أشياء كثيرة في حياتنا اليومية العراقية يمكن أن تبعث الأمل في نفوسنا مقابل مشاعر الاحباط والخوف التي يريد العنف والارهاب زرعها في أرواحنا.

أن نرى أطفالا يتأبطون حقائبهم الصغيرة وهم في طريقهم الى المدارس. أن نشاهد عائلات تتسامر وهي تفترش الحدائق العامة في ساعات متأخرة من الليل. أن نمر بأسواق تعج بالباعة والمتبضعين. أن نرى مقاهي ضاجة بالزبائن غير آبهين بالتهديدات. أن نستمع لمثقف أو فنان وهو يتحدث بتفاؤل عن مستقبل العراق، برغم كل ما يحيط به من مخاطر وتحديات..

كل هذه العناصر والمشاهد اليومية تؤكد أن الحياة أقوى وأبهى مما يريد لها الارهابيون والقتلة والطائفيون أن تكون. الحياة ماضية الى الأمام وأولئك يريدون جرها الى الوراء حيث العتمة والدماء والأحزان.

سألني صديق، قبل أيام، وكنا نمر في شارع أبي نواس وأمامنا عشرات السيارات وهي تصطف على بوابة مرآب يفضي الى حدائق وكازينهات الشارع، كيف أفسر هذا المشهد في ظل تواصل أعمال العنف والتفجيرات اليومية، فقلت له: هذه هي الحياة لايمكن أن يقتلها الارهاب والعنف، والعراقيون لن يتخلوا عنها.

واستمعت يوم أمس لحوار طويل في قناة العراقية أجراه ببراعة الصديق كريم حمادي مع الفنان الموسيقي الكبير نصير شمه تحدث فيه عن قضايا كثيرة وموضوعات شتى. تحدث شمه عن الموسيقى وكيف تبث الشعور بالأمل في النفوس. وتحدث عن جمهور العراقيين الذين حضروا أمسيته فقال أن أعضاء الفرقة الموسيقية التي رافقته وهم مصريون لم يصدقوا هذا الحضور الكثيف والذواق الذي جاء لسماع الموسيقى. وتحدث شمه عن حاجة العراق للمسارح ودور العرض وقاعات الرسم والموسيقى وقال أن هذه الأماكن ستجذب الشباب الى الثقافة وتعلمهم معنى السلام والفن. تحدث شمه عن محبته لبغداد ولمدينته الحلة التي تربى فيها سنوات شبابه وكيف زارها بعد عودته الى العراق ليلتقي أهله وأصدقاءه وجيرانه. وتحدث عن استعداده لوضع خبراته وطاقاته وكل امكاناته الفنية في خدمة العراق لمواجهة ثقافة العنف والارهاب.

كان حواراً ممتعاً وشيقاً يبعث الأمل والثقة في النفوس، اكتشفت خلاله، للمرة الأولى، حقيقة وشفافية مشاعر ودواخل هذا الموسيقار العراقي الكبير بعيدا عن شوشرات وترهات البعض، وشعرت حينها كم نحن بنا حاجة لأمثال نصير شمة ليقفوا معنا كي نستعيد توازننا الروحي مع موسيقاه العذبة في مواجهة مايراد لنا أن نكون. وتذكرت كذلك عبارة لن تنسى للمسرحي السوري الرائد سعد الله ونوس قالها في سياق كلمته في يوم المسرح العالمي: إننا quot;محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لن يكون نهاية التاريخquot;.