لا أستطبع ادعاء الحياد فى هذا الطرح فالملمح الانسانى الطاغى على بقية ملامح شخصية الرجل استهوت كثيرين أنا منهم،فقط ارجو من القارئ أن ينحى جانبا ولو مؤقتا الجدل على الساحة حول ما اذا كان الرجل قاد انقلابا أو قاد ثورة فهو جدل عقيم لايغير من الامر شيئا، فالرجل شاء من شاء وأبى من أبى اعتلى السدة وأصبح رئيسا منتخبا يمثل بلاده فى كل المحافل الدولية وتراجعت وكادت تتلاشى نغمة الانقلاب، يالاضافة لشعبية طاغية من ينكرها كمن يدفن رأسه فى الرمال، لكن السؤال الاهم هو هل جاء هذا الرجل فى الوقت المناسب أم جاء متأخرا؟ أنا أعتقد أن الرجل كان يجب ان يأتى قبل قرن من الزمان فقبل قرن كان يمكن لمثل هذه الأحلام التى أطلقها الرجل أن ترى النور، ففى هذه الحقبة كان هناك على ضفاف النهر بيئة وبشر، بيئة صالحة وبشر مستعدون، بيئة صالحة لاتعرف العنف ولم تتلوث بسموم تم ضخها لنصف قرن، وبشر كانوا مستعدين للولوج إلى المستقبل، بيئة كان نجومها المنيرة مجددين مصلحين ثوار على الظلم والظلام والرجعية والتزمت محمد عبده وطه حسين والعقاد واحمد أمين وابناء عبد الرازق وغيرهم كثر من نجوم مصر الزاهرة، هؤلاء الذين استشرفوا المستقبل ووجدوا أنها أى الحرية هى الطريق الأوحد لتقدم الأمم وازدهارها، كان هناك بيئة مساواه وعدل يعيش فيها بشر آمنوا بالمبدأ المقدس مبدا العيش المشترك بين يشر كلهم خلقهم الله على أرض لايملكها غير الله، وعرفوا أيضا أنه أى العيش المشترك هو الطريق الأوحد لبناء مجتمعات مستقرة ناهضة، وأن العيش مع الآخر والقبول به مختلفا عرقا ودينا ومذهبا ولونا هو الاسلوب الحتمى والوحيد للحياه وليس التعايش على مضض متنمرين بعضهم لبعض فى انتظار اللحظة التاريخية،لحظة النصر المبين عرق على عرق ودين على دين ومذهب على مذهب، اللحظة الحاسمة التى عاشت هذه المنطقة المنكوبة طيلة قرون وحتى اليوم فى وهم حتمية حدوثها، هذا الوهم الذى تضخم وتشعب كورم سرطانى استشرى فى جسد هذه الشعوب المنكوبة وهاهى اليوم تحتضر فلاعلاج لها.
ولنا ان نتخيل أن رجلا لديه هذه الأحلام و يملك هذه الارادة السياسية يقف خلفه مثل هؤلاء الدعاه المجددين وهؤلاء المثقفين المستنيرين لكانت هناك معجزة بكل المقاييس ولتحول الرجل الى مصلح ثائر يحطم كل تلك الاصنام الجامدة ويخترق تلك التابوهات المحصنة، مصلح ثائر يمسح من على ذاكرة هذه الامة كل ماعلق بها فى نصف القرن الماضى من سفاهات وتفاهات خربت عقول امتلئت خزعبلات،وسودت قلوب امتلئت كراهية وعنصرية.
أما على الساحة اليوم فهم دعاه تجمدوا عند القرن الرابع كلمة التجديد تصيبهم بالهلع وكلمة الحرية تصيبهم بالرعب، فهم بنوا عروش على جماجم فارغة انتزعوا منها الهبة الالهية الوحيدة التى تميز البشر عن الحيوان وهى نعمة العقل والويل كل الويل لمن يحاول زعزعة هذه العروش.
نعود للجنرال الحالم ونعرض لتساؤل أكثر أهمية هل يتركه أعداؤه يحقق أحلامه ونحن نتحدث عن عداوات تاريخية ليس للرجل فقط ولكن لكل مشروع يستهدف انهاض هذه الامة من رقادها الطويل،فهم تكالبوا على محمد على وتكالبوا على عبد الناصر فهل يتركون لهذا الرجل الحالم الفرصة ليصطحب هذه الامة المنكوبة وينطلق بها عابرا النفق المظلم إلى عوالم الحداثة وحرية البحث واكتشاف الكذبة الكبرى التى عاشت فيها مغيبة لقرون طويلة،مغيبة عن أحداث واكتشافات وثورات وأمم نهضت من سباتها لتتبوأ مكانة تناسب ما بذلته من جهد مضنى فى العمل والبحث والصبر طيلة عقود،هل سيتركون هذا الرجل يحطم قيود الماضى الذى كبلوا به هذه الامة لتبرح مستنقع أسن غطتها فيه الطحالب، تبرحه الى فضاء الحرية والابداع وتنفض عنها ماعلق بها من تخلف وعنصرية وبداوة.
عداوات أخرى كثيرة على الرجل مواجهتها لعل أخطرها شبه الجزيرة وخصوصا نصفها الشمالى التى حولها مبارك الى مزرعة للسلفيين التكفيريين وغض الطرف عما يحدث فيها لثلث قرن وأصبحت بؤرة اجتمع فيها تجار المخدرات وتجار السلاح والمهربىن وعملاء حماس وعملاء اسرائيل واتحدت مصالح كل هؤلاء على هدف واحد وهو كسر الجيش المصرى واجباره على الخروج من سيناء لأنه أصبح خطر داهم عليهم وعلى مصالحهم، لكننى أعتقد أن الجيش المصرى قطع شوطا كبيرا فى تطهير هذا المستنقع رغم تضحيات كبيرة ودماء غزيرة سالت لكن الهدف يستحق فاذا تم تطهير سيناء تصبح مصر كلها آمنة.
وحتى الآن يبدو الرجل متماسكا فهو يملك نقاط قوة لم تتوافر لسابقيه أولا لأنه جاء بغير لعبة القدر فلم يكن السادات يحلم أن يكون رئيسا وحتى عبد الناصر عندما أعطاه هذ المنصب أعطاه له كوظيفة ضمن لعبة توازنات قادها فى محاولة لرأب الصدع فى مجلس قيادة الثورة بعد اعتزال ذكريا محيى الدين وعبد اللطيف البغدادى وغيرهم، ولم يدر بخلد عبد الناصر أن السادات يمكن أن يخلفه فى يوم من الايام ولا أعتقد أن ذلك دار بخلد السادات أيضا، وتكررت القدرية عندما كافئ السادات جنرال الجو( بلدياته ) بمنصب لم يحلم به ولم يدر بخلد الاثنان هذا السيناريو الدامى فى السادس من أكتوبر، نقصد أن وجه الاختلاف بين الرجل وبين سابقيه هو أنه كان مستعدا لهذا المنصب الرفيع رئيس أكبر وأغنى دولة عربية وأنا أقصد العبارة حرفيا الأمر الثانى الذى يختلف فيه الرجل عن سابقيه أنه كرجل استخبارات محترف كان يعرف وقت جلوسه على الكرسى أين يضع قدميه وكم الالغام المزروعة فى طريقه ويعلم كل شيئ عن البلد الذى سيحكمه عكس سابقية مبارك والسادات الذين وجدوا أنفسهم فجأة ودون سابق انذار فى قلب بحر هائج وأمواج متلاطمة اتخذوا قرارات مدمرة كلفت هذا الوطن نصف قرن من الوقت الضائع وكلفتهم هم أنفسهم حياتهم.
&
