حينما يراوغ بعض الساسة في بلادنا العربية إلى إستجداء تأييد شعوبهم للوصول إلى تحقيق أهدافهم الشخصية في الاستمرار والتربع على كرسي المسؤولية، يبدأون بالتشدق بالكلمة السحرية quot;الديموقراطيةquot;، حيث يلوكونها بين أسنانهم وتحت لسانهم ليل نهار!!..
bull; ولكن ما أن تتحقق لهم غاياتهم من الديموقراطية الشكلية ويتحسسوا حرارة كرسي الحكم، حتى يبدأوا بالتنكر لتلك الكلمة - الديموقراطية - كما حدث في مصر وسواها من دول الربيع العربي، إذ ضربوا عرض الحائط بتلك الوعود التي اتخذوها على أنفسهم، الى درجة أنهم أغرقوا بالدماء أولئك الذين دعموهم ديموقراطياً!!..
وليس ذلك حصراً على العالم العربي فقط، فقد حدث في روسيا كذلك، حينما أطاح بوريس يلتسن برفاق الأمس، وحوَّل البرلمان الروسي إلى مدخنة تتطاير منها نيران القنابل والمتفجرات والحرائق وتسيل على أرضها الدماء الغزيرة، وكذلك الحال في بلدان أخرى من العالم!!..
bull; فعند حلول موعد الإنتخابات ndash; في بلداننا العربية ndash; يعزف بعض القادة على أوتار quot;الديموقراطيةquot; و quot;المساواةquot; و quot;الحريةquot; وquot;العدالةquot; و quot;التعدديةquot;، ولكن حالما يتأكدون من نجاحهم في الحصول على الأصوات ndash; وهذا بحكم المضمون ndash; فإنهم يبدأون (بالاتجاه المعاكس) لما كانوا ينادون به، ويتصدون للذين يطالبون بتطبيق الوعود التي كانوا ينادون بها!!..
bull; ولدينا في وطننا العربي تجارب ديموقراطية محدودة، إلا أن بعضها إنتكس بسبب ذات الحكام الذين حملوا لواء تلك الديموقراطية، ولكنهم تنكروا لها لاحقاً، وبعضها سقط بسبب تغيير موازين القوى، حيث كانت ديموقراطية أولئك الحكام وقتية تكتيكية، تريد أن تخرج من أزمتها الراهنة بعد أن كانت تعرف بأن الوقوف ضد التيار قد يطيح بها آنذاك، ولكن حالما إنتهى الوضع الإستثنائي تراجعت عن إلتزاماتها وعن برامجها، ورمت بشرائح إجتماعية واسعة خارج إطار الممارسة الديموقراطية، لتحولهم إلى أناس معادين يمارسون الإرهاب حسب ما يدعيه الحكام، لذلك وجب حرمانهم من تلك الحقوق التي كان من المفترض أن يتمتعوا بها!!..
bull; هذه التبدلات في نهج بعض حكامنا العرب تجاه الموقف من الديموقراطية يعقد حركة التطور، ويعزز من الإرتدادات الخطيرة في سايكولوجية الإنسان العربي، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى تفاقم حالة الإحباط والتردي في المجتمع ، ويزيد من إحتمالات إرتفاع حدة الإرهاب والظواهر التدميرية على نطاق واسع كما يحدث الآن في مناطق متعددة، ولا تخلو بعض دول الخليج العربي منها!!..
bull; ولإجتثاث هذه الظواهر السلبية في عالمنا العربي لابد لنا من إعتناق الديموقراطية فكراً وممارسة، فالديموقراطية ينبغي أن لا تطبق على الشعب، وتحمي الحاكم!!.. وإنما تطبق على الجميع في حدود الواجبات والحقوق، وليس ضد الشعب ومع الحاكم، وإلا ستصبح ديموقرطية عرجاء ليس لها أي مدلول في القاموس السياسي!!..
bull; ليت أن حكامنا يدركوا أن الديموقراطية الحقة، ليست بالضرورة هي التي توصلهم الى أن يكونوا مليارديرات، بل أن يكتفوا بأن يكونوا مليونيرات!!.. على أن يتنازلوا قليلاً عن تلك المليارات التي اغتنموها من الشعوب لإصلاح حال المجتمع الذي وصل الى هذا الوضع المزري!!..
bull; ولا يُستثنى من ذلك في العالم العربي إلا القليل القليل بسبب وفرة النفط وارتفاع أسعاره!!.. ولولا هذه الحالة الطارئة فلا يعلم إلا الله كيف كان من الممكن أن تكون عليه أحوالنا ؟!!..
* * *
bull; بعد الربيع العربي اشتدت وتيرة العزف على أوتار الديموقراطية، وقد تحقق البعض منها ndash; شكلياً ndash; والبعض الآخر لازال يسير بخطىً كسيحة، لعل تجربة مصر مع الاخوان المسلمين قد أكدت هذه الديموقراطية الكسيحة بشكل فاقع، حيث تم تركيز تنفيذها على مصلحة جماعة بعينها على حساب قطاع واسع من أبناء الشعب، مما دفع بغالبية الشعب المصري بالثورة التي لازالت متأججة شحنة الغضب نتيجة لها، ولا يعلم إلا الله ماذا ستكون نهايتها.. أما الحديث عن ديموقراطية لبنان فالمفترض أن الديموقراطية فيها تصهر السبعة عشر فرقة مختلفة الأطياف في بوتقة واحدة، ولكنها ديموقراطية قد فُصّلت دينياً وطائفياً وعرقياً وفق مقاييس التركيبة اللبنانية القابلة للانفجار في أي وقت.. ما يحدث في العراق من ديموقراطية الأغلبية الطائفية لا يعتد به كمنهاج للديموقراطية الصحيحة، إنما أنهم يمارسون أجود أنواع ما أُطلق عليه ديدان الديموقراطية.. اليوم يتوجه الكويتيون الى صناديق الانتخاب لتحقيق الديموقراطية، ولكنني لا أدري أي نوع من أنواع الديموقراطية هذه ؟؟!.. وقد سمعت بنفسي أحد المرشحين يقول : الله ثم قبيلتي وهذا أهم أهدافي من الترشح للانتخاب، وهناك الكثير منهم على شاكلة هذا المرشح الذين جعلوا من الكويت بؤرة لتكريس القبلية، والطائفية، بل والعرقية (عجم، عرب، شيعة، سنة، ظفيري، عازمي، رشيدي، مطيري، بدوي، حضري، ناهيك عن سلف، اخوان، الخ الخ الخ ؟!..) إنها ديموقراطية ترقيعية شكلية ليس إلا!!.. أما بقية دول الخليج فكل ديموقراطيتها بالتعيين الرسمي.
وشمال أفريقيا هي الأخرى تئن تحت وطأة الترقيعات باسم الديموقراطية.. ولعل تدخل الدولة السافر في الاردن جعل من الديموقراطية الاردينية ذات خصوصية لا تختلف عن تلك الديموقراطيات التي أشرنا إليها!!..
هذه هي الحال بالنسبة للديموقراطيات العربية.. وكان الأمل في هبة الربيع العربي حيث ثارت الشعوب على حكام تمليروا تحت مسمى الديموقراطيات الشكلية المزيفة التي كانوا يمارسونها، ولكن حتى اللحظة نجد أن شعوب الربيع العربي ما أن تدخل في مأزق حتى تواجه مآزق أخرى، وهاهي مصر اليوم ndash; عند كتابة هذا المقال ndash; تقف على رجليها بين مؤيدة لديموقراطية الأخوان التي شبه انهيارها مرشدهم بانهيار الكعبة!!. وما بين المناوئين لهم وهم القطاع الأكبر من أبناء الشعب المصري..
أعود الى كلمة قديمة قد اهترأت من التكرار لكنني مضطر الى اللجوء إليها (أيتها الديموقراطية، كم من جريمة تُرتكب باسمك)!!..
