يهدف هذا البحث الى تحديد الحالات التي لا يجيد فيها المتدرب في ميدان الترجمة اختيار المفردات المناسبة اثناء الترجمة من الانجليزية الى العربية واسباب وقوعها وتفادي الاختلال الترجمي على مستوى النص من اجل تحسين اداء المترجم والاتيان بنصوص مترجمة تخلو من الركاكة وتتسم بالاتزان.

في احدى المناسبات أعطيت لطلبة السنة الأولى وهم متدربون في الترجمة تمرينا وهو عبارة عن نص يتحدث عن اضراب في احد المصانع الغربية وكان من بين جمله الجملة التالية:
1-The workers were immediately fired.
وقد ترجم أغلب الطلبة هذه الجملة بما يلي:

وقد تم على الفور إحراق العمال.

في نظري أحدثت هذه الترجمة اختلالا ترجميا على مستوى النص وذلك لأن ما جاء في الجملة يتنافى تماما مع المنطق وواقع الحال. وسبب هذا الاختلال في رأيي أيضا هو تشبث المترجم بالمعنى الأساسي لمفردة (fired) الانجليزية وعدم تكلفه عناء البحث عن المعاني الثانوية (غير الأساسية) لهذه المفردة.
وكل هذه المشاكل في رأيي يمكن حلها أو تجنب الوقوع فيها بقيام استاذ الترجمة تنبيه متدربيه الى جملة من الامور الأساسية :
1.مراعاة المنطق وواقع الحال عن الترجمة
2.عدم التسرع في اختيار المفردات وتوخي الدقة في اختيارها.
3.قراءة النص المترجم اكثر من مرة اذا سمح الحال.
4.الاهتداء بالسياق عند القيام بترجمة النصوص وعدم محاولة ترجمة النص على شكل جمل منفصلة عن بعضها البعض.
ومن الأمور التي يمكن أن يقوم بها أستاذ الترجمة هي متابعة هذا الجانب الإشكالي وعدم اغفاله وذلك باختياره نصوص تكثر فيها المفردات التي يمكن أن تسبب اختلالا ترجميا وركاكة اسلوبه. وهذا لا يعني التركيز كليا على هذا الجانب الاشكالي واغفال الجوانب الاشكالية الترجمية الأخرى كالدقة في اختيار أدوات الربط بين الجمل والفقرات على سبيل المثال لا الحصر.

سأقوم خلال دراستي هذه بالتطرق الى مايلي:-
1.حالات عدم الدقة في اختيار المفردات واسبابها.
2.حالات الاختلال الترجمي الناتج عن اختيار غير دقيق للمفردات.
3.كيفية معالجة هذه الحالات والاتيان بترجمات تتسم بالدقة والاتزان.
4.بعض الملاحظات بخصوص اختيار المفردات والترجمة الدقيقة والمتزنة.


1. حالات عدم الدقة في اختيار المفردات
وهي الحالات التي يكون فيها المتدرب في ميدان الترجمة غير قادر على التفريق بين المقابلات كثيرة التداول والمقابلات المقصودة والمناسبة والانحياز كليا الى المقابلات كثيرة التداول مما يؤدي الى جعل النص المترجم غير متماسك وركيك اسلوبيا، وهذه الحالات التي سأقوم بشرحها تباعا، هي حالات الانحياز الى :
1.مقابلات ذات معان أساسية وتجنب المقابلات ذات المعاني غير الأساسية (الثانوية) كاختيار المقابل الأساسي لمفردة (side) الانجليزية في نص يتحدث عن المثلثات
The triangle has three sides
للمثلث ثلاثة جوانب
2.مقابلات ذات معان محددة وتجنب استخدام مقابلات ذات معان عامة أو العكس بالعكس كاختيار المقابل المحدد لمفردة (corruption) الانجليزية بدل استخدام المقابل العام
The government is fighting corruption
تحارب الحكومة الرشوة
3.مقابلات تدل على أشياء محسوسة (اسم ذات) استخدام مقابلات تدل على معان أو اشياء تدرك عقلا (اسم معنى) أو العكس بالعكس وهي الحالات التي يكون فيها المتدرب في ميدان الترجمة غير قادر على التفريق بين المقابلات المقصودرة والمناسبة والمقابلات كثيرة التداول والغريبة من معاني المقابلات المذكورة أعلاه والانحياز الى المقابلات كثيرة التداول مما يؤدي الى جعل النص المترجم غير متماسك وركيك اسلوبيا. وهذه هي الحالات التي سأقوم بشرحها تباعا وهي حالات الانحياز الى.
كترجمة مفردة (price) في تغيير (price of war) سعر الحرب بدل ثمن الحرب.
4.مقابلات في حالة الجمع لها جذر مشترك مع مقابلات أخرى غير مقصودة في النص الأصلي كاختيار مفردة العاب لمفردة (toys).
ونظرا لقصر الوقت ومنعا للاطالة ووقوع الاعادة والتكرار سأكتفي بهذه الحالات الأربع:
•حالة عدم القدرة على التفريق عند الترجمة الى العربية بين المفردات ذات المعاني الاساسية والمفردات ذات المعاني الاساسية والمفردات ذات المعنى الاجمالي.
يجب ان نوضح هنا الفرق بين المفردات العربية الاساسية والاخرى غير الاساسية (الثانوية). غالبا ما تقدم المعاجم الثنائية اللغة كمقابل للمفردة الاجنبية اكثر من مفردة عربية واحدة.بعض هذه المفردات العربية مترادفة في المعنى مثل مقابلات الكلمة الانجلزية (believe) كما يوردها معجم المورد:
Believe 2(أ) يومن بـ (ب) يثق بـ
2 .يعتقد 3.يصدق
وبعض المفردات الاجنبية لها أكثر من معنى ولهذا تقابلها في العربية مفردات مختلفة كما هي الحال مع كلمة (scale) كما يوردها معجم المصطلحات الفنية :-
كفة الميزان، ميزان، قشرة، قشور، فلوس، حرشف، سلم. . . . .Scale
دلاليا اصطلح على المعنى الأول بالمعنى الأساس (basic meaning) وهو المعنى الذي يسود على باقي المعاني ويكثر تداول المفردة للدلالة عليه. أما باقي المعاني فتعتبر معان ثانوية يندر استعمال المفردة للدلالة عليها ولهذا أطلق عليها تعبير المعاني غير الأساسية أو الثانوية (non-basic meanings) وهناك فريق آخر الدلاليون يطلق مسميات اخرى على هذه المعاني ويختلف الباحثون بخوص هذه التسميات. حيث يسمي المعنى الأول للمفردة بالمعنى الأولي (primary meaning) وباقي المعاني بالمعاني الثانوية (non-primary meanings). أما نحن في هذا البحث فلا نرى ان الاختلاف كبير بين الاثنين، ونفضل أن نسمي المعنى الأول بالمعنى الأساسي أما المعنى الثاني بالمعنى غير الأساسي أو الثانوي.

في ميدان الترجمة من الانجليزية الى العربية نرى المتدرب يتشبث بالمعنى الاساسي للمفردة وكأنه المعنى الوحيد لها. بعض الأحيان يكون المتدرب صائبا ولكن في أحيان كثيرة يسبب اختياره هذا ركاكة اسلوبه ويجعل النص المترجم غير متماسك ويسهل على المترجم المتمرس ملاحظة ذلك. لنضرب هنا بعض الأمثلة الحية التي لاحظتها أثناء تدريسي الترجمة الى العربية في مدرسة الملك فهد العلي للترجمة في طنجة، ومنعا للاطالة سأكتفي فقط بالجمل التي ورد فيها الخطأ الترجمي.

في احدى المناسبات اعطيت للمتدربين نصا لكاتب امريكي يتحدث عن الحكم التركمي للعراق ووردت في النص الجملة التالية:
People died like files in the fall.
فقام أكثر من خمسين بالمائة من المتدربين بترجمة الجملة اعلاه كالآتي :
وكان الناس يموتون ميتة الذباب في الشلالات.
وعند الاستفسار عن سبب قيامهم بهذه الترجمة ابلغت من بين ما أبلغت أن المؤلف أراد أن يشبه ميتة الناس في ظل الحكم العثماني بصورة من صور الطبيعة. وفي الحقيقة أن سبب هذا الاختيار غير الموفق في رأيي يعود الى قلة اطلاع المتدربين على المعاني غير الأساسية الأخرى لمفردة (fall) ، وعدم مراعاتهم لهوية كاتب النصن بينت لهم أن اللغة الانجليزية التي يتكلمها البريطانيون لا تتشابه تماما مع اللغة الانجليزية التي يتكلمها الأمريكيون. وأن المفردة (fall) لها عدة معاني غير أساسية، فهي تستعمل لتعني أحيانا (فصل الخريف) وهو الاستعمال الذي يفضله الأمريكيون يمكننا أن نستخلص من هذا كله أن المتدربين الجدد لا يمكنهم التفريق بين المعنى الأساسي للمفردة وبين المعاني غير الأساسية الاخرى أو بين هذه نفسها مالم يتم توجيههم وارشادهم.

لننتقل الآن الى حالة عدم الدقة الأخرى الا وهي :

•حالة عدم القدرة على التفريق عند الترجمة الى العربية بين المفردات ذات المدلولات المحددة والأخرى ذات المدلولات العامة او العكس بالعكس.
هناك مفردات لها مدلولات عامة شاملة (including terms) وهي مفردات اطاراتها الدلالية تتسع لتشمل على أكثر من مدلول كمفردة الموت (death) التي يقع ضمن إطارها الدلالي مدلولات تعبر عنها مفردات من أمثال القتل (killing) السم (poisoning) الغرق (drowning ) . . . الخ.
وهناك مفردات اطاراتها الدلالية تقع ضمن الاطارات الدلالية للمفردات العامة الشاملة وتسمى بالمفردات ذات المدلولات المحددة أو الضمنية (included terms) كلمات من امثال : نهر (river) وبحر (sea) ومحيط (ocean) التي تقع مدلولاتها ضمن الاطار الدلالي لكلمة مياه (waters).

عند الترجمة الى العربية قد لا تحضر هذه المعلومات اللغوية في ذهن المتدرب ويظن أن هذه المفردات مترادفة ولا فرق بين احداها والاخرى ويقوم باستخدامها بشكل عشوائي، وتكون النتيجة ترجمة تعوزها الدقة. بالاضافة الى ذلك يميل المتدرب الى استخدام مفردات ذات مدلولات محددة في مواضع يمكن فيها استخدام المفردات ذات المدلولات العامة. وسبب هذا الميل في اعتقادي يرجع الى كثر ترددها في وسائل الاعلام المختلفة، واعتقاده التام بأنه يعرف المقابل العربي للمفردة، وتشبثه به قد يجعله يستغني عن المعجم الاحادي اللغة الذي لو استعان به ربما قد يحل له مشكلته.

لنأخذ مثلا على ذلك، في احدى المرات أعطيت الى المتدربين الجدد نصا ارشاديا يتحدث عن الاسعافات الأولية الأساسية. وكان النص مبتدأ بالجملة التالية:-
Snake bite-
Immediately get victim to a hospital .
وترجم أغلب المتدربين هذه الجملة كالآتي:
عضات الحية:- ينقل المصاب فورا الى المستشفى.

وعند الاستفسار عن السبب ابلغت أن معظم المعاجم يعطي مقابل لتعبير (bite) الانجليزي ) عضة). وهذا دليل على تشبث المترجم بالمعاجم الثنائية وميله الكبير نحو الترجمة الحرفية. لذا يجب أن يقال للمتدرب أثناء التدرب أنك تترجم نصا الى ناطقي اللغة المنقول اليها، كي يفهموه ويهضموه ويستسيغوه.

في الحقيقة ليس هناك مشكلة كبيرة بشأن الجملة المترجمة أعلاه ولكن بالإمكان الحصول على ترجمة افضل لها، لو تم إبدال كلمة (عضات) لكلمة اخرى يستسيغها العربي مثل (لدغة). كلمة عضة لها اطار دلالي واسع شامل ( أن يستعمل الكائن الحي فمه وبالذات اسنانه لتحقيق غايات عدة : كالتغدي أو الدفاع عن النفس . . .الخ).

لو أبدل تعبير ( عضات الأفاعي) بتعبير (لدغات الأفاعي) لكانت الترجمة أفضل ويستسغها الناطق باللغة العربية لأن اللدغ للحية واللسب للعقرب كما يقول الثعالبي. ويعني اللدغ استعمال الناب عند الأفعى للدفاع عن النفس. وبهذا يقع الاطار الدلالي لمفردة اللدغ ضمن الاطار الدلالي لمفردة العض، وبهذا يكون لمفردة اللدغ مدلول محدد بينما يكون لمفردة العض مدلول عام شامل.

في اعتقادي أن سبب الركاكة الأسلوبية هنا يرجع بالأساس الى ضيق اطلاع المتدرب على اللغة العربية بالرغم من حسن معرفته باللغة الاجنبية. ويرجع السبب كذلك كما ذكرت سابقا الى تقييد المتدرب بالنص والمعجم ثنائي اللغة وعدم اهتمامه بمن يترجم لهم.

لننتقل الآن الى حالة عدم الدقة الأخرى الا وهي:

•حالة عدم القدرة على التفريق بين المفردات ذات المدلول المحسوس (أسماء الذات) والمفردات ذات المدلول المدروك عقلا ( أسماء المعنى)
يعوز الكثير من المتدربين في ميدان الترجمة القدرة على التفريق عند الترجمة الى العربية بين المفردات المترادفة وغالبا ما يكون اختيارهم غير مناسب وتكون النتيجة نصا مترجما ركيك اسلوبيا .
يقسم (محمد خليفة التونسي 1998) الاسماء الى نوعين هما :
•الجامد: وهو الاسم الذي لا يشتق عن غيره كلفظة رجل أو حجر
•المشتق: وهو الاسم الذي يشتق من غيرة ككلمة مضرب متحجر.
ومن ثم يقسمون الاسم الجامد الى نوعين حسب دلالته على وجود الشيء الذي يشير اليه الى:-
•اسم الذات: وهو اسم يدل على شيء محسوس او ملموس مثل قلم وكرة.
•اسم المعنى: وهو اسم يدل على شيء يمكن ادراكه بالعقل فقط مثل فرح وحزن وفكر . ودائما ما تصف مصادر الافعال على انها أسماء معنى.
متدربو الترجمة كما ذكرت سابقا لا يميزون بين انواع الأسماء من ناحية الدلالة، لأضرب لكم مثلا على ذلك، في احدى المناسبات اعطيت لمتدربين مبتدئين نصا يتحدث عن سمات الرجل الانجليزي ، يبتدأ النص بالجملة التالية:
The English man appears to be cold and unemotional.

ادرك هنا المتدربون معنى كلمة (cold) واختار معظمه المصدر الصريح كتعويض للمفردة اعلاه ومنهم من اختار اسما مشتقا وهو تعبير (باردا) فتراوض ترجمتهم بين الجملتين المترجمتين التاليتين:
1.يتسم الانجليزي بالبرودة وعدم الانفعال.
2.الانجليزي رجل بارد وغير انفعالي.

هنا استاذ الترجمة لا يمكن أن يواجه صعوبة مع متدربيه لأن الجملة اعلاه مفهومة وقد ادرك معظم الطلبة المراد. لكن عندما أعطيت لنفس المتدربين نصا طبيا يتحدث عن أنواع الصدمات التي يمكن أن يواجهها الانسان وكيفية معالجتها أدركت أنه لابد من تنبيه الطلبة وشرح المعنى.
يبتدأ النص الطبي بالجملة التالية:
The shocked patient is usually cold and may be suffering from the effects of exposure.

هنا لم يفلح معظم المتدربين في اختيار الكلمة المناسبة المقابلة لكلمة (cold) الإنجليزية فجاءت ترجمتهم للجملة أعلاه كالآتي:
يكون المصاب بالصدمة عادة باردا وربما يكون يعاني من آثار التعرض للظروف الجوية.

في المثال المأخوذ من النص الذي يتحدث عن سمات الرجل الإنجليزي تدل مفردة (cold) على شئ لا يمكن إدراكه الا بالعقل ولا تدل على شيء ملموس لذلك صحت ترجمتها بالمفردة العربية (البرودة) او (باردا) ولكن في النص الطبي كلمة (cold) تدل على شيء محسوس وملموس وهو انخفاض درجة حرارة المصاب بالصدمة لذلك جاء اختيار معظم المتدربين لكلمة (بارد) في غير مكانه وكان من الأفضل لهم ترجمة الجملة كالآتي:

تنخفض عادة درجة حرارة الشخص المصاب بالصدمة وربما قد يستمر في معاناته من آثار الظروف الجوية.

في اعتقادي يرجع السبب في الركاكة الأسلوبية التي حدثت عند ترجمة النص الطبي يرجع الى عدم قدرة المتدرب على التمييز عند اختياره المقابلات للمفردات الانجليزية. فالمتدرب هنا غير قادر على التمييز عند اختيار مقابل لكلمة (cold) الانجليزية. وسبب عدم قدرته على التمييز هو تمسكه بالترجمة الحرفية أولا وثانيا قلة اطلاعه على ما كتبه قدماء علماء اللغة العربية في التفريق بين معاني المفردات، كفقه اللغة للثعالبي والفروق في اللغة العربية لأبي هلال العسكري على سبيل المثال لا الحصر.
لننتقل الى الحالة الأخرى والأخيرة وهي:

•حالة عدم القدرة على التفريق بين الجموع ذات الجذر الواحد
لا يميز المتدرب في ميدان الترجمة أحيانا بين انواع الجموع في العربية عند اختيار لبديل لمفردة أجنبية في حالة الجمع. وعندما لا يفلح في اختيار الجمع المناسب تأتي ترجمته ركيكة لا يقبلها السمع العربي. في اللغة العربية الجمع كما يذكر مهدي المخزومي ( 19) نوعان:
1.جمع تصحيح : وهو ما بقي بناء مفرد على حاله عند الجمع.
2.جمع تكسير: وهو ما تغير بناء مفرده عند الجمع.
ويقسم جمع التصحيح أيضا الى قسمين:
•جمع المذكر: وهو زيادة الواو والنون على مفرده في حالة الرفع والياء والنون في حالة النصب والجر ، مثل : عامل = عاملون.
•جمع المؤنث: وهو زيادة الألف والتاء على مفرده ، مثل: عاملة = عاملات.

اما جمع التكسير فله سبع وعشرون حالة، ونظرا لقصر الوقت وعدم ضرورة ذكر كل التفاصيل المعروفة، نكتفي بذكر وزنين فقط من الضروري ذكرهما هنا لأجل التوضيح :
•صيغة فواعل، مثل : عامل = عوامل
•صيغة فُعَال ، مثل : عامل = عمال

بعد هذه المقدمة القصيرة دعني أقدم لكم مثلا ترجميا حيا على عدم قدرة المتدرب المبتدئ على التمييز عند اختيارة مفردات لمقابلة المفردات الأنجليزية في النص المراج ترجمته في احدى الحصص الترجمية في مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، أعطيت الى المتدربين نصا حول الوضع الدستوري لدولة جنوب أفريقيا وكان النص يبتدئ بالجملة التالية:-

The history of every society reveals a struggle between forces which draw men together into one organized community and keep them there and those which disrupt a community and keep men apart.

عدد مهم من المتدربين قام بترجمة المفردة الانجليزية (forces) بالمفردة العربية (قوات) وهي كما هو معروف جمع مذكر سالم مفرده (قوة). فيما ترجمها اثنان فقط من هؤلاء المتدربين بالمفردة العربية (قوى) وهي كما هو معروف جمع تكسير مفرده (قوة) ايضا. يبدو واضحا في هذا السياق تعبير قوات تعبير غير مناسب لأننا هنا لا نتكلم عن أشياء محسوسة أو ملموسة واننا نتكلم عن أشياء لا تدرك الا بالعقل ولا يوجد هنا أفضل من جمع التكسير (قوى) للتعبير عن ذلك. في رأيي أننا هنا نلاحظ حالة واضحة من حالات عدم القدرة على انتقاء الجمع المناسب لمقابلة الجمع في النص الانجليزي المراد ترجمته مما أدى الى ظهور ترجمة لا تستسيغها الأذن العربي ما لم يتم ابدال الجمع بنوع آخر ،وهذا ما تم في الترجمة التالية للجملة أعلاه:-

ان تاريخ كل مجتمع من المجتمعات يكشف عن وجود صراع بين القوى التي توحد بين أبناءه على شكل مجموعة واحدة وتبقيهم في مكانهم وبين القوى التي تمزقهم وتفرق بينهم.

سبب اقدام المتدربين على اختيار المفردة غير المناسبة حسب اعتقادي يرجع الى عدم تميزهم لمدلولات الجموع وعدم تدريبهم على حسن اختيار المفردات وصلاحياتها اسلوبيا.
وهناك حالات أخرى من عدم القدرة على التفريق بين مدلولات المفردات ولكن لا يتسع المجال لذكرها هنا وسوف اخصص بحثا آخرا اشرح فيه بالتفصيل ما تبقى من هذه الحالات، أما الآن فلننتقل الى حالات الاختلال الترجمي التي تكون اكثر خطورة من حالات عدم القدرة على التفريق بين المفردات والتي يجب أن يتنبه اليها أستاذ الترجمة وينبه متدربيه على مواطنها وأسبابها:

2. حالات الاختلال الترجمي Mistranslation

وهي الحالات التي يستخدم فيها المتدرب في ميدان الترجمة مفردات بعيدة كل البعد عن مدلولات المفردات المناسبة والمقصودة بحيث يجعل وجودها ما ترجم يتنافى مع واقع الحال ويخالف منطق الأمور. أنها حالات اختلال واضح في توازن النص يدركها المتخصص في ميدان الترجمة وكل من له خبرة به. وهذه الحالات هي:-
1-حالة حصول اشتباه أو خلط لدى المتدرب في مفردة من المفردات.
2-حالة الاتيان بمفردة لها مدلول كعس مدلول المفردة المراد ترجمتها.
3-حالة عدم توافق ما ترجم مع ما سبق أو لحق من ترجمة في نفس النص.


1-حالة عدم حصول اشتباه أو خلط عند ترجمة مفردة من المفردات

هنا يحصل عند المتدرب خلط بين احدى مفردات الجملة في النص المراد ترجمته ومفردة أخرى مشابهة لها من حيث التهجئة ويختار مفردة عربية لمقابلة المفردة الشبيهة وليس المفردة الموجودة في النص أساسا وكمثال على ذلك اختلاط الامر عند المتدرب عندما يصادفه الفعل الأنجليزي (expect) ويختار له مفردة عربية تقابل المفردة الانجليزية المشابهة له (except) ويبتعد معنى الجملة المترجمة عن معنى الجملة الأصلية أو قد ينقلب. أو كاختيار المفردة العربية (وطني) للصفة الانجليزية (national) وهذا ناتج اما عن السرعة وعدم التأني عند ترجمة النص أو قلة اطلاع المتدرب على اللغة الإنجليزية وضعفه مم يمكنه منها.

اثناء احدى حصص الترجمة اعطيت نصا للمتدربين المبتدئين يتحدث عن قانون يحرم بيع الأعضاء البشرية. احدى جمله تقول :
The statute outlawing the sale of human organs was unpopular.
فترجم اثنان من الطلبة الجملة اعلاه كالآتي:-
كان التمثال الذي يحرم بيع الأعضاء البشرية غير شعبيا.

المشكلة هنا تدور حول ترجمة المفردة (statute). توهم المتدرب هنا وخلط بين مفردتين انجليزيتين هما : (statue) و ((statute المتشابهتين من ناحية الهجا واختار مفردة عربية تقابل مدلول الكلمة الانجليزية الشبيهة أي كلمة (statue) فتغير المعنى وأصبحت الجملة لا تمت الى الواقع بصلة وتخالف مجريات الأمور، فليس من المعقول ان يقوم تمثال مصنوع من الحجر أو الخشب أو المعدن بتحريم بيع الاعضاء البشرية. هناك سببان وراء هذه الترجمة غير الصائبة والتي ادت الى هذا الاختلال الترجمي هما:

1-اما ان المتدرب كان يعرف مدلولين الكلمتين المتشابهتين وجعلته السرعة وعدم التأني يختار مفردة مدلول الكلمة الشبيهة ويتجنب الاتيان بمفردة تقابل مدلول الكلمة الموجودة اساسا في النص .
2-او ان المتدرب لم يكن يعرف الا مدلول المفردة (statue) ولم يفكر مليا فجاء بمفردة عربية تقابل هذه المفردة الانجليزية فحصل هذا الاختلال الترجمي.

ويمكن تفادي تكرار ذلك بتنبيه المتدربين بضرورة التأني وقراءة النص بعناية ومحاولة زيادة معرفة المتدربين باللغة المنقول اليها.

لننتقل الآن الى الحالة الاخرى من حالات الاختلال الترجمي الا وهي:

2- حالة الإتيان بمفردة لها مدلول عكس مدلول المفردة المراد ترجمتها

هنا المتدرب لا يعرف مدلول المفردة ويجتهد بناءا على معطيات قد تكون داخل حدود الجملة أو خارجها ومن ثم ينتقي مفردة يكون مدلولها يتناقض تماما مع مدلول المفردة الموجودة اساسا في النص وكمثال على هذه الحالة لنأخذ الجملة التالية المأخوذة من نص يتحدث عن الغذاء والشراب وضرورتهما للجسم:
3-Water
Water is not a food but it must be considered here because it is vital to all the processes of the body.

ترجم عدد كبير من المتدربين المبتدئين الجملة اعلاه كالآتي:
2-الماء
الماء ليس غذاء ولكن يجب اعتباره كذلك لأنه حيوي لكل عمليات الجسم.

هنا لا يعرف المتدرب معنى الفعل (consider) فجاء بلفظ مدلوله يتناقض تماما مع ما يعنيه النص الانجليزي المراد ترجمته مما أحدث اختلالا واضحا في الترجمة لأن الجملة أصبح أولها متناقضا مع آخرها.

وغالبا لا يجيد المتدربون في ميدان الترجمة ترجمة الافعال العبارية او الافعال المصحوبة (phrasal verbs) ويجتهدون احيانا في انتقاء المفردات العربية لمقابلة مدلولات الافعال العبارية كما هي الحالة مع الجملة التالية المأخوذة عن نص يتحدث عن العلاقات بين بيرو والولايات المتحدة الأمريكية:
The U.S Congress has held up the $ 95 m aid package that is the United States’s modest share in this joint program.

ترجم عدد من المتدربين هذه الجملة كالآتي:-
قدم الكونغرس الأمريكي مجموعة من المساعدات تبلغ قيمتها خمسة وتسعين مليون دولار تمثل حصة الولايات المتحدة المتواضعة في هذا المشروع.

هنا لم يكن المتدرب يعرف مدلول الفعل العباري (hold up) فاجتهد في تفسيره وانتقى مفردة عربية لها مدلول يتناقض كليا مع مدلول الفعل العباري الموجود اساسا في الجملة اعلاه مما ادى الى حدوث اختلال ترجمي واضح. ولو كان المتدرب على دراية بمعنى الفعل العباري اعلاه لاختار الفعل (اوقف) بدل الفعل (قدم) ولجاءت الترجمة العربية خالية من مثل الاختلال الوارد في الترجمة اعلاه. بعد هذه لننتقل الى الحالة الأخيرة من حالات الاختلال الترجمي الا وهي:-

3-حالة عدم توافق ما ترجم في موضوع ما مع ما سبق او لحق من الترجمة

ما يحدث هنا هو حالة عدم توافق تتجاوز حدود الجملة الواحدة. بمعنى ان الجملة اذا أخذت بمعزل عن سياق النص يبدو معناها لا يخالف منطق الامور وتم بشكل محكم اختيار المفردات العربية المناسبة لمدلولات المفردات الانجليزية. لكن في واقع الحال لو أخذت هذه الجملة ضمن السياق العام للنص لأحدثت اختلالا واضحا. خطأ اختيار المفردة العربية لا يظهر ضمن حدود الجملة ولكن ضمن سياق النص.

لنرى كيف يترجم المتدرب الفقرة الثالثة المأخوذة من هذا النص:
The search for the best way to beat snake bites.
By Ian Smith

1-While neighbors feed the cat or walk the dog, David Theakston can be found stroking the head of a puff adder or carpet viper. And it is all in the interests of medical science.

2-Dr. Theakston is director of the Venom Research unit at Liverpool school of Tropical Medicine in charge of 200 snakes.

3-Daily the unit’s charges are “milked” of their venom by gently massaging. A gland above their eyes and then encouraging them to strike at a tissue covered glass.

Once collected the venom is subjected to intensive chemical analysis in an attempt to discover the ultimate snake-bite antidote.

من مسؤوليات الوحدة اليومية هي استخلاص السم من الثعابين وذلك بتدليك احدى الغدد الواقعة فوق أعينها برفق وبعدها تشجيعها على زرق السم فوق قدح مغطى بنسيج.

هنا لم يحاول المتدرب الاستهداء بشكل كامل بالسياق عندما حاول ايجاد مفردة عربية مناسبة لمقابلة مدلول المفردة الانجليزية (charges) وتقيد بدل ذلك بالمعنى الاساسي ويحدد الجملة ولم يحاول الخروج عن نطاق الجملة للبحث عن معنى مناسب للمفردة اعلاها. حيث ان لهذه المفردة الإنجليزية مدلول آخر وهو كما يعطيه (the Chambers Dictionary)
Charge = the person or thing in one’s care or custody.
والمقابل لها بالعربية كما يوردها المورد هو ( رعية) او ( عهدة).
فلو استعان المتدرب بدلائل من السياق لترجم الفقرة اعلاه بما يلي:
ويتم يوميا استخلاص السم من رعايا الوحدة من الثعابين وذلك بتدليك احدى الغدد الواقعة فوق اعينها برفق وتشجيعها على زرق السم فوق قدح مغطى بنسيج.

فهذا التقيد بمدلول المفردة ضمن حدود الجملة وعدم الاسترشاد بالسياق ادى الى هذا الاختلال الترجمي. ترجمة هذه الفقرة الخاطئة لو أخذت بمعزل عن النص لظهرت ترجمة سليمة لا عيب فيها ولكنها لو قرأت ضمن النص لظهرت كل عيوبها للمتخصص في هذا الميدان وكل من له خبرة فيه.

كيفية معالجة حالات عدم الدقة
وحالات الاختلال الترجمي

خصصت هذا الجزء من البحث لكيفية محاولة معالجة هذه الحالات بكاملها وقسم هذا الجزء الى قسمين:-
كيفية معالجة حالات عدم الدقة
كيفية معالجة حالات الاختلال الترجمي

كيفية معالجة حالات عدم الدقة
لا تتميز الاخطاء الناتجة عن عدم الدقة بفداحتها. فهي كما تبين لنا أخطاء تتعلق بعدم فلاح المترجم في اختيار المفردة المناسبة مما يؤدي الى ظهور ركاكة اسلوبية في ما تم ترجمته. وهي أخطاء يمكن تقويمها واهداء المترجم الى سبل اجتناب اختيارها، هدفنا العام هنا هو تنمية حس ترجمي لدى المترجم يمكنه من اجتناب الاختيارات غير الصائبة ويجعل من ترجمته ترجمة صائبة ومقبولة اسلوبيا من لدن الناطقين بلغة الضاد.

لتحقيق الهدف العام اعلاه يجب علينا ان نضع نصب أعيننا جملة من الأمور:
1-عدم التقيد بالمعنى الأساسي للمفردة وتجنب الترجمة الحرفية.
2-عند اختيار المفردات العربية يجب الاستعانة بمحتويات جملة النص الأصلي أولا وبالنص نفسه ثانيا.
3-عند عدم جدوى ذلك يجب الاستنجاد بالمعاجم او بأساتذة الترجمة أو المتخصصين في الميادين الأخرى ان استدعت الضرورة.
4-الانتباه الى مدلولات الجموع الواردة في النص المراد ترجمته .
5-الاهتمام بالتلازم اللفظي عند الترجمة الى العربية.
6-الاهتمام بمن يترجم لهم النص.
7-توسيع قاعدة معرفة المترجم المتدرب اللغوية أولا ثم العامة ثانيا .

كيفية تحقيق الهدف؟
لتحقيق الهدف العام لتنمية حس ترجمي لدى المترجم المتدرب عند اختيار المفردات العربية، يقوم استاذ الترجمة بإعطاء ثلاثة انواع من تمرينات تنجز داخل قاعة الدرس وهي:
1-تمرينات مكونة من فقرات مترجمة مأخوذة من النص المراد ترجمته فيها فراغات والمطلوب من المتدرب ملؤها (تمرينات الفراغات).
2-نفس النوع من التمرينات مصحوبة بعدة خيارات المطلوب من المتدرب ملؤها ( تمرينات الخيارات).
3-تمرينات لفقرات مترجمة من النص تم اختيار بعض المفردات بشكل ------المطلوب من المتدرب تحديد مكان الخطأ والاتيان بالمفردة المناسبة( تمرين تحديد الخطأ).

1- تمرينات الفراغات
هذه التمرينات تتكون من جمل مترجمة مأخوذة من النص المراد ترجمته داخل قاعة الدرس. في هذه الجمل هناك فراغ لمفردة محذوفة المطلوب من المتدرب ان يقرا أولا النص المراد ترجمته ثم الجملة واعطاء المفردة المناسبة التي يمكن وصفها في الفراغ لإتمام معنى الجملة ، لنأخذ مثلا على ذلك هذه الجملة المأخوذة من نص يتحدث عن عالم في الفيزياء:
He achieved an overwhelming success in 1976.
وصفت الجملة المترجمة كتمرين فراغات على الشكل الآتي:

حقق نجاحا --------في سنة 1976.
طلب من المتدرب المتبدئ أن يملأ الفراغ لاتمام معنى هذه الجملة وجعلها مقبولة اسلوبيا لدى الناطقين بالعربية. فملأ الفراغ وجاءت الجملة على الشكل التالي:

حقق نجاحا باهرا في سنة 1976.

الغاية من التمرين ( هنا هي) تنمية حس ترجمي لدى المترجم في ميدان التلازم اللفظي.

لنأخذ مثلا آخرا وهو الجمل التالية المأخوذة من نص يتحدث عن تجربة أجريت على نباتات البازلاء (pea plant) اجراها عالم الوراثة المعروف "غريغور ميندل" “Gregor mendel” في 1860’s :-
He then tied a little paper bag around each flower to prevent any unwanted pollen from flying in.

وتم وضع الجملة المترجمة كتمرين فراغات كالآتي:-
وبعدها شد حول كل-------- -------- ورقي صغير لمنع انتقال اللقاح غير المرغوب فيه اليها.

بعد قراءة النص وبعد قراءة الجملة طب من المتدربين المبتدئين ملأ الفراغين وجاءت الترجمة التي تم الاتفاق عليها:

وبعدها شد حول كل زهرة كيس ورقي صغير لمنع انتقال اللقاح غير المرغوب فيه اليها.

الغية هنا هي تنمية حس ترجمي لدى المتدرب في ميدان اختيار المعاني المناسبة للمفردات المراد ترجمتها ( الأساسية أو غير الأساسية) وتشجيعه على الاستعانة بمفردات اخرى في الجملة لمعرفة مدلول المفردات الأخرى وتجنب الترجمة الحرفية. فإذا اراد ان يختار مفردة لمدلول كلمة (bag) عليه ان يرجع الى المفردتين (tied) و (flower) فليس من المعقول منطقيا ان تشد حقيبة حول كل زهرة لذا كلمة (bag) هنا لا يمكن ترجمتها بفردها وانما يجب ان تؤخذ ضمن سياق الجملة.

وكذلك تشجيعه على قراءة النص ومعرفة الموضوع الذي يتحدث عنه هذا النص. فلولا معرفة المتدرب لموضوع النص وقراءته له لما اختار المفردة العربية ( الزهرة) لمقابلة مدلول الكلمة الانجليزية (flower) حيث ادرك ان التزهر هي مرحلة من مراحل نمو النباتات وابتعد عن المفردة المرادفة ( الوردة).

2- تمرينات الخيارات

هذا النوع من التمرينات لا يختلف عن النوع السابق سوى انه في هذا النوع من الخيارات يعطى للمتدرب عدد من الخيارات المطلوب من اختيار المفردة الصحيحة والمناسبة لملأ الفراغ واتمام معنى الجملة وذلك بعد قراءة النص المراد ترجمته وربما يسأل عن جدوى هذا النوع من التمرينات فردنا عليه هو اننا أدخلنا هذه التمرينات في ميدان العمل وذلك للقضاء على الملل أولا ولتوسيع مخزون المتدرب من المفردات.

لنأخذ مثلا على تمرينات الخيارات ، هذه الجملة المأخوذة من نص يتحدث عن طب الأسنان التقليدي في باكستان:
For those contemplating a set of dentures, the bill can soar to 500 Rupees ($23) for a tooth replacement.
اما بالنسبة لأولئك الذين يفكرون في وضع أطقم اسنان فإن فاتورة الحساب قد ترتفع لتصل الى 500 روبية أي ما يعادل 23 دولارا مقابل--------- الواحدة.
(الضرس ، السن ، الناب)

فملأ الفراغ وتم الاتفاق على الترجمة التالية للجملة أعلاه:
اما بالنسبة لأولئك الذين يفكرون في وضع أطقم اسنان فإن فاتورة الحساب قد ترتفع لتصل الى 500 روبية أي ما يعادل 23 دولارا مقابل السن الواحدة.

الغاية هنا هي تنمية حس ترجمي عند المتدرب في ميدان اختيار المفردات ( المعنى العام والمعنى المحدد) أولا وثانيا لتوسيع قاعدة معلوماته وثالثا زيادة مخزونه من المفردات.

3- تمرينات تحديد الخطأ
هذا النوع من التمارين لا يختلف كثيرا عن النوعين السابقين هنا يقوم استاذ الترجمة بإعطاء اكثر من ترجمة للجملة المأخوذة من النص المراد ترجمته. يتم في هذه الجملة ابدال المفردة المجيرة بمفردات عربية رديئة او مختلفة ومن ثم الطلب من المتدربين المبتدئين تحديد الترجمة غير الصائبة وابدال المفردة الخطأ بمفردة صحيحة ومناسبة وتبيين السبب.

لنأخذ مثلا على هذا النوع من التمارين وهو جملة مأخوذة من نص يتحدث عن الاكتشافات في علم الأحياء :-
The story of biology includes many important discoveries in which keen observations by an astute scientist played a central role.
هنا يتم اعطاء عدد من الترجمات المتشابهة والتي يتم فيها ابدال مفردة (story) في النص الأصلي بمفردات عربية مترادفة :
1-تتضمن قصة علم الأحياء العديد من الاكتشافات المهمة التي لعبت فيها الملاحظات الذكية للعلماء الحاذقين دورا رئيسيا.
2-تتضمن حكاية ------------
3-تتضمن رواية-------------.

واذا تم رفض هذه المفردات المقابلة لمفردة (story) في النص الأصلي ، يطلب من المتدربين تحديد المفردة المناسبة وتبيين السبب وقد تم ذلك وتم الاتفاق على الصيغة التالية:
4-يتضمن تاريخ علم الاحياء العديد من الاكتشافات المهمة التي لعبت فيها الملاحظات الذكية للعلماء الحاذقين دورا رئيسيا.
الغاية العامة كما قلنا هي تنمية حس ترجمي لدى المتدرب. وبالرغم من أن هذا النوع من التمارين لا يختلف كثيرا عن النوع السابق ، الا ان الغاية الاخرى وراء اعطاءه هي التنويع والقضاء على الملل.


كيفية معالجة حالات الاختلال الترجمي

تتسم حالات الاختلال الترجمي بفداحتها، فهي كما تبين لنا اخطاء ناتجة عن انتقاء غير صائب لمفردات عربية لمقابلة مدلولات مفردات انجليزية وردت في النص المراد ترجمته. هذه الأخطاء تؤدي الى اختلال واضح في النص المترجم. لذلك يتعين على اساتذة الترجمة أو المختصين في هذا الميدان تحديد طبيعة هذه الأخطاء وايجاد السبل الكفيلة بمعالجتها وهذا ما فعلناه وسنفعله في هذا البحث.

غايتنا هنا تنمية حس ترجمي لدى المتدربين لتحديد طبيعة الاختلالات الترجمية اثناء الترجمة الى العربية او بعدها ومحاولة ايجاد السبل اللازمة لمعالجتها والاتيان بنصوص مترجمة تتسم بالدقة والاتزان والتماسك وخالية من مواطن الضعف والاختلال.
ولتحقيق هذه الغاية العامة يجب علينا ان نأخذ في نظر الاعتبار عدد من القضايا المهمة وهي:
1-مراعاة السياق والالتزام بالنص وتجنب الترجمة الحرفية .
2-التأني عند قراءة النصوص المراد ترجمتها.
3-التأني عند الاجتهاد في انتقاء المفردات.
4-عند اختيار المتدربين يجب التأكد من تمكنهم من اللغتين اللتين تتم بينهما الترجمة.

وعمليا يمكن تجنب حالات الاختلال الترجمي باعطاء المتدربين عدد من التمرينان التي يتم القيام بها ضمن الوقت المخصص لحصة الترجمة. وهذه التمرينات التي تتم اثناء الترجمة هي من أربعة انواع:-
1. تمرينات تشتمل على فقرة مأخوذة من النص المترجم وقع فيها خطأ فادح، يطلب استاذ الترجمة تحديد الخطأ وتقويمه ونسميها (تمرينات الخطأ الفادح).
2. تمرينات تحتوي على فقرات مأخوذة من النص الأصلي يتم فيها ابدال الكلمة الأصلية بكلمة شبيهة ونسميها (تمرينات الابدال).
3.تمرينات تحتوي على فقرات مترجمة يقوم فيها الاستاذ بقلب مدلول احدى المفردات الانجليزية ويطلب من المتدربين تحديد الخطأ وتقويمه ونسميها ( تمرينات القلب).
4.تمرينات تتضمن تحليل نصوص عربية كتبها مؤلفون عرب

1.تمرينات الخطأ الفادح

اثناء ترجمة النص داخل قاعة الدرس أو بعده يعلن الأستاذ أن فقرة من فقرات النص الذي يختاره بدقة تحتوي على خطأ فادح أغفله المتدربون نظرا للسرعة وعدم الانتباه.
يقوم الاستاذ بتحديد الفقرة ويطلب من متدربيه تحديد الخطأ وتبيين اسبابه وطبيعته، ومن ثم تقويمه في ظل سياق النص المترجم ومنطق الأمور.
لنأخذ مثلا على ذلك، نصا مكونا من فقرتين مأخوذة من نص يتحدث عن مرض البلهارزيا. في فقرته الثانية وردت الجملة التالية:-
-They (the larvae) penetrate the unbroken skin of any body coming in contact with water, and enter the blood stream to develop into adult worms.

وترجمت هذه الجملة كالآتي:-
وتنفذ ( اليرقات) من خلال الجلد السليم لكل شخص يلامس الماء وتدخل مجرى الدم لتتحول الى ديدان بالغة.

وفي الفقرة الثانية من النص وردت الجملة التالية:-
- Water for human consumption must be sterilized before use either by boiling or by the use of chemicals.

وترجمت هذه الجملة على الشكل التالي:-

كما يجب تعقيم الماء المشروب قبل شربه اما بالغلي او باستخدام المواد الكيماوية.

هنا وقع خطأ فادح أغفله المتدربون. وفي نهاية ترجمة النص تم الاعلان عن وجود خطأ فادح في الفقرة الثانية، على المتدربين تجديد المفردة التي وقع فيها الخطأ وتقويم هذا الخطأ وبعدها تم العثور على الخطأ وتم الاتفاق على أن تكون ترجمة الجملة اعلاه كما يلي:-

كما يجب تعقيم الماء المخصص للاستعمال البشري قبل استعماله اما بالغلي أو باستخدام المواد الكيماوية.

الغاية هنا هي التنبيه على أهمية السياق في الترجمة والالتزام بالنص وتجنب التعابير التي يكثر ترددها في غير موضعها.


2.تمرينات الابدال

هنا يقوم أستاذ الترجمة باعادة طبع النص المختار لترجمته داخل قاعة الدرس ويقوم بابدال المفردة في احدى فقراته بمفردة اخرى مشابهة لها من ناحية التهجئة ويطلب من المتدربين التأني عند قراءة وترجمة النص والاجتهاد المتأني عند ترجمة مفرداته.

الغاية من اعادة الطبع هنا هي جعل النص المراد ترجمته يبدو طبيعيا بدلا من تنبيه المتدرب الى المفردة المحيرة اذا تم حذفها، واعادة طبعها في نص مأخوذ من جريدة او مجلة.
لنأخذ مثلا على ذلك، هذه الجملة المأخوذة من نص يتحدث عن الاضاءة والانارة (lighting).
Unlike many animals, man does not usually go to sleep when day light fails, but carries on his activities by means of artificial lightning which can be provided from a variety of scouces, ranging from a primitive oil lamp to the latest type of electric lightning.

هنا قمنا باعادة طبع المفردة الانجليزية (lighting) وقمنا بإضافة حرف آخر وهو (n) قبل (ing) ، وطلبنا من المتدرب التأني عند قراءة النص وترجمته لأن هناك خطأ. وبعد اعطاء المتدربين ما يكفي من الوقت وبعد المناقشة تم الاتفاق على الترجمة التالية:-

وعلى العكس من العديد من الأحياء الأخرى لا ينام الانسان عندما ينعدم الضوء، ولكنه يواصل نشاطاته بواسطة الإضاءة ( وليس البرق) الاصطناعية التي يمكن توفيرها بطرق مختلفة ابتداء من مصباح الزيت البدائي الى احدث انواع الإضاءة (وليس البرق) الكهربائية.

بطبيعة الحال هذه الجملة وغيرها من الجمل التي وردت في هذا البحث ليست مختلفة وأنما مأخوذة من نصوص حقيقية ألفها مؤلفون أجانب وتمت ترجمتها ضمن حصص الترجمة التي كنت أقوم بها في مدرسة الترجمة في طنجة.

الغية من هذا التمرين هي دعوة الى التأني عند قراءة النص المراد ترجمته والى الاجتهاد المتأني عند الاحساس بوجود خطأ في النص أو عدم معرفة مدلول المفردة المحيرة.


3.تمرينات القلب
في هذا النوع من التمرينات يقوم استاذ الترجمة بانتقاء فقرة من فقرات النص المراد ترجمته، ويترجمها الى اللغة العربية بحيث يقوم بترجمة المفردة المحيرة بمفردة عربية لها مدلول لا يتطابق مع أي مدلول من مدلولات المفردة الانجلزية، ومن الأفضل ترجمتها بمفردة لها مدلول معاكس تماما للمفردة الانجليزية. بعدها يطلب من المتدربين في بداية حصة الترجمة ان ينتبهوا الى ترجمته بهذه الفقرة دون أن يعلن عن وجود خطأ فيها. بعد ذلك اذا لم ينتبهوا الى الخطأ عليه أن يعلن عن وجوده في الفقرة ويطلب تحديد مكانه وتقويمه.
لنأخذ الجملة التالية كمثل على ذلك وهي مأخوذة من نص كما ذكرنا يتحدث عن بيع الأعضاء البشرية:-
The statute outlawing the sale of human organs was controversial.
تم ترجمتها كتمرين على الوجه الآتي :-

كان القانون الذي يبيح بيع الأعضاء البشرية مثيرا للجدل.

أعطيت الى المتدربين وطلب اليهم ان ينتبهوا الى الترجمة بشكل جيد، وتم اكتشاف الخطأ وأعيد ترجمة الجملة على الشكل التالي:-

كان القانون الذي يحرم بيع الأعضاء البشرية مثيرا للجدل.

ولنأخذ مثلا آخرا من جملة من فقرة مأخوذة من نص يتحدث عن الأميبيا. تقول الجملة الانجليزية:-
Loew studies are parasitic amoeba so small that 7000 could fit on the head of a pin.
ترجمت كتمرين قلب الى ما يلي:-

وتشتمل دراسات السيد لو على الأميبيا الطفيلية التي هي من الصغر بحيث يمكن تثبيت الف منها على رأس مقلاة.

أعطيت الترجمة الى المتدربين ولم ينتبهوا، وأعلن عن وجود خطأ في الجملة وطلب تحديده. وبعدها بلحظات تم اكتشاف الخطأ وتم تقويمه على الشكل التالي:

وتشتمل دراسات السيد لو على الأميبيا الطفيلية التي هي من الصغر بحيث يمكن تثبيت ألف منها على رأس دبوس.

إذ اعتقد أن أغلب المتدربين أن تعبير " تثبيت الف منها على رأس دبوس" أقرب الى المنطق من تعبير" تثبيت ألف منها على رأس مقلاة".

إن الغاية من هذا التمرين هي التدرب على الاجتهاد المتأني وتوسيع مخزون المتدرب من المفردات الأنجليزية وما يقابلها في اللغة العربية.

4.تمرينات تحليل النصوص العربية
في هذا النوع من المتمارين يتم التأكد على مقويات توازن النص العربي وتماسكه وتنبيه المتدربين اليها وذلك منعا لوقوع الاختلال الترجمي اثناء الحصص الترجمية. ومن بين ما تقوم به أثناء هذه التمرينات هو تحويل بعض فقرات هذه النصوص العربية غير المترجمة الى تمرينات قلب وتحويل بعضها الآخر الى تمرينات ابدال.

لنأخذ هذه الجملة من نص يتحدث عن الأحكام التي صدرت في السعودية ضد الممرضين البريطانيين المتهمين بقتل زميلتهما. والنص يمثل رأي جريدة القدس العربي التي تصدر في لندن، تقول الجملة الأصلية:-

وعندما تعلم بريطانيا أننا نتلاعب بقوانيننا ونطوع احكامها ارضاء للاعلام الغربي، و --------لانتقاداته اللاذعة ونطبقها فقط على مواطني الشعوب المعدمة ، فإن من حقها أن تعتبر أحكامنا جائرة.

قمنا هنا بابدال المفردة ( المعدمة ) بمفردة شبيهة لها وهو المفردة ( المعدومة) وطلب من المتدربين الانتباه الى النص بصيغة معدلة. وتمكن عدد لا بأس به من المتدربين تحديد موقع الخطأ وتم ارجاع المفردة الأصلية الى موضعها.

ومن بين الأمور التي يتم مناقشتها اثناء تمرين تحليل النص مسألة الترجمة الحرفية وكيفية تجاوزهأ. لنأخذ مثال على ذلك وهي الرسالة التي وجهها الشاعر العربي (أودنيس) الى وزير الثقافة التونسي يعتذر فيها عن حضور الملتقى الأول للشعراء العرب في تونس من 22 الى 25 سبتمبر 1997، والتي جاء في احدى فقراتها :

ولما كان يتعذر علي التحكم بهذه المبادئ

طلب من المتدربين اعطاء البديل الترجمي لتعبير (يتعذر علي التحكم) وقد تمكن المتدربون من اعطاء ذلك البديل وهو تعبير ( خارج نطاق ارادتي ) الذي هو عبارة عن ترجمة حرفية للتعبير الانجليزي (beyond my will).

الغاية من هذا التمرين وغيره هي الحفاظ على توازن النصوص وتكون قدرة للمتدرب للقيام بذلك اثناء الترجمة من الانجليزية الى العربية.

أخيرا يجب أن لا تفهم خطأ في هذا البحث على أن حالات الاختلال الترجمي اساسها الوحيد هو الاختيار الخاطئ للمفردات فقد حالات الاختلال الترجمي نتيجة لاختيار خاطئ لصيغة فنية ما أو اختيار خاطئ لاحدى أدوات الربط أو غير ذلك.


الخاتمة

بعد هذا العرض للمشاكل التي يسببها اختيار المفردات واسبابها وكيفية معالجتها لابد لنا من الاتيان ببعض الملاحظات حول هذه المسألة:-
1.حالات عدم الدقة أخف وقعا على تماسك النص ووحدته ومعناها من حالات الاختلال الترجمي.
2.محاولة التخلص التدريجي من حالات عدم الدقة اثناء التدريب.
3.التركيز على إبادة حالات الاختلال الترجمي في بداية التدريب.
4.تنمية حس ترجمي لدى المتدرب وجعله يقظا ومنتبها للحالات التي تجهض الترجمة الجيدة وتشوه محصولها.
5.ضر