اللافت في الآونة الاخيرة انحدار مستوى الخطاب السياسي في لبنان، فاصبح من المتعارف عليه أن يطلق كل فريق خطابات جارحة ومضادة ضد الفريق الآخر دون أي مراعاة لأصول وأدبيات الخطاب السياسي، ما يدل على مأزق وطني عام.
بيروت: الخطاب السياسي السائد اليوم يعبّر عن مأزق أصحابه ورؤاهم، كما يعبّر عن جزء من المأزق الوطني العام، فمن يريد البناء السياسي لا يلجأ إطلاقًا إلى لغة السباب والشتائم التي يلجأ إليها البعض، فتسيء إلى المواطن ووسيلة الاعلام وصاحبها، بالإضافة إلى ضررها الأكيد في إشعال الشارع البسيط وتفجر عصبياته، ولهذا كله تحصل quot;اشتباكاتquot; لا يستفيد منها سوى الخارج ومصالحه.
تعابير quot;القردquot;، quot;الطلاقquot;، quot;من تحت زنّاريquot;، quot;وسرمايتي سواquot;، quot;الأفعىquot;، quot;كشتبنجيquot; وquot;أنصاف الرجالquot;، كلمات كثيرة صارت جزءًا من لغة جزء واسع من السياسيين اللبنانيين، وهي لغة تلعب بعض وسائل الاعلام المرئي دوراً فيترويجها سواء أرادت ذلك أم لم ترد، من دون الأخذ في الاعتبار مصلحة الوطن والمواطنين، والقواعد الأخلاقية الصحيحة والصحية للتخاطب، ومدى إنعكاس ذلك على quot;شوارعquot; تئن تحت وطأة الأزمات المعيشية والوطنية وفقدان الأمل.
يتحدث النائب السابق الدكتور بيار دكاش فيعتبر أن هناك 3 مشاكل في لبنان وهي سياسية واقتصادية واخلاقية، والخطاب السياسي يقع ضمن مشكلة الاخلاق في لبنان بكل أسف.
ويتابع:quot; هناك اسباب لانحدار المستوى في الخطاب السياسي اللبناني ومنها عدم وعي الشعب اللبناني بكافة ابنائه في أي موقع كان والى أي فريق انتمى لمسؤولياته، ولمعرفته لحقوقه، أتى بممثلين يوم الاستحقاق الكبير، أدى الى انقسام مريع تسقط فيه كل المبادىء والقيم.
بالاضافة الى مشاكل عدة في لبنان تجعل هذا الخطاب السياسي ينحدر الى هذا المستوى اولها الشخصانية وتأليهها، بمعنى أن مشكلة الناس أنهم يعبدون الاشخاص وليس المبادىء وهذا ناتج عن قلة الوعي على الرغم من الشهادات العالية والكفاءات التي يتميز بها اللبناني.
ثم العائلية أي لا نزال نمشي في الحياة القبلية العائلية، ثم الطائفية، والمذهبية، الوحدة تبدأ في أن الواحد ينضم الى الآخر، لا نزال بعيدين عن الوحدة في الجماعة، المصلحة الذاتية تقدم على المصلحة العامة، وقديمًا قال الرئيس رفيق الحريري من يعطي يأمر، ونسأل هنا هل أن هناك تمويلاً لتلك الخطابات وهي ليست نابعة من إرادة ذاتية بل تقع ضمن الولاءات الخارجية التي تدفع بهذا الفريق أو ذاك الى اخذ المواقف.
والخطاب السياسي في لبنان لا يحتاج الى تقييم بل الى صمت أعمق منه، واذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا، لان الصمت افضل من الكلام.
عن خطابات السياسيين بالامس يقول في كل العهود كان هناك من يخرج عن اللياقات والآداب والقيم، ولكن بكل أسف في وقتنا الحاضر ونظرًا للمآسي التي مر بها لبنان، انحدر الخطاب السياسي الى مستوى مخجل محزن مبكي ومخزل وجارح، أما ضوابط هذا الخطاب فتكون من خلال توعية الشعب اللبناني، ويجب أن يعرف حقوقه وواجباته، وأن يختار جيدًا الطقم السياسي، يكون فعلاً وليد إرادة الشعب اللبناني، ومع وجود الوعي الذي يرفض التدخل الخارجي من الشرق أو الغرب، حينها يصبح الخطاب السياسي منسجمًا مع ارادة الشعب اللبناني وحقه في الاختيار.
ويتابع:quot;نعرف أن هذه الفوضى الموجودة في لبنان مدمرة هي بسبب كل كلمة تخرج من فم الخطيب، وقبل أن تخرج الكلمة من فمه يكون ملك الكلمة وبعدها يصبح عبدها. والانفجار العسكري ممكن أن يكون سببه خطاباً غير موزون أو ممحصاً.
خطاب شعبوي
يشير عالم الاجتماع الدكتور أنطوان مسرّة إلى أنه يجب دراسة الخطاب السياسي السائد، إذ إن لغة الخطاب والجسد هي التي تتكلم بشكل تهديدي، وهذا الاتجاه هو الذي يساهم في تأزيم الوضع السياسي، كما أن هذا الخطاب يتميز بأنه شعبوي بسيط في مفاهيمه يطلق شعارات التغيير التي يتأثر بها المواطنون quot;شبه النائمينquot; والشباب الذين يطلبون التغيير.
ويضيف مسرّة أن اللبناني تحول إلى زبون أكثر منه مواطناً فأصبح مستزلمًا للقادة السياسيين، وإذا ما قمت بسؤاله quot;أي المواطنquot; عن التغيير الحاصل فيالخطاب عند زعيمه بين ليلة وضحاها، يقول لك إن السياسي يعرف لماذا، وهذا الأمر هو الأخطر لأن المواطن يتبع الزعيم مهما فعل دون معرفة الأسباب والحيثيات. وهذه الظاهرة وجدت أيام النازية فكان الشباب يتبعون هتلر دون معرفة خفايا ما يقوم به، ويعتبر مسرّة أن وسائل الاعلام ساهمت في ضرب العقول وضرب القيم quot;الجمهوريةquot;، فبعض المسؤولين عن البرامج يديرون ما يقال بأنه حوار يتلقفون العبارات والمصطلحات وكأنهم حياديون، فمن مساوئ رجال الاعلام أنهم ملتصقون بالسياسيين، كما توجد تبعية سياسية لوسائل الإعلام وكسل في البحث عن المعلومات.
مفهوم الخطاب السياسي في المراجع المختصة
من الصعب إيجاد مراجع متخصصة في الخطاب، وفي الخطاب السياسي تحديدًا، من حيث مقاربتها في إطار صرف.
هناك، في الواقع، دراسات وأبحاث تحليلية في الخطاب، أما في الخطاب السياسي، فهي ذات منطلقين: فلسفي، نجده خصوصًا عند الفلاسفة القدماء، ولا سيما الاغريق، وموضوعيمن خلالعملية تشريح واحصاء لغوي وتحليل وتقويم وتقييم واستشراف لخطاب معين - وهنا تثار المقارنة أيضًا - لشخص معين، الشخص هنا قد يكون فردًا أو مجموعة أو مؤسسة.
أ : الخطاب في اللغة العربية :
لا تقيم اللغة العربية فارقًا بين الخطاب والخطبة، وهما غالبًا ما ينصهران في مفهوم واحد : موعظة.
وتغدو مادتهما : الوعظ والارشاد.
هذا الانصهار، نجده حادًا جدًا في المجتمعات الاسلامية، وعلى تفاوت في الحدة لدى المجتمعات الاخرى التي تتخذ من اللغة العربية لغة رسمية.
وقد يكون السبب الرئيسي لذلك، تشبع هذه المجتمعات جميعها، باختلاط مسائل الدين والدنيا في حياتها الخاصة والعامة.
والخطاب في اللغة العربية خطاب لغوي إلى حد بعيد، يستمد قوته من اصول البلاغة، وإن لعبت هذه الشخصية دورًا كبيرًا جدًا، في بعض الاحيان، في دفع الخطاب إلى غاياته.
لذلك يمكننا القول إن الخطاب العربي هو خطاب ديني سياسي، يتفاوت رجحان أحد قطبيه بتفاوت موقع صاحبه .
وهو خطاب جمودي في الفكر عمومًا، متحرك في حدود الأداة اللغوية على نحو خاص.
ب : الخطاب في لغات الغرب :
كلمة خطاب مستمدة، في لغات الغرب، من اصل لاتيني هو Discursus: ويعني بالفرنسية Excursion
فالخطاب نزهة معرفة في العقل والحواس، فيه انطلاق وتحرر يشكلان عنصري جذب وتشويق إلى دخول مفاجآته، التعرف اليه، والافادة من غناه المتنوع .
وتحصر لغات الغرب الخطاب في اطار طريقة التعبير الكلامية عن الفكرة، وبالتالي عرض الافكار، أي أنه عمل شفوي. وفي هذا التحديد اقتراب من اللغة العربية التي ترى ذاتها في اللسان، واستقامة الاخير في بلاغته .
وفي الحقيقة، تربط لغات الغرب الخطاب بمساحته اللغوية من جهة، وبتأليفه الغني من جهة ثانية، وهو التأليف الحر الآخذ ما يشاء من الكلمات التي تكون اللغة في المطلق .
ويصنف الغربيون الخطاب وفق محاور :
أوصافه :
-في الشكل : طويل ndash; قصير ndash; مقتضب ndash; لاينتهي .... الخ ..
-في المضمون : غزير ndash; بليغ ndash; مشوق ndash; ممل ndash; شعبي ndash; وقح ndash; عنيف ndash; لاهب ndash; مقنع ... الخ ..
-في التركيب : مصنوع ndash; مؤلف ... الخ ..
-في الاتصال : مكتوب ndash; ملقى ndash; مسموع ndash; مستمع اليه ndash; منشور ndash; مذاع ndash; مرئي .... الخ ..
أنواعه : ديني ndash; أكاديمي ndash; ادبي ndash; فلسفي ndash; عسكري ndash; سياسي .... الخ ..
فروعه : مديح ndash; هجاء ndash; رثاء ndash; مطالعة قانونية ndash; موعظة ... الخ .
اشارة إلى أن هذه المحاور التصنيفية ليست منفصلة في الاصل والفرع، بل متصلة ومتداخلة .
2 ndash; الخطاب في الفكر :
إن معالجة موضوع الخطاب في الفكر، ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بثنائية : العرض والتأثير، الوسيلة والغاية.
لذا لا يمكننا تناول هذا الموضوع، في اطار الثنائية الآنفة، إلا من زاوية العلاقة بين القيم والمصالح. لابل نقول إن هذه العلاقة تفرض نفسها في النهاية، ويمثل سقوطها ndash; في حال حصوله ndash; استثناء يثبت القاعدة ولا يلغيها على الاطلاق .
من ثنائية العرض والتأثير، الوسيلة والغاية، انبثق تياران : المثالية والواقعية، تياران متوازيان للوهلة الاولى، انما يفيضان تأثيرًا على بعضهما البعض في الحقيقة .
الخطاب السياسي :
إن تحديد الخطاب السياسي، وهو كما رأينا أحد انواع الخطاب، يفترض تعريفًا، فالسياسة هي فن تطبيقي لحكم الدولة عمومًا، وهذا الفن يستلزم معرفة تسيير الشؤون العامة، ولكل اسلوبه في ذلك.
والسياسة سلوك محسوب، في اطار من الزمان والمكان، يتبعه فرد أو مجموعة أو مؤسسة للوصول إلى هدف محدد. الخطيب ينبغي تمتعه بمجموعة خصال وصفات، مواهب وثقافة وطاقات، تملكه براعة في الرأي والفعل والعلاقة، ملؤها الدقة في الحساب، والرهافة في التحرك.
إن الخطاب السياسي هو التعبير الامثل ، وفن اجتماعي ( انساني ) قاعدته قيميةndash; فكرية ndash; مناقبية ndash; عملية.
الخطاب السياسي هو خطاب بشري، الغاية منه الوصول إلى السلطة، تثبيتها، توسيع دوائرها الافقية، ترقيها، والبقاء فيها أولا وأخيرًا ..
لذا يفترض أن يكون الخطاب السياسي متوجهًا من انسان إلى آخر أو أكثر، فالخطاب السياسي يبدو في وجه عام، وسيلة من أجل تحقيق مصلحة محددة في اطار تنافس على سلطة ما، وصولاً اليها وحفاظًا عليها. من هنا يتضح وجود علاقة جدلية مطردة بين الوسيلة والغاية، وهذه العلاقة سرعان ما تشكل من تنافس على سلطة ما، صراعًا سلطويًا ، بحيث تتحول السياسة عن غايتها، إلى التركيز على تدارك تفجر هذا الصراع أو احتواء هذا التفجر، على المستويات المادية المختلفة.
هناك الخطاب السياسي التقليدي و التغييري ndash; الجمودي والمتحرك ndash; النظري والعملي ...
وهناك العلاقة الوثيقة بين الخطاب السياسي ووسائل الاتصال، أي الاعلام، وبينه وبين الظرف والزمان والمكان.
