منذ فجر التاريخ نتوارث التأكيد على أن عقوبة الإعدام والتي نفذت بأساليب وأشكال مختلفة، تجتمع في منافتها لابسط مفاهيم حقوق الانسان التي نجح البشر في الرقي بها وتطويرها بجهدهم الذاتي وبتفاعل تدافع الفكر الانساني واصبحت تسبب نفورا متزايدا من اللجوء لتطبيقها.
الجريمة وتاريخها قضية يصعب الحديث في تفاصيلها ومسبباتها فهي جزء من منظومة الذات الانسانية التي لم يستطع احد كشف مكنوناتها بعد، والتي تزامنت مع مفهوم العقاب فاصبحت نظرية الجريمة والعقاب هي المحدد الرئيس للتعامل مع هذا الواقع.
الجدل يستمر بين مناهضي هذه العقوبة والذين يزداد عددهم وبين عودة التأكيد على ضرورة تنفيذها والتوسع بذلك خاصة مع تزايد قوة ونفوذ الجماعات والحركات السياسية أوالمسلحة التي تتخذ مما تصفه بالاسلام السياسي منهجا لها.
الدخول في جدال فقهي أو شرعي حول مفهوم العقوبة وأن النصوص الدينية في كل الاديان أباحتها سيجعل من مناقشة ما كان محللا في السابق ولكن تطور المجتمعات جعل من تطبيقه غير ممكن بل وصل لحد تجريمه مثل قضية العبودية أوالسبي والجواري والغلمان وما ملكت ايمانكم وهذا يؤكد حقيقة أن النصوص الدينية تقبل التفاعل مع التطور الانساني ولا تعارضه وأول من شرع وساهم في هذا التدافع الفكري هي الاديان التي اتت في فترات كان فيها الكثير من القضايا مباحة فتم تقنينها ثم تحريمها وفي مقدمها الحد من القتل والتمثيل بالجثث واعتبار ذلك من الاعمال المحرمة بشدة أوتوريث النساء بعد الوفاة أوالزواج بعدد غير محدد من النساء ونفي نسب أبناء الجواري والعبيد وما ملكت ايمانكم وقضايا كثيرة مماثلة.
السؤال المهم الي يجب مناقشته في هذا الموضوع هل استطاعت هذه العقوبة أن تمنع الجريمة، رغم حالة الرعب والصدمة التي تصيب البشر لحظة تنفيذها لما فيها من وحشية مريعة قد تكون مرادفة أو متناسبة مع حجم الجريمة المرتكبة فإن الجرائم استمرت والعقاب استمر ولم يصل احد لفرض واقع مختلف على الاخر.
عقوبة الاعدام تفتح الباب في كل المجتمعات لارتكاب الأخطاء القضائية الغير قابلة للإصلاح أو التعويض مهما كانت نسب تطورها وحداثية نظمها القانونية وعدالة قضائها وديمقراطيتها وأن يقف متهم ينتظر الحكم عليه ويعرف انه بريئ، والكثير ممن نفذ فيهم هذا الحكم أعيد لهم الاعتبار وتمت تبرئتهم ولكن بعد فوات الأوان حيث لاتوجد وسيلة لمن أعدم ليمنح أي تعويض سوى أمنيات له بالرحمة.
هل ستكون قضية تنفيذ مثل هذه الاحكام في العالم العربي الذي يشهد حراكا وتغييرات سياسية واجتماعية وثقافية في مختلف مناطقه مناسبة لتصفية حسابات هي في الاساس سياسية مع خصوم ومناصري واعضاء مراحل حكم سابق خاصة وان التنصيص على هذه الاحكام بقانون العقوبات سيتيح اللجوء لتنفيذها في حالات الفلتان السياسي والأمني والمثال المصري واضح بشدة فبعد إصدار القضاء حكما بالسجن المؤبد على الرئيس السابق حسني مبارك تسابق مرشح الاخوان المسلمين لرفض الحكم واعلان انه ستتم محاكمة مبارك مرة أخرى وانه سيدعو لمحاكم ثورية لمحاكمة رموز النظام السابق بما يعني المطالبة بحكم الاعدام.
هذا الموقف من مرشح الاخوان المسلمين يطرح جملة من النقاط الخطيرة التي تهدد أسس العدل وتجعل من السلطة التنفيذية سلطة قضاء وتشريع وتنفيذ في أن واحد فليس من حق مرشح رئاسه قادم ولو بعد انتخابه ان يطالب باعادة محاكمة صدر فيها حكم متجاهلا مؤسسات السلطة القضائية وواضعا نفسه فوق القانون وهي بالتالي مؤشرات عن مدى قدرة هذه الحركات ومرشيحا على احترام القانون والإلتزام به.
قضية أحكام الإعدام يجب أن تبقى دائما على جدول الحوار الاجتماعي والانساني في كل المجتمعات بغض النظر عما يطرح سواء على المستوى السياسي وهو الأخطر لإنه دائما يجير مثل هذه الاحكام لخدمة أجندات سياسية أو على المستوى الديني لانه يجر الحديث لمناقشة قضايا في عمق الشريعة تجعلها محل نقض وتفسير والمطلوب في الاساس الابتعاد بالشريعة عن مثل هذه القضايا الخلافية واعتبار مواكبتها للتطور الانساني من باب قوة وليس من باب المساس بالمقدس كما في القضايا التي حللت وتم منعها وتحريمها فيما بعد.
عقوبة الاعدام تحتاج أن نقف اليوم لنعيد قراءة استمرار تطبيقها وأهمية التحرك لتحييد الحياة البشرية مهما كان حجم الجريمة تجاه مثل هذه العقوبات وتطور الانسانية يعني بالتأكيد تغيير في مفاهيم رؤيتنا لما كان من قبل مسلما به انه من الامور المقبولة ليصبح فيما بعد مكروها ومنبوذا ومجرما، وهذا احد ارقى اشكال تطور الفكر الانساني.
