من مفكرة سفير عربي في اليابان
شاهدت فليم quot;42quot; وأنا على متن الطائرة في طريقي إلى طوكيو، بعد أن حضرت مؤتمر حوار المنامة، وتشبع عقلي بنقاشات من دول الشرق والغرب، والتي أكدت بأن الطريق الوحيد لحل أزمات الشرق الأوسط هو طريق الحوار، وليس بالعنتريات والتطرف. وقد شعرت بالفخر بأن تتم هذه الحوارات الدولية في مملكة البحرين الجميلة، ليعكس ذلك قدراتها بأن تكون quot;جنيفquot; الشرق ألأوسط. وقد تذكرت وأنا أشاهد هذا الفيلم تحديات التفرقة quot;الحقيقيةquot; وquot;الكاذبةquot; وبأشكالها المختلفة، والذي يشكو منه شعوب العالم في كل مكان، وسبل التعامل معها.
وقد كتب وأخرج قصة فيلم quot;42quot; الكاتب الأمريكي برين هلجيلاند, وتبدأ القصة في عام 1945، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتصار الولايات المتحدة مع حلفائها، وبعد أن قدم الرجل الأمريكي الأسود تضحيات كبيرة لانتصار بلاده، ليرجع ويجد أمامه تحديات التفرقة العنصرية، لتبدأ مرحلة صراع أمريكي جديد حول حقوق السود. وقد كانت التفرقة العنصرية بارزة في رياضة البسبول، وحاول الكاتب ابراز ظواهرها من خلال الحوار الذي تم بين برانش ركي، المدير الأبيض لفريق بروكلين دوجرز للبسبول، والذي مثل دوره بجدارة متقنة، الممثل الأمريكي ريتشارد هاريسون، ولاعب البسبول الأسود، جاكي روبنسون، والذي مثل دوره، شادويك بوسمن، والذي اختير لكي يغير معادلة لعبة البيسبول في الولايات المتحدة، ليؤدي بدخول الكثير من الكفاءات السوداء في هذه الرياضة الأمريكية الوطنية. فقد كان هناك 16 فريق أسود للبسبول في الولايات المتحدة في عام 1945، بمجموع 400 لاعب أسود، بينما انخفض في عام 1946 هذا الرقم إلى 399، لتبدأ أحداث قصة الفيلم.
تبدأ القصة بعرض برانش ركي، مدير فريق البسبول، خطة لإضافة لاعب أسود لفريقه الأبيض، وقد صدم بهذه الفكرة مساعديه، لتخوفهم مما قد تجلبه لهم من مصاعب. ويبدأ الفيلم بعرض أحد مظاهر التفرقة العنصرية، بوصول لاعب البسبول الأسود، جاكي روبنسون، بسيارته إلى محطة البنزين في شهر اغسطس من عام 1945، ليملئ خزان الوقود. وليحتاج في تلك اللحظة لدخول المرحاض، وإذا بصاحب المحطة يمنعه من الدخول، لأنه مخصص للبيض، فرد على البائع بأن يتوقف عن ملئ خزان الوقود، لأنه قرر أن يملئه في محطة أخرى، ولكن غير ملك المحطة رأيه، وسمح له بالدخول. وبينما هو خارج من المرحاض، وإذا بمساعدي مدير فريق البسبول ينتظرونه، ليأخذوه لمديرهم، والذي عرض علية راتب مغري ليلعب البسبول مع فريقه، بشرط أن يسيطر على اعصابه، لكي لا يتهم بالحماقة السوداء، ويفقد كفاءة أدائه. وقد وافق روبنسون على العرض ليبدأ رحلته الجديدة بزواجه من حبيبته. وفي مشهد اخر، وبينما هو وزوجته في المطار، يحاولون السفر إلى مونتريال، رأت زوجته حمام للبيض فدخلته بدون تحفظ، وإذا بموظفة المطار ترد على تصرفها، بإلغاء الرحلة، وإعطاء مقعدي الطائرة لعائلة من البيض، مما أدى بهم للسفر في الباص، والجلوس في المقاعد الخلفية المخصصة للسود.
ويبدأ روبنسون حياته الجديدة بتحديات التفرقة العنصرية في لعبة البسبول. فمثلا حينما مدح المدير برانش روكي أداء روبنسون بأنه فائق، رد عليه كابتن الفريق بخشونة وقحة: quot;أرجوك لا تزيده مدحا، فما هو إلا رجل اسود.quot; فغضب المدير من انفعاله، وأنذره، بأنه إن لم يكن عادلا مع اللاعب الأسود سيفقد وظيفته. وحينما لعب روبنسون أول مباراته، لفت نظر الجميع ببرود أعصابة وكفاءة أداءه، ليسجل انتصارا رائعا. وحينما ذهب للبيت ليستريح بعد يوم مضني، زاره مالك العمارة الأبيض، وأنذر رفاقه بأنهم إن لم يتركوا المنطقة، سيتعرضوا لمخاطر كبيرة، مما أدى بهم فعلا لترك تلك البلدة. وفي مشهد اخر، حينما كان يلعب مع فريقه الابيض، أوقفه شرطي عن اللعب، بسسب أن قانون المدينة يمنع من أن يختلط السود بالبيض في الملعب، فاعتذر روبنسون بهدوء وترك الملعب. وفي مشهد مضاد، يقترب منه رجل أبيض ويقول له: quot;نصلي لك، فيجب أن تعطى فرصة عادلة.quot; وتستمر أحداث الفيلم بمشهد يسأل روبنسون المدير عن سبب اصراره بأن يشارك رجل أسود في اللعب مع البيض، فرد عليه: quot;إني تاجر بسبول، وأريد أن ادخل السود في هذه الرياضة، لأن بينهم كفاءات كثيرة، لأشكل فريق مختلط بين البيض والسود، ليكون الفريق الأول في العالم. فما رأيك؟quot; فرد عليه روبنسون: quot;لا يهم رأيي بل المهم في الموضوع هو لعبي.quot;
وبينما كان يلعب روبنسون في مدينة جرسي في شهر أبريل من عام 1946، ويبدأ اللعبة بضربة مدهشة تسجل انتصارا ساحقا، تتقيء زوجته وتكتشف بأنها حامل. وهنا يبرز المخرج مشهد اخر من حياته، حينما ولد طفله الأول، ووقف يشاهده ويقول: quot;لقد توفي والدي، وتركني وأنا في الشهر السادس من عمري، ولكن تذكر يا ابني العزيز سأكون معك حتى اخر لحظة من حياتي.quot; وفي لقطة أخرى في الفيلم يعترض لاعبوا فريق بروكلين على انضمام روبنسون، ليرد عليهم المدير بأن من لا يريد اللعب عليه الاستقالة. وهنا يسأل المدير صديقه عما رأيه في ما يجري، وخاصة بأن الانجيل يؤكد على حب الجيران، فرد عليه بقوله: quot;نحن نلعب للنقود ولا يهم رأيي، وتريد أن تضمه لفريقك فأنا موافق. ولكن دعني أسأل لماذا تصر على دعم هذا الشاب الأسود.quot; فرد عليه المدير: quot;لقد قمت بخطأ فادح في شبابي، حينما احتاج شاب أسود لمساعدتي، فخذلته. لذلك أريد أن أطهر نفسي من هذا الذنب.quot; وفي لقطة أخرى يذهب أعضاء الفريق للمدير ليؤكدوا بأنهم لن يلعبوا مع الاسود، فرد عليهم: quot;لا يهمني ان يكون اللاعب ابيض او اسود، بل يهمني من سيساعدنا على الفوز. وتذكروا، بأنه فقط أول السود، وسيزداد عددهم مستقبلا، وإذا لم تتقنوا اللعب سيأخذ السود مواقعكم.quot;
وقد أبدى روبنسون لصديقه الصحفي الأسود استيائه من معاملة البيض، فرد عليه: quot;تراني أجلس وأضع الطابعة على فخذي، هل تعرف لماذا؟ لأنني كرجل أسود لا يسمح لي القانون أن أجلس على الطاولة مع الصحفيين البيض.quot; كما عرض الفيلم بعض مظاهر العنف ضد السود في رياضة البسبول. فمثلا، حينما لعب روبنسون مع فريق بروكلين دوجرز قام أحد اللاعبين البيض برفسه على كاحل رجله، مما سبب جرح كبير. وفي مشهد اخر يقف كابتين الفريق المنافس، ويهينه بأنه أسود، ومن فصيلة القرود، وعليه أن يرجع لأصله على الشجر، لا أن يكون هنا يلعب بين البيض. فاستمر روبنسون في اللعب، بينما كان الكابتين مستمر في أهانته، ليبدأ غضبه، ويضعف أداءه، فيخسر فريقه في المرحلة الأولى من اللعب. ويذهب روبنسون لغرفة صغيرة مغلقة، ويعبر عن غضبه، بضرب مضرب البسبول على الجدار، وفجأة يأتي مدير الفريق وينبهه، بما طلب منه من قبل بالا يغضب، لكي لا يسوء أداءه، فيرجع روبنسون للملعب مرة ثانية ليسجل انتصارا رائعا، وليصبح الأمريكي الأول في لعبة البسبول.
تلاحظ عزيزي القارئ كيف ناضل السود في الولايات المتحدة للقضاء على التفرقة العنصرية، ومن سجل الانتصار الحقيقي، ليس من حرق ودمر بلاده، بل من جاهد في العمل الخير، ليبرز شخصه، ويحقق نجاحات لبلاده. وبتراكم العمل المنتج، استطاع السود في الولايات المتحدة تسجيل انتصارات في مجلات مختلفة، من الرياضة والفن وحتى السياسة والاقتصاد، ليفرضوا احترامهم على العالم أجمع. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: فهل سيفرق شباب الشرق الأوسط بين المعاناة من التفرقة، وعقلانية التعامل معها، وذلك بالعمل المخلص والمبدع والمنتج؟ فمن طلب العلي سهر الليالي في العمل والتحصيل والتعليم، لا في الحرق والتدمير. ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين اليابان

