يتداول العراقيون على اختلاف شرائحهم وأصنافهم الإثنية والعرقية ظاهرة غاية في الغرابة والاستهجان والبذاءة مما يعرف بظاهرة " الفضائيين " وهؤلاء الفضائيون ليسوا من منتسبي وكالة ناسا الاميركية كما يخيّل الى البعض بل هم الجنود والمراتب الذين يحسبون كمتطوعين في صفوف القوات المسلحة وعلى ملاكها الدائم ، لكن لاوجود لهم بين زملائهم المقاتلين الاّ في السجلات الحسابية باعتبارهم منتسبين للجيش العراقي فيستلمون المقسوم شهريا وهم لايظهرون عيانا حتى في أدقّ الاجهزة المجهرية لكونهم كائنات خرافية تقاتل مع الطير الابابيل دون ان يلحظهم احد مهما كانت عيونه حادة البصر كزرقاء اليمامة ولاحتى النسور والصقور الهائمة في الفضاء العالي ، فهم فضائيون من النوع الذي حباه الله رزقا وفيرا وهو يطير في الاجواء متخفيا
فقد كشف تقرير ظهر في وسائل الاعلام& قبل بضعة ايام عمّا يجري من فنون السرقات الغريبة الاطوار في داخل وزارة الدفاع العراقية وقد أشار التقرير ذاته بان مايقارب 45 الف من مراتب الوزارة يتقاضون رواتب من وحداتهم العسكرية وهم غائبون تماما عن اداء واجباتهم العسكرية ومنهم اسماء وهمية اصلا ولاوجود لهم بين زملائهم المقاتلين ، انما يظهرون يوم توزيع الرواتب ليتقاسمها معهم آمر التشكيل العسكري المحسوب عليه اسما لافعلا ، فاذا كان مرتب الواحد منهم مليون دينار عراقيّ على اقلّ تقدير فكم من المال الحرام سيهدر من ميزانية البلاد التي لايمسّها الفقراء والمعوزون ومعذرة للقراء الكرام لأترك الحسبة عليكم اعزائي& فأنا لست ضليعا في الارقام ولااستسيغ الرياضيات لا المعاصرة منها ولا حساب " العرب " كما تصفونه فقد ولعت بالادب والفن منذ نعومة اظفاري وليس لي في متاهات السرقات الرقمية لاناقة ولاجمل ولاحتى عنزٌ ولاحمَل
الغريب في الامر ان هناك شخوص لااساس لوجودهم اصلا فهم مجرد اسماء هلامية ادرجت ضمن قوائم الرواتب ليكون مصيرها في جيب آمر الوحدة العسكرية ؛ والحق اقول ان هذه التحقيقات قد جرت بأوامر من السيد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقد ظهر هذا الرقم المهوّل في بداية التحقيقات وربما ستعلن اسماء وهمية اخرى فالتحقيق في بدايته وستظهر حتما اسماء اخرى لجنود مؤيّدة من القادة العسكريين لم تروها لترمي حجارتها المصنوعة من سجّيل كي ينتصر العراق على داعش ومن لفّ لفّهم من الغوغاء الذين يعيثون في ارضنا قتلا مثلما يعيث القادة العسكريون في تشكيلاتنا العسكرية فسادا ونهبا تشيب له الرؤوس
هذه واحدة من الكوميديا السوداء وما على العراقيين سوى ان يتندروا على هؤلاء الفضائيين الغائبين عن الانظار كما يسمونهم فهم ليسوا زملاء فضائيي العالم من امثال نيل ارمسترونغ الذي وطأت رجله اديم القمر وقال قولته المشهورة بان خطوته الاولى هي البداية الاولى لخطوات متسارعة في التحضر واستغلال الفضاء الشاسع لخدمة الانسان والتحليق الى مدارج النماء والارتقاء نحو السمو الانساني والانطلاق من الارض نحو سُلّم السماء
كما انها ليست مساعي السيد يوري غاغارين الذي طاف السماء ودار حول الارض ليعلن للعالم ان الانسان سيغدو فارس السماء في القرن العشرين ومابعدها في الالفية الثالثة ؛ اذ صمم الحزب الشيوعي السوفياتي وقتذاك على ان لايمنحه شرف عضوية الحزب حتى ينهي مهمته ومسعاه في الدوران حول المعمورة بنجاح ساحق يؤهله لنيل العضوية باستحقاقٍ وأهلية& وجدارة&
لااخفي انني لاأحسد السيد رئيس الوزراء على منصبه الرفيع وأعلن تعاطفي وتضامني معه وأشفق كثيرا على السيد حيدر العبادي لاني اعرف هول التركة الجسيمة من ورثها من عضال المشاكل والخزعبلات والهوان التي تتسرب في ثنايا وأوصال هذا الجيش الهزيل الذي ابتليَ بقادة لايعرفون قيمة حب الأرض والعرض ولايفهمون معنى ان الجيش سور للوطن ...يحميه ايام المحن كما تعلمنا ونحن صغار إنما يحسنون بيع المناصب والمزايدة عليها لكسب اكبر قدَر من المال الحرام بأية وسيلة قذرة سواء بنهب التخصيصات المالية والحصول على كوميشون ونسب محددة جراء استيراد اسلحة حديثة او قديمة مستهلكة وآليات خردة يجري صيانتها وطلائها بحنكة ودهاء ومن ثم تسليمها الى داعش بدهانها ولمعانها فالسيد القائد العسكري منشغل بملء جيبه ومضاعفة رصيده المالي ولاوقت لديه للتفكير بالوطن واهله وحماية ارضه وعرضه ، ولم يلحظ طوال وجوده قائدا ان سارقا قد أقيم الحدّ عليه وزجّ في السجن ووقف امام العدالة مذعورا طالبا العفو والسماح والتخفيف من العقاب كي يأخذ العظة والعِبرة ويخاف العقاب الصارم ، ويوما ما سيحزم امتعته ويولّي الادبار للعيش في وطن اخر يأخذه بالأحضان طالما ان جيبه مكتنزٌ وثروته لاتعدّ ولاتحصى& مع اني لاانكر ان هناك بعض القادة العسكريين النزيهين الذين اكتفوا بمرتباتهم رزقا حلالا ولم يدنسوا ايديهم بالاخضر الرقراق والاصفر الرنّان لكنهم قلة قليلة لاتستطيع وحدها ان تصدّ الرياح المشبعة بالأنفاس الشرهة والمطامع العفنة التي ملأت اجواءنا زفيرا خانقا من السحت وروائح السرقات التي أزكمت الانوف
وليس غريبا امام هذه المطامع والمفاسد التي نخرت هيكل قواتنا المسلحة ان تعشعش داعش بين ظهرانينا وتمسك اجزاء واسعة من ارضنا وتحاربنا بأسلحتنا ؛ فالإرهاب والفساد صنوان يكمل احدهما الاخر مثل شفرتي المقصّ& لتمزيق نسيجنا الوطني وصديقان لايفترقان مثل مالك وعقيل كما يقول مثلُنا العربيّ السائر

[email protected]
&