وان كانوا فوق سطح الارض بأجسادهم إلا أن عقولهم وأرواحهم على أعماق سحيقة تحت سطحها، وطيلة قرون مضت كانت أى محاولة لسحبهم إلى السطح تبوء بالفشل حتى وان حدث وخرجوا وقابلوا ضوء الشمس المبهر فعلى الفور يغلقون عيونهم ويعودون من حيث أتوا على عمق مئات السنين، ومن تحت سطح الزمن يشنون حربا شعواء لجر كل البشرية إلى حيث يسكنون فى الكهوف المظلمة هذا هو الفارق بين مجتمعات الظلام ومجتمعات النور، مجتمعات الموت ومجتمعات الحياه، مجتمعات تمجد صناعة العدم،ومجتمعات تكرس علومها وأبحاثها لتمجيد وتقديس الهبة الالهية المقدسة وهى حياة البشر، هذا هو الفرق بين مجتمعات همها الاول بث ثقافة القبور والغوص فى االغببيات، ومجتمعات نفضت غبار التخلف وانطلقت فى مسيرة التكليف الالهى وهو تقدم الانسانية واعمار الارض والاحتفاء بالحياه كصنعة إلهية، مجتمعات تفوح رائحة الموت من شوارعها على مدار الساعة،ومجتمعات ا تسخر الارادة والمواهب والقدرات البشرية الخلاقة التى منحم الخالق إياها فى أسمى ما يمكن أن يفعلة بشر مع بشر : وهو إحياء نفس، إحيائها من كارثة أو من فقر أو من جهل أو من مرض دون شروط مسبقة، أما أن تسخر نفس المواهب فى إشاعة العنف والكره والجهل فهو أسوأ مايمكن أن يفعله بشر ببشر.

هذا هو الفرق بين حفر نفق إلى المستقبل لاستشراف الحياه وإنقاذ ألبشرية وبين حفر أنفاق إلى الماضى لوأدها، هذا هو الفرق بين بشر طمروا أنفسهم على بعد ألف وربعمائة عام من سطح الزمن وحوصروا بملايين الاطنان من ركام الجهل، وبين بشر اخترقوا غلاف الارض بسرعة الضوء ليكتشفوا عوالم فضائية جديدة،وهو انتصار للإرادة السوية للبشر: إرادة الحياه، لكن ترى هل يمكن الوصول لهؤلاء المطمورين فى الزمن لإنقاذهم هل يمكن لحفارات لولبية اختراق هذه الطبقات من الجيولوجيا الوعرة، ترى هل تستطيع أن تخترق هذه الطبقات الصلدة من القرون المتكلسة المتراكمة، تلك التى تعذر اختراقها رغم المحاولات المضنية التى قادها رواد أوائل لكنهم فشلوا فشلا ذريعا، فشلوا فى اختراق هذه الطبقات السميكة من ثقافة الإختباء والغوص إلى أقصى عمق خشية مواجهة الحياه والتزاماتها الانسانية، الالتزامات الانسانية التى قررها الخالق على كل بشر وهى المشاركة والاندماج والتعارف واعمار الكون.

والمطمورون فى الزمن استمرأوا العيش تحت سطحه بعيدين عن الواقع، وأنشأوا لأنفسهم سراديب وكهوف فى أزمنة افتراضية ومن حبكة الكذبة على أنفسهم وعلى أتباعهم صدقوها، وتركوا الزمان والمكان الحقيقيين ودفنوا رؤوسهم فى ظلمات كهوف بينما تجرى الدنيا فوق رؤوسهم، تركوا الكون كله يسبقهم وتزداد الشقة إتساعا بينهم وبينه كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقة لا بل كل ثانية، وباتت العودة الى الزمان والمكان الحقيقيين باتت مستحيلة، ولقد ساعدهم على تصديق الكذبة الكبرى مؤسسات النصب المتعددة الجنسية التى تتملقهم بأساليب متقنه لمداهنتهم وسحب أرصدتهم وتصنع لهم بضائع تناسب الحقب التى يتوهمون العيش فيها بدءا من البنوك الدينية وحتى (اللحم الحلال) فى حواري باريس ولندن مرورا بأدوية السعال ومستحضرات التجميل الخالية من الكحول وشحم الخنزير.

والمطمورون فى الزمن أصبحوا عبئا على بقية سكان هذا الكوكب يمارسون ثقافة الوهم ودفن الرؤوس ليوهموا أنفسهم بأوهام التمايز العرقى والدينى والمذهبى وأنه لا يوجد غيرهم فى الكون ومن يقول بغير ذلك فهو يروج لضلالات تستوجب الاستتابة حتى يعود لصوابه، حتى منجزات العصر التى تجرى فوق رؤوسهم وتحت أرجلهم وفى شوارعهم وفى شرايينهم منحوها تفسيرات ساذجة ومزورة لتعفي ضمائرهم من أى تأنيب عندما تتساءل أجيالهم الجديدة عن مدى مساهمتهم فى أى إنجاز حضارى طيلة هذه القرون الطويلة ولو حتى بقصافة أظافر للأطفال، بينما ينعمون بمنجزات بحث مضنى وعرق وكد لأناس يعملون من الفجر وحتى الغروب ثم لا يخجل دعاتهم من وصفهم بالقردة والخنازير.

والمطمورون فى الزمن مغلوبون على أمورهم يصطنع لهم (مرشديهم) القضايا المناسبة للحقب التى يروجون لها، قضايا من الماضى السحيق غيبيات عفا عليها الزمن، فبينما ينشغل الناس على سطح الزمن بأبحاث (النانو والممز ) التى ستغير وجه العالم قريبا جدا، ينشغل هؤلاء بأبحاث التأثير الاعجازى لإعفاء اللحية على فحولة الرجال وفتاوى إرضاع الكبير وبول الابل والحجامة وزواج الاطفال وكثير كثير مما يروج له هؤلاء المدلسين الذين لاهم لهم سوى الاحتفاظ بأتباعهم لمغرر بهم دائما تحت السيطرة، الاحتفاظ بهم دائما تحت سطح الزمن بعمق كاف حتى يسهل قيادتهم كقطعان فى الظلام الدامس وتظل عقولهم محصورة فى هذه المدارات المنحطة من الفكر مع الأخذ فى الاعتبار الإسراع بمعاقبة أى متمرد مارق قد يعن له أن يفتح ولو ثقب صغير فى أى جدار قد ينفذ منه بصيص من ضوء.

ولم يكتف هؤلاء بوضعهم المأساوى حيث الثالوث المهيمن الفقر والمرض والجهل بل يريدون جر هذا الكوكب كله إلى تلك الاعماق السحيقة وأعلنوا (الجهاد) المقدس لتحقيق هذه الغاية (النبيلة) ورصدوا البشر والمال لهدم المعبد على رؤوس الجميع والعودة بالبشرية إلى نقطة البدء. والأخطر فى كل ذلك هو تنامى تيارات عنصرية مضادة على الشاطئ المقابل للمتوسط وفى الغرب كله تؤصل لتكتل لمواجهة (الخطر القادم ) وبعد أن كان ذلك مجرد آراء متفرقة تعلن على استحياء أصبح رأيا عاما فى كل أوربا وأمريكا وبدأت الاحزاب اليمينية العنصرية التى كانت مرفوضة فى مجتمعاتها، أصبحت تحصد الاصوات حصدا فى ألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا وهولندا وغيرها، وأصبح لها ظهير شعبى ينمو كل يوم، وبالإضافة لقضايانا التاريخية التى تم تهميشها أصبحت مجرد الملامح الشرق أوسطية هدفا لنظرات الريبة فى الموانئ والمطارات والشوارع وحتى فرص العمل مرورا بالتضييق عليهم فى كل مناحى الحياه بعد أن نجحت الميديا فى حفر صور الدماء ومشاهد الموت فى نيويورك ولندن وباريس ومدريد على كل الخلفيات، ويقينا نحن لا نعرف ما هو السيناريو المتوقع لموجات التهديد والوعيد التى تنطلق من صحارينا ومعها موجات الإستفزاز المنظم لهذه المجتمعات، لكننا نعرف يقينا أن هذه المجتمعات بناها أصحابها بالعرق والدم ولن يسمحوا لأحد بالإقتراب منها، وهم يملكون من البدائل (الخطرة) المتاحة للدفاع عن أنفسهم ومنجزاتهم ماقد لايخطر لنا على بال، أو قد يخطر ككابوس ونكتفى (بالعذبلة) ولعل المشهد على الساحة فى كل المنطقة يوضح الصورة فقد بدأ السيناريو الاول (دعهم يأكلون بعضهم بعضا بعيدا عنا )،أما البديل الآمن فهو فتح ثغرات متسعة ليدخل النور ويطرد جحافل الظلام التى احتلت العقول وتحدث المصالحة التاريخية بين الأزمنه المتخاصمة وتلك مهمة كل من يدعى أنه مهموم بمستقبل هذه الرقعة المنكوبة من هذا الكوكب المنكوب.

وفى مصر وتونس عندما حانت لهما فرصة الخروج للسطح ويتصدروا المشهد ويمارسوا نشاط فى العلن مارسوه بنفس المنطق منطق الاختباء والمؤامرة والاحساس بالاغتراب وإقصاء مخالفيهم، فقد غابوا طويلا طويلا وكان يلزمهم سنين من التأهيل النفسى والاجتماعى وليتهم ماعادوا فقد أساءوا لشعوبهم ولعقيدتهم أيما إساءة وهاهم على وشك العودة من حيث أتوا، الغوص فى كهوف الماضى السحيق.