن يكون المرض بفعل فاعل، لكن يساورني وأهله وأصدقاؤه الشك بأن وراء وفاته إهمالاً مقصودًاquot;.
سألتها: أما كان بمستطاع الأهل تقديم شكوى بشأن الإهمال؟!
تبتسم ابتسامة ساخرة: quot;لمين بدي اشتكي، الشكوى لغير الله مذلةquot;.
انتقلت امتثال بحديثها نحو شقيقها فقالت: quot;رُحّل سيطان في 25/1/2006 الى سجن نفحة الصحراوي، وفي شهر حزيران، دهمه مرضٌ أعراضه كأزمة رئوية حادة، وعندما التقيته ووالداي كان واضحًا أنه في أقسى حالات المرض، طلبت من محاميه مجد أبو صالح أن يزوره، كما طلبت من الطبيب وجدي جميل صفدي أن يزوره ويعاين مرضه، وفعلاً زاره في الثلاثين من تموز، وبيديه تحسّس صدره، فأبلغه أنّ كتلة غير طبيعية تستقر بجانب كليته.
لم تأبه ادارة السجن لنداءاتنا، وأعيد في 16/12 الى سجن الجلبواع، فضغطتُ أنا على طبيب السجن كي يسمح للدكتور وجدي بمتابعة علاجه، فرفض، وعاينه بنفسه، وأكدّ بعد الفحص أنّ كتلة تستقر الى جانب الكِلية اليمين. وبدأت إدارة السجن بإجراء فحوصات سريعة، الأول في الثالث من شُباط/2007، ثم تبعه فحصٌ في الثاني عشر من شباط، وفي الثاني عشر من أيار أجريت عملية جراحية لسيطان تمّ خلالها استئصال كليته اليمين، وتبين ان الكتلة السرطانية يصل حجمها الى 12 سم، ما يعني انّ المرض يفتك بجسده، منذ أكثر من خمس سنوات على أقل تقدير. وما زالت هناك ثلاث كتل في جسمه، لكنها تسيطر على الشرايين والأوردة، لذا يصعب استئصالها، ولا يزال يتلقى علاجًا عسى أن يباعَد بين الكتل الثلاث والأوردة الدمويةquot;.
تابعت امتثال بلهجة حزينة: quot;محزن أن يقضي الانسان زهرة حياته كلها، 23 سنة، سنوات غير قليلة ذهبت من حياته كلمح البصر، كان صغيرًا وبريئًا وحالمًا عندما زُج به في السجن، في التاسعة عشرة من عمره، إنها مأساة إنسانيةquot;.
حديثي مع امتثال قطعه مداخلة الوالدة، ام سيطان، التي رحبت بنا وجلست بجانبي... هنأتها بعد مضي سنة على تحرير ابنها، وسألتها: متى كانت المرة الأخيرة التي كنتِ فيها في بلدتك؟!
* آخر مرة كنت فيها في سوريا عام 1966، يوم شاركتُ في حفل زفاف شقيقي، يومها كان سيطان رضيعًا ابنُ أربعة أشهر، وبعد عامٍ تمامًا اقفلت طرق الوصول الى سوريا، وما عدتُ الى سوريا حتى هذا اليومquot;.
قلت لها: مؤكد أنك مشتاقة لأهلكِ وأحبابك الذين فارقتهم...
بلهجتها السورية، المشبعة بالقاف المفخّمة قالت: quot;دموعي مثل العرق عم ينزلوا كُثُر ما انا متشوقة لأهلي، ببقى ماشية لحالي بشوفهن قبالي بحاكيهن، وإن نمت بيجو بمنامي... وين ما رحت ببقو قبال عيني. ماتت امي وبيي ومرّت عمي واختي، وبنت خيي صبية تركت وراها ولدين... صبية مثل قلب النهار، سبعة ماتوا وما قشعتهونش(لم ترهم)... قدمت كتير طلبات اشوف أهلي، رحت ع شمونة (كريات شمونة)، وسجلت في الداخلية، وحطيت مليون وستمية... وما بعرف وينتا راح يسمحولي... ان شاء الله قريبquot;.
تتابع الوالدة: quot;يا حبيبتي طريقنا من هون، من القنيطرة، بس شفت اخوي في الأردن، مثل اللي بقولو هاي اذني... منلملم هالقرشين على مضض، والمية في الاردن منشتريها، شفت اخوي وولادو وابني اللي ترك الجولان من زمان لما طلع يتعلم طب في سوريا، واليوم بشتغل في السعودية، شفته هو وابنه في الاردن... جبنا شريط من الاردن، ببكي الحجر، يوم ما التقينا شي بكينا من الشوق وانبسطنا.. ورجعنا بكينا من الوجع يوم الفراقquot;.
وتضيف الوالدة: quot;كثير وقفت ع تلة الصيحات (الشريط الفاصل بين الحدود السورية الحالية والجولان المحتلة)، كنا نحاكي قرايبنا عبر مكبرات الصوت، وجديد صرنا نحاكيهم بالتلفونquot;.
عدتُ لأثير شجونها بسؤالي: مشتاقة لتراب سوريا؟!
فأجابت: quot;كثير، بس نروح بدي احط تراب بحلقي واكل من تراب سوريا، كلنا سوريين حبيبتي، بس هني بعدونا عن بعضنا... ببقى بروح ع الغرفة هديك بتفرج ع الأخبار، اسى سمعي صار ثقيل، معدتش زي اول كتر ما في براسي همومي، شو بدنا نعمل... سمعت انه راح ترجع اراضينا لسوريا، وبقول ان شاء الله، الله كبيرquot;.
وعن تحرير ابنها من الأسر قالت: quot;ابني سلبلي عقلي، ثلاث وعشرين سنة محبوس، بقالو سنة طالع، بعدني مش مصدقة.. انبسطت بطلعة ابني كثير، بس طلعلي يا ميمتي مريض، يا حبيب روحي، سألوني شو مبسوطة بإبنك؟ قلتلهن ابني فقد كليته، مبسوطة؟!quot; بكت... وقالت:
quot;وين ما راح سيطان ابقى خائفة عليه، سمعت انه اذا زال عنه المرض، سيعيدونه الى الحبس، وأنا أقول، يرجعولي كلية ابني ويوخذوه ع الحبسquot;.
وآخر ما قالته: quot;الوطن غالي والولد غالي بس الكرامة فش اغلى منها، ما قدامها حداquot;.
وفي مركز قرية مسعدة، التقيته، فيه من الحيوية بقدر ما يحمله من علامات المرض، جلسنا في مكانٍ هادئ، وحدثني عن المفاوضات السورية الاسرائيلية الجارية فقال: quot;من المبكر الحديث عن اتفاق سياسي، فالأمور ما زالت غامضة، فالأمر يحتاج ايضًا تهيئة ظروف دولية وليس فقط اقليمية..
ومن البديهي القول ان سوريا مستعدة للدخول الى مفاوضات بشرط اعادة الجولان كاملة بحدود الرابع من حزيران عام 1967، من دون أي تفريط بأي شبرٍ من أرض الجولان بما فيها شاطئ طبريا والمناطق التي ادّعت اسرائيل انها ملكٌ لها حسب قرارات التقسيم القديمةquot;...
وتابع: quot;في ما يتعلق بتجربة الأسر فقصة أسري يعرفها الجميع، وتتلخص في 27 عامًا من الأسر، أمضيت منها 23 عامًا، وفي الثامن من تموز من العام الماضي، تمّ تحريري لاستكمال علاجي من مرض السرطان الذي اصابني، وستنظر المحكمة بعد نحو شهرٍ في مسألة إستكمال سنوات سجني، أم ستفُرج عني وفق حالتي الصحيةquot;...
سألته إن كانت هوية الجيل الجديد ضائعة، بين الاحتلال والوطن؟!
فردّ: quot;بل العكس تمامًا فكل مواطن يؤمن أنه عربي سوري، لكن يتفاوت عمق الموقف الوطني من انسان لآخر، ويتعلق أيضًا بمستوى وعيه وادراكه واهتمامه، وكل جولاني يعرف انه سيعود الى سوريا، لا يمكن استثناء أحد، الا الذين تربطهم مصالح شخصية مع الاحتلال وهم قلة قليلة جدًا تكاد لا تذكر... ما تغير بالنسبة للجيل الجديد هو أشكال التعبير عن الانتماء والهوية، فالطفل لا يجيد التأكيد على عمق انتمائه، لكنه يكبُر ويعي ذلك، عندما يصل الى منتصف العشرينات، عندها يتبلور وعيه، ويدرك تمامًا وضعه، وتتوقف مظاهر العولمة الموجودة اليوم، عن السيطرة على مشاعره... ولا أطالب الجيل الجديد أن يعبر عن وطنيته بطريقتنا، لأننا في مسيرتنا النضالية، حصلت بعض الأخطاء، بحكم اندفاعنا وعفويتنا النابعة من الشعور الوطني، لكن هذا لا ينفي الوعي السياسي الموجود لدى السواد الأعظم من الناسquot;.
وأخذ الحديث عن تجربته داخل المعتقلات الاسرائيلية، وختم حديثه بإجابتي عن امكانية إعادة محاكمته من جديد، وعودته الى السجن ليكمل مدّة محكومته بـ 27 فقال: quot;إعادتي الى السجن تشبه تمامًا وضعية الإنسان الذي وضع في مغطسٍ تحت الماء، ثم أخرجناهُ لبضع دقائق، ثم أعدناه الى المغطس، لكن ما يخفف الألم، أنني ما عدتُ غريبًا على تجربة السجن، فمن السهل أن اتقبل ظلمة السجون من جديد، ما يؤلمني ويؤذي مشاعري، أنني سأترك أسرتي ومجتمعي، بعد سنة عشتها في أحضانهم، كنتُ خلالها قد نسجتٌ خيوطًا من الود والمشاعر بيني وبينهم، هذه النوازع تنتابني لتجعلني في اضطرابٍ نفسي، ولا أحد يوجع قلبي سوى نظرة أمي التي تفتقدني وتتبعني بنظراتها أنّى ذهبت وكيفما حضرت...quot;.
