إيلاف من بيروت: هناك من العتبات ما تعبـره شقيًا مجهدًا، وأنت في كامل الثقل لا تكاد تحمل جسمك وكأنك تعبر وحلًا، مشدودًا إلى ما في قاعه من الطين الذي يثقل خطوك. وهناك منها ما تعبـره رشيقًا وأنت في كامل الخفة والأناقة، كأنك تعبـر حقلًا من الورد، مستمتعًا بالمنظر الخلاب منتشيًا بالعطر والأطياب.

هكذا يقدم جاسم عساكر لقراءته كتاب "على عتبات العمر" لخالد بن بن إبراهيم الجريوي (دار مدارك)، قائلًا: "تجدك تتوقف أمام كل عتبة قبل أن تعبرها، وكأنك تتملاها وتسأل: إلى أين ستصعد بي؟ وأين سوف يكون مصيري؟ كمن يصعد سلم المقامات درجة درجة حتى بلوغ النشوة في آخر الكأس، كأس الغناء".

مواد بناء العتبات

يضيف عساكر: "لك هنا أن تسأل: ما هي مواد البناء التي استخدمها الكاتب في تشييد عتباته، وإلى أين يريد أن ينتقل بك من خلالها، لتتجول معه في متحف عمره الذي لم يشأ له أن يمر هكذا دون أن يصطاد كل لحظة في دقائقه وثوانيه ويوثقها في إطار مصور يعلقه على جدران هذا الزمن، ربما يشعل روح من جاء بعده بزيت الحماسة في موقف ما، وربما يسعد قلبًا أشقاه نبضه في ردهات العمر بموقف آخر، وربما يشد أزر نفس توشك على الانهيار، وهكذا كل عتبة تنتقل بك إلى ركن من أركان نفسه التي عايشت تلك المواقف".

وبحسبه، ما يجدر الالتفات إليه في هذا الكتاب الذي خط مقدمته الفارهة الناقد سعيد السريحي، ببصيرة الناقد الحصيفة، إيمانًا منه بأهمية رسم خارطة جغرافية أمام القارئ لتفاصيل ما يكمن خلف تلك العتبات، "تسهل أمامك مهمة التنقل من عتبة إلى أخرى بكل سلاسة ويسر، أقول ما يجدر الالتفات إليه علاوة على ما ورد من مواقف حياتية تدعو إلى التسلح بالنور في مواجهة الظلمة، والانحياز نحو القيمة الإنسانية الفضلى ضد الإسفاف، هو الخيط الشفيف الذي يشدك به الكاتب إلى مصيدة الأدب اللذيذ في صياغة الفكرة، حيث أنه يقدم أفكاره بصياغة أدبية شاعرية غاية في السمو الأدبي تأسر روحك، دون تكلّف في البوح أو تقعير في اللغة كحالة استعراضية، كل ذلك لأنه يصب عتباته بنبضه الإنساني المفعم ولا يستخدم قوالب خرسانية جاهزة".

ويشير عساكر إلى الروح الأدبية الشاعرية والشفافة، "وكلما شئت أن أصل للاستشهاد وجدتني مشدودًا إلى جنبة أخرى تستدرجني إليها فأنجذب، وتلك حيلتي في ألا أفوّت فرصة استمتاعي بالوقوف على كل عتبة".

قبلة امتنان صغيرة

ففي الإهداء، يقول الكاتب: "عادة ما تكون إهداءات الكتب مثل حبة الكرز على الكعك، قبلة امتنان صغيرة يطبعها الكاتب على جبين من أضاء له الطريق يومًا:، فيلمس عساكر التصوير الأدبي السامي، ومنسوب الشاعرية المرتفع، في فلسفة الإهداء. ويقول في عتبة "رجل السماء" التي خصها للحديث عن والده: "هنا أتكلم عن سيدي والدي وتاج رأسي وعزوتي وسندي بعد الله عز وجل (...) مرت الحياة مثل غيمة تسبح وحيدة في كبد السماء، وما أن انقضت الظهيرة حتى بدأت الغيمة تتلاشى". يعلق عساكر: "قف هنا على هذه الصورة التي أتت من الطبيعة الخلابة، لتجدك طائرًا محلقًا في سمائها حتى لتكاد تلمس الغيمة بيدك وأنت تطاردها خلف هذا الوصف".

حين ينتقل الكاتب من الأب مرورًا بالأم يجد نفسه وجهًا لوجه أمام ذاته متسائلًا عن الإنسان وكيف يكبر. يقول: "كلما مني مُنيَ بخيبة، أشرقت شعرةٌ بيضاءُ في رأسه لتعيش نهارها الأبدي كالسراب". يكتب عساكر: "هنا لم يقل كلما مرت سنة كبر الإنسان، وإنما يكبر المرء بالخيبات، ويا لها من مفارقة عجيبة، كيف يصبح الشاب كهلا وهو لم يتجاوز العشرين، تبًا للخيبات".

للذاكرة عتبتها

"عتبة تضاريس الذاكرة" لا تقل عن سابقاتها. ربما تعصف بها رياح العمر، ولا يؤثثها سوى الحنين والذكريات التي تروّض وحشية هذا الوقت المتنمر، كما يقول عساكر، مستعيداً من الكتاب: "أسعدنا حظًا من سعى جاهدًا إلى تأثيث ذاكرته بصور الأحبة، وضحكات الخلان، وتلك الوجوه المبتسمة، وأيادي الأطفال، وهي تعبث بدهاليز الحياة في ملامحنا". 

ومن هذه العتبة إلى عتبة "إرشيف الذاكرة" حكاية انتقال سلسلة، كما يقول عساكر، "تدل على أن حنين الكاتب الأبدي إلى الطفولة المصفاة من الشوائب، إلا أنه لا ينسى ما تركته الحياة من نتوءات جارحة على أطراف القلب". أما في عتبة "فن التغافل"، فلا تغيب الحكمة الموشاة بالأدب. ومن حكمة إلى أختها في عتبة "مرارة الفقد:، والفقد أكثر الأغراض صدقًا حال التعبير، ولكن أي فقد: "ليس بالموت وحده يُفقد الأحبة، نفقدهم أحيانًا بالتغير، وأحيانًا بالنسيان، وفي أحيان كثيرة نفقدهم بالجحود والنكران"، كما يرد في الكتاب.

وبحسب عساكر، يدرك الجريزي ماذا تعنيه الكلمة التي عبر عنها في إحدى العتبات بـ "نزف الكلمات": "الكلمات هي بمثابة الدم من الجسد أو الحبر السائل في القلم، فيصبغ عليها فلسفة عميقة". وهو شيد للكلمة عتبة بعنوان "قوة الكلمة"، أسبغ عليها بعدًا فكريًا عميقًا. وتاليًا، عتبات أخرى: "أكمل الخصال"، و"في داخلك أرخميدس". ويطول حديث عساكر عن الكتابة عند الجريوي بوصفه مفهوماً يخصه بصفته كاتبًا متعدد الأغراض له انطباعه حولها، حيث يقول في الكتاب: "بعضنا يستدرج أفكاره للكتابة في الصباحات الباكرة، بعد أن يحتسي قهوته المفضلة، شرع في الكتابة كما لو أنه صياد خرج يبحث عن صيده، وبعضنا الآخر يتحين الأفكار والكتابة تحت الماء، عندما تتساقط عليه قطرات الماء تباعًا، تتبلل الأفكار بداخله ثم تنهمر، يغرق في سيل عظيم ثم يصرخ فجأة كأرخميدس (وجتها وجدتها)".

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن موقع "البشائر"