عندما دخل مسجد الشيخ الصوفي أحمد الرفاعي في القاهرة، لم يكن يعلم إنه يضم قبر شاه إيران محمد رضا بهلوي. نبهه إلى ذلك رجل يحفظ أحذية الزائرين في كشك عند باب المسجد! أثار ذلك في أعماقه على الفور هزة غامضة حتى إن خطواته ترددت وتلكأت وهو ينعطف إلى باب كبير عال جداً يفضي إلى ردهة واسعة طويلة. خطوات قليلة على أرض مفروشة بالسجاد الأحمر الغامق الفاخر، وواجهته الأضرحة الرخامية لفاروق ووالده فؤاد وبعض من خديوية مصر، وإلى جانبهم قرب الجدار شاهدة قبر الشاه. اتجه إليه بخطى متأنية متثاقلة، توقف فجأة! بدأ يعي لماذا خطاه ترتجف وتتعثر، لكنها تمضي نحو القبر بإصرار لا يخلو من نفور كامد مندثر! كانت شاهدة القبر بلاطة كبيرة من رخام أبيض مًعرق بالبني خفيف الدكنة، توحي بمدى كآبة اللحد والرفات تحتها. عند جانبها المحاذي لأسفل الجدار، وضع العلم الإيراني القديم الذي عليه الأسد شاهراً السيف منكساً وقد حال لونه وصار مغبراً رثاً تقريباً. يحيط بالشاهدة إطار مستطيل من حبل حريري قرمزي مذهب مرتفع قليلاً عن الأرض، وعلى الشاهدة كلمات تؤكد أنه مات ملكاً، وما زال ملكاً، ولم تكن على الشاهدة سوى باقة زهور قد تكون وضعت منذ فترة طويلة فهي ذابلة ومتيبسة. لم تمض سوى هنيهة حتى دخلت جماعة تضم حوالي عشرين رجلاً وامرأة. اتجهوا إلى القبر. عرف من لغتهم إنهم إيرانيون. لم يكن أي منهم يحمل زهوراً كما هي العادة في زيارة قبور الملوك والزعماء. وقفوا أمام القبر دون أن يقطعوا أحاديثهم. بعضهم كان يعلك، آخر يضحك، ثمة فتاة وقفت تعدل شعرها بمرآة صغيرة! ومع إنه عرف أنهم سياح يبدون غير مبالين جاءوا للفرجة فقط على قبر ملك حكم بلادهم سنوات طويلة في زمن مضى؛ انسحب ليترك لهم المجال كله، فهو على أي حال قبر يخصهم. قرر أن يستغل الوقت في الطواف حول أضرحة فاروق ووالده، والخديوية، أزمع في نفسه أن يعود لقبر الشاه، بشكل ما صار يدرك أن ثمة شيئاً ما زال بينه وبين الشاه! وكيف ينسى ما حدث؟ كانت شواهد قبور فاروق وعائلته ضخمة عالية عليها كتابات شتى، عند الجدار المقابل ثمة منضدتان صغيرتان عليها نسخ من القرآن بأغلفة سميكة زيتونية، لمن يريد أن يقرأ على هؤلاء الملوك آيات ربما فاتهم في صخب الدنيا الإنصات لها. خرجت الجماعة فبقي وحده مع الملوك والخديوية، هذا ما لم يكن يتصوره أن يحدث يوماً، وجد نفسه يتجه إلى قبر الشاه، وفجأة انفتح قبر آخر في أعماقه، quot;كيف لا يكون ما أحمله قبراً وهو يضم عذابات بقيت منذ نصف قرن تنخر روحي وجسدي؟ كان ذلك في شباط عام 1963 عندما قام البعثيون بانقلابهم في بغداد ومضوا في ملاحقتنا، أذاعوا عبر التلفزيون وإذاعات داخلية وخارجية بيانهم الرهيب رقم 13: quot;اقتلوا الشيوعيين حيثما ثقفتموهمquot; ، كنت آنذاك شاباً يافعاً أعمل في منظمة طلابية بقيادة الشيوعيين، فقررت الهرب إلى إيران، لماذا اخترت إيران؟ كانت الأسباب ساذجة واهية، لكنها آنذاك بدت قوية حاسمة في أعماق شاب دون العشرين، خائف يلاحقه رجال شرسون متوحشون، مدججون بالرشاشات، وكان زمهرير شباط في ذلك العام رهيباً يجمد المخ في الرأس! فقد سمعت أن الشيوعيين الإيرانيين يتضامنون مع الشيوعيين العراقيين ويحمونهم، وإنني أستطيع بمساعدتهم التسلل من هناك إلى الاتحاد السوفيتي لأواصل دراستي! القي القبض على داخل إيران، ونقلت إلى طهران وألقيت في السجن المركزي الذي كان يشرف عليه جهاز السافاك المسئول عن أمن مملكة الشاه! وهناك بدأت ليالي التحقيق وجولات التعذيب، لم أكن أستطيع النوم لأيام عديدة متواصلة، هبط وزني وصرت أهدأ وأفرح لاقتراب الموت! الغريب إنني في الأيام التالية التي صرت فيها أستطيع أن آخذ فيها سنة من النوم كنت أرى فتاة، شاهدتها بشكل خاطف تعبر شارعاً في طهران وهم ينزلونني من السيارة من فتحة صغيرة في العصابة التي شدو بها عينيي، خطف قلبي جمالها وخيل إلى إنها رأتني وبدت حزينة مشفقة، في حلمي كانت تأتيني باسمة جميلة رائعة لتقدم لي زهرة حمراء ثم فجأة تهبط صورة هائلة للشاه بيننا كشفرة مقصلة لتحجب الفتاة عني فتغيب، ( حين لمحتها ،كانت خلفها في الشارع صورة الشاه بجانب إعلان للكوكاكولا) كان الحلم يتكرر كثيرا بعد كل ليلة تعذيب، مرة انحنت علي وضمدت جراحي! كانت هي منقذتي والشاه جلادي، كان جلادها أيضاً، كنت أراها ممتعضة مذعورة من صورته أيضاً! في أحلام يقظتي أراني انقض على الشاه لأشفي غليلي! امتد سجني لسنوات، ثم سلموني للسلطات العراقية، لأتذوق ولسنوات لوناً آخر من السجون في بلادي، وحتى تتحطم حياتي تماماً، وإلى الأبد وأهيم شريدا في المنافي!
والآن هو والشاه وحدهما، وهذه فرصة كبيرة للحساب لا يجود بها الزمان عادة، حتى حين كان في سجنه ويحلم إنه يهجم على الشاه كان هناك حراس حوله، فيمنح نفسه قدرة مصارعتهم وقتلهم أولاً! تبدل الكثير في حياته فلم تعد الزهرة الحمراء حلم حياته، تكشف له ما في داخلها من دود وعفن ،دخل زمن الأشواك، وراح يشق طريقه بين كثبان المتاهات المتنقلة، لكن الفتاة الجميلة وزهرتها بقيتا حلماً وذكرى تنعشان قلبه دائماً! لم يعد يحقد على أحد، حتى الشاه نفسه لا يغريه بالحقد عليه، أو التشفي فيه! فقط تمنى لو يحدثه بما جرى له معه، quot;أسأله ماذا كان لدى شاب مطارد مثلي ليؤذي به نظامه ودولته الجبارة آنذاك؟ وجدت إن هذا يقتضي إحدى معجزتين، إما أن أهبط إليه في قبره، أو ينهض إلى في ما تبقى من قبري وحطامي، وكلا المعجزتين لا تحدثان حتى في مساجد الصوفيين!quot;
داهمه فجأة عطر فاغم وحفيف ثوب، وتلفت، فتاة حسناء دخلت فجأة حاملة بيدها اليسرى زهرة بيضاء يانعة، quot;قلت يا للشاه المسكين صاروا يقدمون له زهرة واحدة فقط! أيام عزه كانوا يفرشون طريقه وروداُ، كانت الفتاة جميلة جداً، كدت أعرفها لكني لم أجرؤ على التصديق، فتاة باهرة الجمال خيل لي إنني لم أر مثلها من قبل، ملامح فارسية رائعة، وجه فاتن، جسد رشيق، بخصر يزنره على الثوب الأصفر المشجر الطويل شريط وردي عقص في مقدمته على ما يشبه طير أزرق صغير! ابتسمت لي، لم أصدق إنها هي، فتلك الفتاة لا بد إنها قد أصبحت الآن عجوزاً مثلي، هذا غير معقول أبداً ، ظننتها تتجه إلى قبر الشاه، تنحيت جانبا لأفسح لها الطريق لكنها جاءت نحوي بخطى واثقة، وكما كان يحدث قبل خمسين سنة وأنا في سجن الشاه قدمت لي الزهرة البيضاء مبتسمة، هي أيضا استبدلت الزهرة الحمراء بالبيضاء ، وهذه المرة لم يعد هناك ثمة شك، إنها هي من كانت تحنو علي وتؤنسني في ليالي عذابي في السجن، لم اعد أراها، غطى مطر غزير من جهتي المسافة بيننا، رأيت في ومضة، عمود شمس ينهض من البحر فيبدد ضباب فجر بعيد! أيام سجني لم أكن أسألها عن اسمها، وجدتني الآن أتلجلج في كلماتي معها ،لم تجبني، اكتفت بابتسامتها العذبة، واختفت! وتنبهت، الزهرة البيضاء في يدي،صارت تبعث شذاً خفيفاً ناعماً، كيف أخرج بها؟ ماذا سيقول الحارس على الباب؟ فالناس هنا يدخلون بالزهور لا يخرجون حاملين زهوراً، خطر لي أن أضعها على قبر الشاه، لسعت،لا ! إنه لا يستحقها، أضعها هنا أو هناك؟ كيف أفرط بها وهي تحمل رائحة شجن العمر كله؟ إنها أجمل وأغلى زهرة لمستها في حياتي؟ لم التردد؟إنها زهرتي وليست للشاه أو أي ملك آخر، فهي منها وأعز ما تبقى لدي، وسأقنع الحارس بذلك إن سألني! خرج واثقاً من نفسه منتعشاً كمن يخامر قلبه فجأة حب عظيم! نظر الحارس إلى ما في يده، كان مهذباً، ابتسم وهو يناوله حذاءه العتيق المترب، أعطاه الجنيه المعدني، أفرحته نظراته الباسمة المنحدرة من الشيب الذي يكلل رأسه، وتوقفها عند الزهرة البيضاء في يده فقد أكدت له إنها حقيقة ماثلة، مشهودة، وليست حلماً ساحراً داهمه في مسجد الصوفيين!

