375 شخص معينون بشكل غير مباشر وغير قانوني من قبل المرجعية الدينية في العراق، هم أعضاء البرلمان العراقي. لا شغل عندهم ولا عمل. يصدرون قوانين رواتبهم ومخصصات غلاء معيشتهم ومخصصات حمايتهم، ويتمتعون برواتب تقاعدية غير شرعية وغير عادلة، حتى لو حضروا في كل حياتهم جلسة واحدة فإن حقوقهم التقاعدية مأمونة وفي أعلى المراتب وتسجل في حساباتهم دونما حاجة لمراجعة مديرية التقاعد أو مؤسسات صرف الرواتب. يقيم أغلبهم خارج العراق ويحضر بعض الجلسات ولهم مخصصات حماية. كثير منهم يحملون شهادات دكتوراه مزورة وقسم منهم لا يحملون حتى شهادات الإبتدائية ويعنونون أسماءهم بحرف الدال ndash; الدكتور، وذلك واضح مما ينطقون به أثناء النقاش وأثناء إلقاء الخطب الرنانة وأثناء اللقاءات التلفزيونية والندوات وما يسقطونه من الفاعل والمفعول به ومن حروف الجر التي يرفعون المجرور والذي جر الوطن إلى الويلات ولم يرفعه مليمتراً واحداً!. وأغلبهم أصحاب مشاريع وشركات تستورد بضائع تالفة لأبناء الشعب وأصحاب شركات لإقامة مشاريع وهمية نادراً ما تنكشف أو هي تنكشف بعد فوات أوانها.

أشعر بأن عدداً غير قليل منهم من أصول إيرانية، أو هم إيرانيون يحملون هويات عراقية. وحتى أن بعضهم ليسوا إيرانيين وليسوا عراقيين في ذات الوقت. عموم التكوين هو إنعكاس فيزيائي للسلوك الإجتماعي والأخلاقي الذي يغير الشكل الخارجي بالضرورة الفيزيائية والعلمية. وأنا هنا لا أتحدث بشكل ساخر ولا بشكل عدائي بل راقبوا معي هؤلاء وانتبهوا إلى الأشكال وإلى طبيعة الأحاديث، وليس عندي عداءً شخصيا مع أحدهم فأنا لا أعرفهم وطبيعتي أن لا أعادي أحداً، وليست لي مصلحة في العداء. لكنني أتحدث عن أعداء وطن إسمه العراق وأحاول أن أفهم لماذا وطني بهذا الشكل وبهذه القسوة وبهذا الحال الذي يتدهور وليس من حل في الأفق!

يظهر بعض أعضاء البرلمان العراقي على شاشات التلفزة في القناة العراقية سيئة الصيت وضمن عتمة البلاتو البدائية والديكور البدائي الألوان الذي يختلط فيه الأحمر بالأحمر وألازرق بالأزرق وبالإضاءة البائسة التي تمسح العمق فيبدو الشخص وكأنه لاصق بجدار االمكان. وأحياناً أنظر نحوهم في قناة الحرة الأكثر وضوحاً ضمن حوارات برنامج quot;بالعراقيquot; فأنظر إلى المرأة الملفوفة بالسواد المرعب أو الحجاب الفارسي التشكيل والألوان وهي تحرك قماشة الحجاب وتسحبها نحو جبينها نحو العينين خشية أن تظهر بعض شعيرات رأسها فتخالف الله والرسول في نظرتهما للمرأة! ثم يكتب إسمها في أسفل الشاشة وإلى جانبه الدرجة العلمية الدكتورة! وأنظر إلى ربطات العنق لأعضاء البرلمان بشداتها التي تشبه الكرة المطاطية الكبيرة وبالياقة المنشاة التي يتدلى جانباً من لحم quot;اللغدquot; على طرف الياقة البيضاء من كثرة أكل لحوم وشحوم quot;الباجةquot; وquot;التشريبquot; وكرشه ينزل فوق حزام الخصر، وكثيراً ما يكون نعساناً أثناء ما يتحدث أحد المشاركين معه في الندوة وهو ينتظر دوره بالحديث فيوقضه مقدم البرنامج بصوت عال وهو يلفظ إسمه ودرجته العلمية حتى يستيقظ، يواجهني على شاشة التلفاز ببقعة سوداء تمثل quot;سيماهم في وجوههم من أثر السجودquot; يحك شعره أحياناً فيلتمع على الشاشة quot;فصquot; الخاتم الفضي في الخنصر والبنصر فأصاب أنا بحالة من الغثيان، لأن الحالة quot;الجوانية ndash; الداخليةquot; للمتحدث عضو البرلمان تنعكس بالضرورة العلمية على محياه فيبدو مخيفاً. quot; أنا هنا لا أستثني أحداًquot; فكل السرقات وكل إغتصاب حلم الأطفال وكل طرائق الجنس الشرعية وغير الشرعية داخل العراق وخارجه، كلها توحي بالكتمان والسرية والتقية وتنعكس على الطبيعة الفيزيائية للشخص. لقد شاهدت احدهم على اليوتيوب بمشاهد عن المعارك التي تهبط إلى مستويات ما يطلق عليه quot;أولاد الشوارعquot;.. شاهدته يطرد الآخر ويتبارز معه في الشرف او ما يطلقون عليه في التاريخ تعبير quot;المباهلةquot;!

هو الشرف المعدوم واللفظ المسموم الذي يدور في أروقة البرلمان المزيف المزور في أكثر من مجال. فقدان شرف المواطنة وفقدان شرف العشيرة وفقدان شرف العائلة.. وكل يدعي أنه أشرف من الثاني ويتم هذا الإدعاء وهذه المباهلة وراء الميكرفون وأمام عدسة الكاميرا في أروقة البرلمان تحيط بالمتباهل نساء البرلمان المحجبات وهو يتحدث عن الشرف.. لا أعرف أي شرف يعني!؟.

صراحة، لا يروق لي النظر إلى وجوه هؤلاء.. على الإطلاق. وحقيقة لا مجازاً أصاب بالغثيان كلما نظرت إلى أحدهم. ولأنهم يمثلون الشعب مجازاً فإني للأسف أكاد أرى صورة شعبي من خلال وجوههم فيزيدني ذلك رعباً. ولكن وحمداً له أنني كنت في رحاب الوطن المستباح. ثمة وجوه ثانية لا علاقة لها بهؤلاء. نظرت إلى الوجوه الثانية العراقية الطيبة وأنا أتجول في شارع الرشيد الذي لم يعد ذلك الشارع ذي النكهة الحلوة بصالات السينما الجميلة بالمقهى البرازيلية بمطعم عمو الياس بالأزقة المتفرعة منه. زرت كربلاء والنجف. زرت مقبرة وادي السلام وتذكرت الأهل والأجداد الطيبين وترحمت على طيبتهم وشرفهم. مشيت في شوارع النجف ومشيت في شوارع الكرخ والرصافة. زرت الكاظميين. ذهبت إلى مدينة الثورة.. مشيت حزيناً وأنا أرى وجوه الناس الحزينة الجميلة وأعود إلى المنزل ليواجهني ذلك الرعب من القاتلين لصوص العراق على شاشات التلفزة الذين تنعكس كل رداءات الحياة على سيماهم.. وسيماهم في وجوههم، ليس من أثر السجود ولكن من أثر القتل والنهب والتزوير.. تزوير الحقائق وتزوير الشهادات وتزوير هوية العراق.

البرلمان العراقي بمجموعه نتاج قانون كتبه الأمريكيون وقدموه في أقفاص المعارضة وبموجبه تم إنتخابهم في أكياس مغلقة تحمل رقماً ولا تعرف من هم في تلك الأكياس. ذلك الكيس يحمل إسم العراقية وله رقم معين، وذلك الكيس يحمل إسم دولة القانون وله رقم معين، وذلك الكيس يحمل إسم المجلس ألإسلامي وله رقم معين، وذلك الكيس يحمل إسم التحالف الكوردستاني وله رقم معين، وذلك الكيس يحمل إسم التحالف الوطني وله رقم معين، وأنت لا تعرف من هم أصحاب الاسماء في تلك الأكياس! ما هو مستواهم الأخلاقي وما هو تحصيلهم الدراسي ومن أي بلد هم ؟! عراقيون؟ مستعربون؟ مستعرقون؟ كم جنسية يحمل الواحد منهم؟ بأية لغة يتحدث؟ كثيرون لا يجيدون اللغة العربية؟ وآخرون اللكنة في حديثهم فارسية؟ عمائم معممة وأحجبة محجبة تجتمع لتقرر مصير وطن يحمل كل ذلك التأريخ الجميل الذي يخشونه فيخافون منه، ويعملون على تهديمه وقتله بوسائل شتى. هل هم الذين وضعوا المدفع فوق الجسر ليلاً في مدينة البصرة أمام تمثال quot;أسد بابلquot; معتبرين وجود الأسد فوق الجسد الإنساني عملية إغتصاب جنسية فيما هو رمز قوة بابل والأسد رابض على الجسد فقالوا هذا حرام ووجهوا له قذيفة مدفع بعثرت كل أنامل صانعيه؟ هؤلاء يخافون التاريخ لأنه يلاحقهم بالإبداع ويكشف أميتهم الحاضرة. قالوا هذا حرام، ولكن ليس حراماً كل ذلك النهب النهم، وليس حراماً كل ذلك الإستباح للوطن الجميل، وليس حراماً سرقة الفرح من عيون الأطفال، والحرام هو تمثال يعبر عن قوة بابل في إذلال الأعداء الذين يريدون إستباحة شرف الوطن البابلي!

البرلمان العراقي هو حصيلة فتوى مرجعية لشعب طيب تسلم الرسالة فإنتخب قوائم مغلقة ولم يكن يعرف من هم في داخلها، ولم يدرك بسبب طيبته وحسن نيته حجم الكارثة التي كانت تحتويها تلك الأكياس. ومثل اللعبة السحرية فتحت الأكياس وظهر الشقاة من القماقم المتعفنة مفتوحي الأفواه حاملي القامات لفت عمائمهم وشدت أحزمتهم فوق كروشهم وباشروا أول ما باشروا بأقرار رواتبهم ومخصصاتهم وتأمين تقاعدهم، ثم بدأت عمليات النهب وهم لا يستحون!

الناس سحبها التيار نحو إتخاذ الموقف فأنتخبوا قوائم وكان تيار الحياة غائباً عن الساحة من كثر ما أخطأ ذلك التيار الكائن في اليسار، ففقد الناس ثقتهم فيه وذهبوا نحو التيار الديني الذي ضحك عليهم ذلك الساكت الذي لا ينطق ويحسب الكلمات ويحيط نفسه بهالة من القدسية وهي ليست سوى هالة من خداع الناس وقيادتهم نحو الهاوية فظهر لنا سقط المتاع يلعب بمصيرنا داخل البرلمان بإشارة منه ويتحكم بثقافتنا بإشارة منه ويسلب حريتنا بإشارة منه ويحيل حياتنا إلى سواد بإشارة منه.

البرلمان وما يحتويه، هو ليس تياراً فحسب بل هو تيار براني يسلب مال الوطن ويسرق الفرحة من عيون الأطفال فأحاطوا أنفسهم وبرلمانهم بالأسمنت وظنوا أنه سياج حمايتهم من هلع الناس عندما يركضون ومن نقمة الناس عندما يصرخون.. كل الذي سلبتموه من مال الناس سوف ترونه جحيماً في زمن ليس ببعيد..

ترى لماذا لا يناقش البرلمان وممثلو شعب العراق هذا الحجم من السرقات التي أغرقت الوطن في الفقر والفاقة؟! اليس هذا سؤال منطقي وأليست هي المهمة الأساس من مهام البرلمان عندما يستباح الوطن أو تنهب خيرات الوطن!؟ واضح أنهم لو ناقشوا عمليات النهب فأن القاضي هو المتهم والمدعي العام هو السارق، ولذلك فإن جلسات البرلمان تقتصر على مناقشة الثقة وسحب الثقة من رئيس الوزراء، والجلسات تقتصر على زيادة رواتبهم ومخصصاتهم وحماياتهم أما الجلسات التي تناقش السرقات لو حصلت فإنها غير مكتملة النصاب. فلو نوقشت جلسات نهب البلد لكان عليهم تقديم ممتلكاتهم ليس في العراق بل في بريطانيا والأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا وفي كل بقاع الأرض. لأن ذلك النهب سوف يقود بالضرورة إلى مناقشة قانون quot;من أين لك هذاquot; هي الكارثة التي حلت بالوطن. وهذا القانون هو خط أحمر في البرلمان وخط إحمر في إجتماعات رئاسة الوزراء وخط أحمر في القصر الجمهوري والقصور الجمهورية الأخرى وخط أحمر في وسائل الإعلام وخط أحمر في المنابر ومواقع المرجعيات.

إن راتب ومخصصات عضو البرلمان العراقي هي أكثر من راتب أستاذ الجامعة خمسة عشر مرةً، وهي أكثر من راتب العامل العراقي ثلاثين مرة وأكثر من راتب المتقاعد العراقي من موظفي الدولة ومواطنيها خمسين مرة. ترى لماذا لا تناقش وسائل الإعلام وأخص قناة الحرة بالذكر هذه الموضوعات وبعمق وبدون خوف، والإبتعاد بعض الوقت عن برامج quot;حضيري أبو عزيز وعبد الصاحب شرادquot; مع أن هؤلاء نحبهم وهم أشرف من أولئك ولكن المرحلة حرجة والواقع مر والوطن مستباح وهو بحاجة إلى تجاوز عمليات التظليل الإعلامية والذهاب بعمق نحو ما يجري في الوطن! ترى هل سأل رئيس الوزراء نفسه يوماً ما هذا القانون الجائر المتعلق برواتب الناس وحقوقهم؟ وهل تساءلت وسائل الإعلام وراحت بعيداً في تناول هذا الواقع فيما كبار السن يبكون أمام مؤسسات دفع رواتبهم تحت درجة حرارة قاربت الستين؟ ترى هل سأل المرجع القابع في صومعته مثل هذا السؤال وفاء لله ولمحمد بن عبد الله؟!

اليوم نحن لا نطالب سوى بتجميد البرلمان وإعادة الإنتخاب، لا لكي ننتخب ولكن حتى نصمت في هذه المرة ولا ننتخب أحداً من المزورين والذين يختفون داخل الأكياس. نطالب بتجميد البرلمان وإعادة الإنتخاب حتى نرفض، والرفض هو بداية الإنتفاضة الشعبانية الثانية المنتظرة التي بدأتها مدينة البصرة ليلاً كي تحيل الليل نهارا.

طالبوا بتجميد البرلمان أيها العراقيون وإعادة الإنتخابات لكي تصمتوا ولا تنتخبوا، أن لا تنخدعوا ثانية أو ثالثة! ولتكن هذه الخديعة هي الخديعة الأخيرة في مسيرة الوطن. نحن طيبون ولسنا مغفلين وهذه الطيبة هي جزء من أخلاقنا مثل ما هي جزء من مسؤوليتنا التاريخية. أعلنوا رفضكم لأية قائمة سواء كانت أنتخابات المحافظات أو إنتخابات البرلمان، فلا تعطوا أصواتكم لأحد وقاطعوا الإنتخابات وخاصة تلك التي تزكيها المراجع الدينية. الصمت والمقاطعة هما الشرف الوطني الذي عليكم أن تلتزموا به. أرفضوا بوعي كل النداءات المزيفة والمتخلفة. وكونوا أبناء هذا العصر، فأنتم مسؤولون أمام التاريخ.

أقول لكم أن الوطن العراقي بسبب هؤلاء يحتضر الآن. فكونوا في مستوى الحلم وفي مستوى الأوطان وفي مستوى الشعوب فأنتم أحفاد سومر وبابل وأكد. شعب وهبه الله الثراء. وهو اليوم يتظاهر في البصرة ليلاً لأن درجة الحرارة باتت لا تطاق ولا يمكنه التظاهر في النهار حيث يقبع سادة الوطن أحفاد محمد بن عبد الله في بيوتهم خارج العراق وهم أعضاء في البرلمان يأتون عندما تقتضي الضرورة بطائراتهم ليحضروا بعض جلسات البرلمان لمناقشة سحب الثقة أو عدم سحبها من رئيس وزارء وطن يحتضر!

فسلام عليك يا وطني
سلام عليك يوم ولدت!
وسلام عليك يوم تموت!
وسلام عليك يوم تبعث حيا!

كاتب وأعلامي عراقي مقيم في بريطانيا
[email protected]