بعيداً عن نظرية المؤامرة التي تميل لها أفئدة معظم النخب العربية والإسلامية، كتبت هذه السطور قبل أكثر من اثني عشر عاماً في إطار عملي كباحث في مركز الدراسات العربي الأوروبي في باريس وأعيد قراءتها اليوم على ضوء ما يحدث في العالمين العربي والإسلامي وبقية مناطق العالم المتفجرة والمضطربة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو أوكرانيا في قلب أوروبا، من تحولات وحراك جماهيري وأزمات على كافة الصعد.
كان الإرهاب من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الغرب، في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، يحمل السمة اليسارية ورموزه ارنستوتشي جيفارا وكارلوس وأبو نضال وياسر عرفات وجورج حبش وبادر ماينهوف والألوية الحمراء الإيطالية، على سبيل المثال لا الحصر، ثم حمل الهوية الإسلامية في أواخر تسعينات القرن الماضي إلى اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، ورموزه طالبان وبن لادن والقاعدة وداعش وحزب الله أيضاً على سبيل المثال لا الحصر.
شنت الولايات المتحدة الأمريكية، بمشاركة أو دعم وتأييد الغرب الأوروبي، حروباً مدمرة خلال النصف قرن المنصرم في فيتنام وكمبوديا وكوريا والشرق الأوسط ويوغسلافيا في الكوسوفو والبوسنة والهرسك، تحت حجج وذرائع واهية تخفي السبب الرئيسي ألا وهو السيطرة على العالم والتحكم بثرواته واقتصاده، بغية دحر المعسكر المنافس والعدو الرئيسي آنذاك للرأسمالية المتمثل بالمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، ومن ثم اختلقت عدواً جديداً تمثل بالخطر الإسلامي الذي ساهمت هي بنفسها في إنشاء أدواته في أفغانستان. في 11 أيلول 2001 انقلب المسخ الإرهابي الذي خلقت ضدها، وضربها في الصميم متحدياً عنفوانها وغرورها، عندها فقدت أمريكا أعصابها وانفلتت من عقالها كالفيل الهائج في مخزن للخزف.
عندما اندلعت الثورة الإيرانية في عام 1979 وأطاحت بعرش الشاه، الذي كان الحليف الأهم لها في المنطقة، تزعزعت الأرض تحت أقدام الولايات المتحدة الأمريكية واستشعرت الخطر يهدد نفوذها ومصالحها الحيوية، فقامت بخطوة يائسة بتحريك ودفع عدوها الآخر المتمثل بالنظام العراقي البعثي الدكتاتوري لشن حربه العدوانية ضد إيران بتشجيع وتمويل دول الخليج، بهدف استنزاف الطرفين وتدميرهما عسكرياً واقتصادياً ومعنوياً، ونجحت في ذلك إلى حد ما. ثم أقنعت صدام حسين وخدعته، وجرته إلى المصيدة، بتصويرها له أن خلافه المفتعل مع الكويت شأن داخلي لا علاقة لها به، فقام بمغامرته الرعناء والمدمرة بغزوه للكويت، فما كان منها إلا أن تعبيء العالم برمته ضده بما فيها الدول العربية، وتشن حرباً شعواء سنة 1991 أرجعت العراق نصف قرن إلى الوراء ومن ثم فرضت عليه حصاراً جائراً ومقاطعة دولية وعقوبات مؤلمة مست الشعب العراقي في أبسط حقوقه الحياتية ولم تمس النظام نفسه. وكانت قد سبق لها أن فرضت سياسة الاحتواء المزدوج ضد كل من العراق وإيران لإضعافهما أكثر فأكثر بحيث شعر المسلمون أن المستهدف من ذلك هو العالم الإسلامي.
عندما هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان باعتبارها دولة راعية للإرهاب، كان العالم ما يزال تحت هول الصدمة الناجمة عن أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001, ولكن عندما قررت شن الحرب على العراق ثارت ثائرة الرأي العام في العالم الإسلامي أولاً وفي بقية أنحاء العالم حيث خرجت التظاهرات المنددة والمعارضة للحرب في كل عواصم العالم بالملايين، والأخطر من ذلك أن جزء مهم من الشعوب الإسلامية شعرت أنها حرباً ضد الإسلام أي إنها حرب دينية بامتياز وأخذت طابع الحرب الصليبية بين المسلمين في الشرق والمسيحيين في الغرب. ومما فاقم الأمر هو تصريح جورج دبليو بوش العلني أمام العالم بأسره بأن حربه هي حرب صليبية ضد الإرهاب الإسلامي. لقد ساد شعور بالإحباط والظلم والاحتقان لدى المسلمين بعدم مبالاة العالم ومؤسساته الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بما يحاك ضدهم من مؤامرات والمجتمع الدولي لا يحرك إصبعاً. بل على العكس أتخذت قرارات مصيرية صبت كلها لصالح الدول العظمى وعلى رأسها أمريكا وأوروبا الغربية بالضد من مطالب الشعوب الإسلامية، لا سيما قضية العرب والمسلمين المركزية وهي المأساة الفلسطينية، هذا الواقع وسياسة الكيل بمكيالين هو الذي استغله إرهابيون من نوع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهم، لتبرير نشاطاتهم التخريبية.
هل كانوا على علم بما يجري؟
يبدو أن عناصر القاعدة وقادة الإرهاب الإسلاموي لم يدركوا أنهم دمى يجري التلاعب بها بالرمونت كونترول عن بعد، وأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي أو مباحث أمن الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية كانت على علم بكل تحركات وتخطيطات الإرهابيين. ومع ذلك لم يطلقوا أية تحذيرات أو يتخذوا أية احتياطات احترازية حسب اعتراف رئيس الأف بي آي الأسبق آنذاك روبرت ميللر في حين سبق لسلفه في شباط سنة 1993 لويس فريح أن صرح بأن مهاجمة برجي التجارة العالمية سنة 1993 هدفه تدميرهما ولم يستبعد إعادة المحاولة. فهذه السابقة كان من شأنها أن تحشد طاقات المؤسسات الأمنية بالكامل لمنع تكرارها نظراً لخطورتها، وكرر لويس فريح تحذيره أمام لجنة السيناتورات في مجلس الشيوخ الأمريكي في 4 شباط سنة 1999 وقال بالحرف الواحد أن المخربين الإرهابيين الإسلامويين لم ينجحوا في تدمير أحد البرجين التوأمين وكان من الممكن التسبب بوقوع آلاف الضحايا. ولقد ثبتت اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب واللجنة الفرعية المنبثقة عنها في الكونغرس الأمريكي نفس الاستنتاج في تقريرها بتاريخ حزيران سنة 2000 حيث ذكرت نصاً أن التفجير تسبب بمقتل 6 أشخاص وجرح بضعة عشرات بينما كان الهدف هو تهديم البرجين ومقتل عشرات الآلاف. والحال أن أمريكا تمتلك أقوى شبكة تكنولوجية للتجسس والتنصت في العالم، إشلون، و أكثر من 135 عميل أمني يعملون في 24 مؤسسة أمنية وبميزانية تقدر بالمليارات كافية لتزويد العالم الثالث برمته بالماء والغذاء، فهل من المعقول أن هذا الجهاز الأمني المهول لم يكن يتوقع حدوث تفجيرات الحادي عشر من أيلول 2001؟ ولقد ورد حرفياً في الخطة الاستراتيجية لمكتب التحقيقات الفيدرالي لسنة 1989 ndash; 2000 : أن أولوياتنا تتركز في العمل المخابراتي في الخارج إلى جانب وكالة المخابرات المركزية هو ملاحقة الإرهاب والإرهابيين والأنشطة الإجرامية التي تهدد الأمن القومي الأمريكي والاقتصاد الأمريكي والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. ثم صرح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ أف بي آي FBI لويس فريح في بداية سنة 1999 أمام لجنة السيناتورات قائلاً : هناك اثنان من أهدافنا الإستراتيجية هما: استباق وتوقع وتدارك ومنع ومحاربة الأنشطة الإرهابية قبل ظهور أو استفحالها، وملاحقة القوى والدول الأجنبية الداعمة لها ومكافحة الإرهابيين والعناصر الإجرامية التي تلجأ للاستخدام اللاشرعي للتكنولوجيا الجديدة ومنعها من امتلاكها.
هل كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA تعرف مسبقاً بمخطط القاعدة؟
بتاريخ 17 أيلول سبتمبر 2001 نشرن صحيفة لوموند الفرنسية مقالاً ذكرت فيه أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سي آي أ CIA أطلعت في شهر آب دائرة الهجرة والمباحث أو مكتب التحقيقات الفيدرالي أف بي آي FBI أن هناك رجلين هما خالد المذهر و نواف الهمزي Khalid Al-Midhar , Nawaf Alhamzi، مشكوك بهما بأنهما ينتميان إلى شبكة بن لادن الإرهابية وأنهما سيدخلان الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الحقيقة أنهما كانا بالأصل داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل بضعة أسابيع من تاريخ الإنذار إلا أن الــ أف بي آي FBI تباطأت باتخاذ الإجراءات اللازمة وفتح تحقيقات وأبحاث بهذا الصدد، بل وحتى لم تبحث عنهما وعن أماكن إقامتهما، كما نشرت صحيفة لوس أنجلز تايمز، ولم تبادر حتى في تنبيه شركات الطيران بهذا الأمر وأن هذين الراكبين مدرجة أسمائهما في اللائحة السوداء.
واصلت صحيفة لوموند الفرنسية في مقالها المذكور أعلاه تقول: وحسب المعلومات التي بحوزتنا فإن اجتماعاً فرنسياً ndash; أمريكياً مهماً عقد في باريس بين 5 و 6 أيلول وتركزت المحادثات فيه على التهديدات الخطيرة ضد المصالح الأمريكية في أوروبا وبالأخص سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في باريس. وبهذه المناسبة لفتت مباحث أمن الدولة الفرنسية أو مديرية الأمن الداخلي الفرنسية سابقاً DST لأعضاء الوفد الأمني الأمريكي الانتباه إلى مواطن فرنسي من أصل مغربي محتجز آنذاك في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 17 آب ويعتقد أنه من النشطين الإسلامويين من الصف الأول في جماعة القاعدة بقيادة بن لادن، حسب الدلائل والتقارير المتوفرة عنه، إلا أن الوفد الأمريكي لم يعر أهمية بالكاد لهذه المعلومة ولهذا التحذير معتقداً إن تنفيذ عمل إرهابي على الأرض الأمريكية أمر غير قابل للتصور وغير ممكن. هذا إلى جانب تقرير مخابراتي ألماني أرسل لواشنطن حول هذا الموضوع ذاته ومعلومات تتعلق بقائد المجموعة الإرهابية وهو محمد عطا، لكن الإدارة الأمريكية لم تأخذه على محمل الجد.
ولو أخذنا كل ما ذكرناه أعلاه من توفر الإمكانات البشرية والتقنية والتقارير الاستخباراتية والأمنية الغربية والأمريكية وأولوية مكافحة الإرهاب والتحذيرات والأدلة المتوفرة، يغدو من غير الممكن الاعتقاد بأن الأجهزة الأمنية الأمريكية لم تتوقع أو تعلم مسبقاً بمخططات مثل هذا المشروع الإرهابي.
هل هناك حقاً حرب ضد الإرهاب؟
من سيصدق أن الإرهاب الإسلاموي الجهادي والتكفيري الذي خلقه الغرب بنفسه يتعرض للتصفية والتدمير على يد الغرب ذاته ولكن بأدوات محلية وحرباً بالوكالة؟
عندما تدهورت الأوضاع الأمنية والعسكرية في أفغانستان بعد الانسحاب السوفيتي منها ونشوب حرب أهلية بين التنظيمات الإسلامية المسلحة التي كانت تقاتل السوفييت، لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى طلاب العلوم الإسلامية في الباكستان الطالبان وتسليحهم وتدريبهم على يد المخابرات الباكستانية وبتمويل سعودي مباشر حيث قامت هذه التشكيلات المسلحة بالزحف على أفغانستان وأخذ السلطة فيها حيث كان لتنظيم القاعدة الذي يضم تشكيلات المقاتلين الأجانب أو الأفغان العرب في صفوفه مكانة مميزة بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية. تقول تقارير سرية كشفت مؤخراً أن الطالبان في السلطة في أفغانستان قدروا بين 1999 و 2000 أن وجود أسامة بن لادن فوق الأراضي الأفغانية يعرقل مسألة الاعتراف الدولي بنظام طالبان واقترحوا على الولايات المتحدة الأمريكية تصفيته أو تحييده لكن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت ذلك كما كشفت عن ذلك ليلي هلمز Laili Helms التي كانت تمثل الطالبان رسمياً في واشنطن ولم ينكر ذلك أحد أو ينفيه.
تجدر الإشارة إلى أن العدو الإرهابي رقم واحد وهو أسامة بن لادن كان قبل تفجيرات 11 أيلول سبتمبر 2001 وبثلاث سنوات ولغاية إنجاز هذا العمل الإرهابي كان يتلقى العلاج بانتظام في دبي وبعلم الولايات المتحدة الأمريكية ورضاها وكان يلتقي بانتظام بعملاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المحليين في دبي. وبعد تفجير برجي التجارة العالمية اقترح الطالبان تسليم بن لادن لمحاكمته في بلد محايد على غرار ما حصل بشأن التفجير الإرهابي في لوكربي الذي قاد إلى محاكمة مواطن ليبي لكن جورج دبليو بوش رفض ذلك بشدة وكانت نصف عائلة بن لادن في ضيافته في واشنطن وقام بتسهيل خروجها من أمريكيا بطائرات خاصة حتى لا يصيبهم أي ضرر.
طبعاً لم يعد خافياً على أحد أن أمريكا هي التي أوجدت ومولت وسلحت وسهلت مهمة بن لادن في أفغانستان بتمويل سعودي مباشر من قبل رئيس المخابرات السعودية آنذاك تركي الفيصل.ومن ثم استخدمت أمريكا عناصر القاعدة ومقاتليها في مهمات مشابهة لمهمتهم في أفغانستان ولكن في البوسنة والكوسوفو ومقدونيا والشيشان وعملت على عرقلة فتح ملفات تحقيق عن دورهم في تلك الحروب ذات التبعات التراجيدية. وبعد تجاوزات الطالبان اللاانسانية والمنافية لأبسط حقوق الإنسان وبخاصة حقوق النساء، أشيع أنه لا بد من التخلص من الطالبان وإحلال قوات تحالف الشمال محلهم في حكم البلاد بقيادة الشاه مسعود ذو الماضي الإجرامي الذي لا يقل دموية ووحشية من ممارسات الطالبان والقاعدة والذي سبق له أن فرض تطبيق الشرعية بحذافيرها في كابول سنة 1994، لكن القاعدة بقيادة بن لادن هي التي اغتالته لحساب الطالبان وبمباركة أمريكية.
المهم في الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لسنوات طويلة مسبقاً وعلى أساس استراتيجي وجيوبولتيكي ومن ثم تبحث عن الحجج والذرائع لتبرر تنفيذها لمخططها. فعلى سبيل المثال ذكر الباحث والمحلل الاستراتيجي الفرنسي آلان جوكس، وهو شقيق وزير داخلية فرانسوا ميتران الاشتراكي بيير جوكس، في كتابه الشهير quot; أمريكا المرتزقةquot; أن حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل سنة 1973 قد أيقظت الإدارة الأمريكية ونبهتها إلى خطر صحوة العرب وإمكانية، ولو افتراضية، لاستخدام النفط كسلاح، لذلك قررت تأديب العرب بقسوة ووضعت مجموعة من الخطط تمتد على مدى ثلاثة عقود لإشاعة الفوضى والدمار وتفكيك المنطقة وتقسيمها واستنزافها من كافة النواحي، وكان ممن شارك في وضع الخطط الجنرال شفوارتزكوف الأب الذي صاغ في عام 1973 خطة غزو العراق للكويت وتحت هذا العنوان بالضبط واعتبارها ذريعة لإدخال القوات الأمريكية إلى المنطقة على نحو دائم، والتي نفذ مرحلتها الأولى سنة 1991 إبنه الجنرال نورمان شفوارتزكوف الإبن.
مما تقدم يمكن أن نستنتج أن قرار الحرب على العراق سنة 2003 كان قد أتخذ منذ وقت طويل يسبق بكثير أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وهذا ما أكده أيضاً وزير خارجية الباكستان الأسبق نياز نايكNiaz Naik حيث صرح أن مسؤولين أمريكيين كبار أخبروه عن خطة أمريكية معدة منذ زمن بعيد تتضمن إطاحة نظام طالبان في أفغانستان بالقوة العسكرية واستبدالها بنظام معتدل يقوده سياسيون أفغان معتدلون وطائعون سهلوا المراس والتوجيه حيث ستستخدم لتلك الغاية قواعد أمريكية موجودة في طاجاكستان التي يتواجد فيها خبراء عسكريون واستراتيجيون وأمنيون أمريكان وكان ذلك بتاريخ تموز 2001، ومن ثم سيقومون بإطاحة نظام صدام حسين بالقوة. ولم يكن ينقصها سوى الذريعة النفسية التي تصدم العالم وتجعله يتقبل أي ردة فعل أمريكية مهما كانت،.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية، وما زالت تسعى لتحقيق عدة أهداف استراتيجية أولها السيطرة على مصادر الطاقة في العالم وعلى رأسها بترول وغاز آسيا الوسطى بعد إحكام سيطرتها على غاز ونفط الشرق الأوسط على نحو تام. ومن ثم فرض نشر قواعد عسكرية في قلب آسيا تتمركز بين الصين وروسيا، وتكريس الهيمنة والسيطرة الكاملة على المملكة العربية السعودية وعسكرة الاقتصاد كحل للأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت طلائعها تبدو واضحة في الأفق وتحطيم مقاومة بعض دول العالم الثالث التي لا ترغب بالوقوع تحت الهيمنة الأمريكية والغربية وفرض سياسة العولمة وسحق كل من يرفضها أو يقاومها. وهذه هي حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية إمبراطورية الحرب الدائمة، التي تريد أن تمسك بخيوط اللعبة الدولية بكاملها بأيديها بعد أن أزاحت الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية من طريقها. لذلك اختار الغرب وعلى رأسهم أمريكا طريق الحروب والقوة لصد أية مقاومة أو أي رفض لمخططاته من قبل من ينشدون الحرية والتقدم والعدالة والسلام والاستقلال من شعوب المنطقة وليس حكامها لأن هؤلاء كالخاتم في إصبع واشنطن وعواصم أوروبا الغربية. إنها إذا حرب النفط غير المعلنة وهي حرب شاملة من أجل تأمين طرق الإمدادات النفطية والغازية لصالح الشركات النفطية العالمية التي تتحكم بها وتقودها الشركات الأمريكية سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا الوسطى وبحر قزوين ولو ألقينا نظرة على الدول المعنية بذلك سنجد إنها العراق وإيران والشيشان وجيورجيا وكردستان وأفغانستان والباكستان ويوغسلافيا ومقدونيا والخليج العربي.
نلاحظ أن الصناعة النفطية الأمريكية وما يرتبط بها كصناعة الأسلحة تحكمت بمسار السياسة الخارجية وقدمت أغلب وزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من الرؤساء الأمريكيين كعائلة بوش الأب والإبن ونائب الرئيس ديك شيني الذي يعتبر من الوزن الثقيل في هذه الصناعة قبل أن يصبح نائبا للرئيس حيث كان رئيساً لشركة هاليبرتون المتواجدة كالاخطبوط في أكثر من 130 بلداً وتستخدم أكثر من مائة ألف شخص وهي إحدى الشركات متعددة الجنسيات العبارة للقارات ويتجاوز ربحها السنوي 15 مليار دولار.وكانت موجودة بقوة في أفغانستان والعراق. وهي التي تقف وراء عمليات اغتيال وتصفية كبار المناضلين من حماة البيئة والمعارضين للعولمة وإخماد الانتفاضة الشعبية في دلتا النيجر والتعاقد مع حكام دكتاتوريين في بيرماني ونيجيريا. كما عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خاصة في عهدي بوش الأب والإبن، على فرض عقود لصالح هاليبرتون في آسيا وأفريقيا كما ذكرت ذلك وثائق نشرتها صحيفة لوس أنجلز تايمز. ومنذ، دخل السوفيت إلى أفغانستان وتحالفوا مع النظام الاشتراكي في عدن في اليمن الجنوبية على بعد خطوات مع العصب الحساس لأمريكا أي العربية السعودية، ناورت واشنطن بكل ما لديها من قوة وأساليب الخداع لاستعادة أفغانستان إلى نفوذها باعتباره نقطة تلاقي استراتيجية في آسيا فالهدف لم يتغير من أكثر من ثلاثة عقود، فقط الطرق والأساليب هي التي تكيفت وفق الظروف وتطورات الأوضاع الدولية. فكانت هي وراء تشكيل الميليشيات المسلحة التي أطلقت عليها تسمية محاربو الحرية في أفغانستان لمقاومة الاتحاد السوفياتي وكانت واحد من أكبر عمليات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الخارجية وكما قال دبلوماسي أمريكي في الباكستان في إحدى جلساته الخاصة: لايمكننا نحن الأمريكيون أن ننفق مليارات الدولارات لدعم الجهاد ضد الشيوعية ونقبل بمشاركة العديد من الدول الحليفة في العالم كله ونتجاهل انعكاسات وتداعيات مثل هذه السياسة فهدفنا لم يكن السلام والحرية والديموقراطية والعيش الكريم في أفغانستان والعراق بل تحطيم العدو الشيوعي أولاً واستئصال النفوذ السوفيتي من البلدين. ولقد دعمت أمريكا هؤلاء المقاتلين الإسلامويين الجهاديين على تحويل بلادهم إلى أكبر منتج للهيرويين في العالم وخلق أكبر شبكة تهريب للمخدرات انطلاقاً من أفغانستان مروراً بتركيا والبلقان وصولاً إلى أوروبا وهذه أساليب لم تعد خافية على أحد حيث إن المخابرات الأمريكية هي التي تدير شبكة تهريب النفط والأسلحة والمخدرات في كل أنحاء العالم.
وبعد المرحلة الأفغانية في الخطة الأمريكية جاء دور العراق ومعه القوقاز وكولومبيا والجزائر ونيجيريا وأنغولا حيث يتواجد النفط والغاز، لأن واشنطن تعتبر أن كل الدول التي تمتلك الوقود هي من حصتها ويجب أن تقع تحت نفوذها وهيمنتها بشكل مباشر أو غير مباشر. فتقوم بإنشاء القواعد العسكرية فيها أو بالقرب منها وتثير النزاعات والمواجهات العرقية والإثنية والدينية والطائفية والمذهبية والحروب أو النزاعات الإقليمية كلما وجدت ذلك مفيداً لها. الولايات المتحدة الأمريكية ليست بحاجة لكل وقود العالم لتشغيل مصانعها وسياراتها وآلتها العسكرية الجبارة فلديها ما يكفي وزيادة من انتاجها الوطني واحتياطها الاستراتيجي لكنها تريد وضع الانتاج النفطي العالمي برمته تحت سيطرتها للتحكم به وابتزاز خصومها ومنافسيها الظاهرين والكامنين كالصين والهند واليابان وأوروبا الغربية والشرقية. أي أن الوقود والنفط والغاز يتحول بيدها إلى سلاح ووسيلة للضغط والابتزاز فهي مقتنعة بأن من يريد أن يقود العالم عليه أن يسيطر على النفط والغاز أينما وجد. فهو وسيلة ضغط استراتيجية من خلال السيطرة على طرق التسويق والإمداد للطاقة. فلو كانت خطوط النفط والغاز المنطلقة من القوقاز باتجاه الغرب روسية وليست تركية أو مقدونية تابعة لأمريكا فسيكون بوسع أوروبا التزود بوقود لا تسيطر عليه ولا تتحكم به واشنطن وهذا لايناسب التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
لقد سبق لمستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في عهد جيمي كارتر وهو زبجنيف بريجنسكي أن حدد سنة 1979 المحور الأساسي الذي خطته الولايات المتحدة الأمريكية كمفتاح لسياستها الخارجية ألا وهو السيطرة على منطقة الأوراسيا، أي أوروبا زائد آسيا Lrsquo;Eurasi التي تضم 75% من سكان العالم و تحتوي على 60% من ثروات العالم الاقتصادية الطبيعية وبالتالي يتعين إضعاف المنافسين الكامنين، أي أوروبا وروسيا والصين والهند ومنع حدوث أي تحالف بينهم يغدو قطباً معادياً أو منافساً للنفوذ الأمريكي.
نجحت أمريكا في تحطيم الاتحاد السوفيتي وتفكيكه وتحويل روسيا إلى دولة رأسمالية لكنها لم تفلح بعد مع الصين. وهي تحلم وتخطط لتحويل الصين إلى مستعمرة أمريكية جديدة وتصفية بقايا الأيديولوجية الاشتراكية فيها وهو هدف صعب المنال مهما بذلت من جهد ومال وقوة. فبكين تواصل تقدمها ونموها بلا هوادة وتتطور يوماً بعد يوم وتمتلك التكنولوجيا والقوة النووية والاقتصاد القوي مع الحفاظ على التعايش السلمي الحذر مع الولايات المتحدة الأمريكية كما حدث مع قصف الأمريكيين عمداً للسفارة الصينية في بلغراد. وهناك ثلاث قوى لا تقل أهمية عن الصين في آسيا وهي روسيا وإيران والهند رغم ما تعانيه هذه الدول في الوقت الحاضر من مشاكل داخلية وصعوبات اقتصادية لكن تقاربها لتشكيل منظمة البريكس بالتعاون مع دولة جنوب أفريقيا أخاف الأمريكيين وجعلهم يعيدون النظر في الكثير من غرورهم وعنجهيتهم واستفرادهم بالقرار الدولي.فلقد زرعت واشنطن في خاصرة كل دولة بؤرة خطر في روسيا الشيشان وأوكرانيا وفي الهند كشمير من خلال الباكستان وفي الصين التبت وتايوان وهونك كونغ وفي إيران الأقلية السنية والاذربيجانيين والكورد وعربستان أو الأحواز الخ.. ولقد تفاقم صراع النفوذ في الآونة الأخيرة بين روسيا وأمريكا، خاصة في الملف السوري، مما دفع روسيا للتقرب أكثر من الدول التي تصنفها واشنطن بالشقية كإيران وكوريا الشمالية وسوريا والعراق في زمن صدام حسين قبل الغزو الأمريكي له وإطاحة نظام صدام بالقوة العسكرية سنة 2003. مع تجنب الانزلاق إلى سباق تسلح دولي منهك ومكلف جداً بالنسبة للروس في الوقت الحاضر.
كان الاستعمار البريطاني قد استخدم مقولة quot; فرق تسدquot; على المستعمرات ونجح في مساعيه واليوم تطبق الإمبراطورية الأمريكية نفس المنهج. فالمخطط الاستراتيجي ومهندس السياسة الأمريكية الأسبق والمستشار المهم الحالي لكل الرؤساء الأمريكيين، هنري كيسنجر، لخص إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية منذ زمن بعيد وقال : توجد توجهات تدعمها الصين واليابان لخلق منطقة تبادل حر آسيوية وبمجرد حصول أزمة مالية مهمة في آسيا سوف تدفع الدول الآسيوية للسيطرة على نحو أكبر وأكثر فعالية على مصائرها الاقتصادية والسياسية الإستراتيجية لذلك فإن انبثاق كتلة آسيوية معادية أو منافسة أو غير خاضعة للمصالح الأمريكية العليا سوف تخلق تحدياً مهماً أمام الولايات المتحدة لأنها ستجمع عند ذلك تضافر وتلاقي الأمم الأكثر كثافة سكانية في العالم والتي تمتلك مصادر ثروة مهمة إلى جانب الثروة البشرية لا سيما إذا تحالفت هذه الكتلة الآسيوية مع بعض الدول الصناعية المتقدمة مما سيعني تقليص نفوذ الولايات المتحدة وفعالية تحركها لذلك لا بد من إبقاء الوجود الأمريكي في آسيا حياً ونشطاً وأن يكون هدفها الجيوسياسي هو منع حدوث أية تحولات من هذا القبيل في آسيا. من هذه الزاوية وعلى ضوء مثل هذه الرؤية الاستراتيجية نستطيع أن نقرأ التدخل الأمريكي في آسيا في أفغانستان والعراق وإيران وسورية ولبنان وغيرها. فأفغانستان تقع في قلب آسيا ويمكن استغلالها كقاعدة انطلاق لتطويق أو مهاجمة روسيا إذا استدعى الأمر ولقد سبق لها أن حولت أوزبكستان إلى قاعدة عسكرية أمريكية هائلة واستحوذت على قاعدة باغرام بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان سنة 2001 وتسيطر على مطارات تركمانستان العسكرية والمدنية وتعمل على طرد وإبعاد القوات الروسية في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لتستكمل الطوق الاستراتيجي الذي بدأته مع إنشاء قواعدها العسكرية في كوريا الجنوبية وتايوان واليابان.
استغلت الولايات المتحدة الأمريكية ضعف الدب الروسي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لتسلبه الدول التي كانت تدور في الفلك السوفيتي والمتاخمة له كجيورجيا وأوكرانيا وأذربيجان وأوزبكستان ومولدافيا وتحويل كل واحدة منها إلى ما يشبه إسرائيل في قلب العالم العربي أي دولة ndash; حاملة طائرات.
ونفس الأهداف تحققت لأمريكا بفضل حرب العراق حيث غرست قواعدها العسكرية الدائمة في منطقة الخليج وبفضل حرب يوغسلافيا زرعت قواعد في البوسنة والكوسوفو ومقدونيا ولديها قواعدها الشهيرة في قطر وفي انجرليك في تركيا وفي المملكة العربية السعودية وفي الكويت وباتت قريبة من إيران وروسيا والصين. ولقد تمكن محللون إستراتيجيون من رصد هذه الخطة وتحليلها في كتاب quot; الإمبراطورية في حالة حرب أو العالم بعد الحادي عشر من أيلول الصادر في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي.
كل ما تقدم ينطبق على الأمس القريب وما يزال ساري المفعول اليوم حيث تناور الولايات المتحدة وذيلها التابع أوروبا الغربية ويعبثون بمقدرات كل دول العالم ويتدخلون في شؤونها الداخلية فغزو العراق خلف لنا بلدا منهاراً ويستحيل حكمه ونظام مبني على المحاصصة الطائفية والاثنية تنخره الصراعات الشخصية والمصالح الخاصة والحزبية الضيقة وتأكله آفة الفساد ومصيره الحتمي هو التفتت والتقسيم، كما أدخلت سورية في دوامة الحرب الأهلية حيث الدمار والخراب والتهجير والقتل والذبح بوحشية ومصيرها أيضاً التفتت والتقسيم، وليبيا تركت لمصيرها بيد الميليشيات والعصابات المسلحة وصراع القبائل وطغيان الجماعات الإرهابية القروسطية ومصر تتقاذفها الأهواء والصراعات الداخلية وأزمة اقتصادية يمكن أن تعصف بالمجتمع المصري برمته فيما لو قصرت دول الخليج في تقديم المساعدات والإمدادات المالية والاقتصادية لمصر واليمن التي ماتزال تقبع على حافة حرب أهلية وسيطرة القاعدة على مفاصلها وضعف وهشاشة السلطة المركزية وحرب طائفية بين مكونات المجتمع اليمني كما هو الحال بين الحوثيين وآل الأحمر والحراك الجنوبي الداعي لالإنفصال، وصراع محتدم على النفوذ يأخذ الطابع المذهبي بين إيران والسعودية، والسماح لدولة قزمة بحجم طابع بريد هي قطر، بالعبث بمقدرات المنطقة بتمويلها للجماعات الإرهابية في كل مكان في العالم العربي في سورية والعراق وليبيا ومصر، فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كارثية تفرخ الأزمات وتشيع الفوضى التي تسميها أمريكا الفوضى الخلاقة وتحفز نشوء الجماعات المتشددة التكفيرية والإرهابية التي تنثر الدمار من حولها أينما تواجدت وشعوب المنطقة تعاني وتدفع من دمائها ثمن التغول الأمريكي. يتبع

