مثلما تباينت الروايتان الأميركية والإيرانية عن المكالمة الهاتفية بين اوباما وروحاني، فثمة اليوم ما يشبه ذلك تقريبا عن مكالمة بوتين والرئيس الأميركي.
الرواية الروسية تتحدث عن أن بوتين أشار لتزايد دور quot;النازيينquot; في كييف، وإلى ما يعانيه إقليم بريدنو ستروفيه الانفصالي، التابع لجمهورية مولدافيا المحاددة لأوكرانيا، ورغبة الإقليم في الانضمام لروسيا. رواية البيت البيض لم تتطرق لكل هذا، وإنما تقول إن أوباما طلب سحب القوات الروسية على حدود أوكرانيا الشرقية وتقديم رد خطي على الطلب.
الحقيقة إن بوتين بسير على خطى القياصرة وستالين وهتلر معا. وفي الإشارة المستمرة لما يردده عن quot;اضطهاد الناطقين بالروسية في أوكرانياquot;، فإنه يذكّر بالمنطق الهتلري، الذي كان، في كل مرة، يلوح بما يسميها معاناة الأقليات الناطقة بالألمانية في بلدان مجاورة، لتبرير ضمها بالقوة لاحقا.
أسرع كيري لباريس بعد أن علم أن صديقه [وشريكه في صفقة الكيميائي السورية] لافروف، مستعد لملاقاته هناك. ودارت المباحثات في السفارة الروسية لا السفارة الأميركية أو أي مكان ثالث. وبناء على تجارب معروفة منذ الأزمة السورية والصفقة الكيمائية، فليس هناك ما يطمئن بأن إدارة أوباما قادرة على التوصل لحل يحافظ على سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها- ناهيكم عن استرجاع القرم، ووقف بوتين عند حده..
إن ما نشر في التقارير الصحفية الدولية والعربية، ومنها تقارير صحيفة لوموند الفرنسية والحياة الدولية، يتحدث عن المخطط الروسي لما يعتبره بوتين المخرج من الأزمة.. المخطط يدعو إلى تحويل أوكرانيا لدولة فيدرالية وإعطاء امتيازات للناطقين بالروسية، وفرض وصاية ثنائية روسية ndash; عربية [وصاية مبرقعة] على أوكرانيا ومستقبلها. المشروع الروسي يستهدف قضم أوكرانيا quot; سلمياquot;، فإذا تعذر ذلك، فلكل حادث حديث في المستقبل! المشروع الفيدرالي يعني عند بوتين سبيل لإثارة الفتن العرقية واللغوية في الولايات الأوكرانية التي فيها أقليات ناطقة بالروسية، وتشجيعها على طلب الانضمام لروسيا، لتبرير تكرار ما حدث في القرم ومما يلقي ضوءا كافيا على النوايا الروسية من وراء المشروع الفيدرالي، إن وزير الخارجية لافروف سبق الاجتماع مع كيري بتصريحات علنية ورد فيها.quot;إن الإصلاحات الدستورية [ أي منها الانتخابات] في أوكرانياquot; لن تأتي بشيء إذا واصلت كييف رفض مبدأ منح الأقاليم حق تقرير مصيرها،quot;.قاصدا الانفصال، وطلب الانضمام لروسيا. الأميركيون يتساءلون بسذاجة مرعبة عن ما هي تفاصيل المشروع الروسي!! ويوافقون على إرسال مراقبين دوليين لكل أنحاء أوكرانيا وللقرم للتأكد من ضمان حقوق الأقليات الناطقة بالروسية. كييف ترفض المشروع الفيدرالي وتواصل الحديث عن التحشدات الروسية الكبيرة على حدودها الشرقية. وهو أيضا ما أكده القائد الأميركي في حلف الناتو الجنرال بريدلوف، الذي حذر من خطورة التحشدات، ولاسيما الخوف من انقضاض القوات الروسية على إقليم ترانسنيستريا المولدافية وضمها. وقال بريدلوف quot;علينا التفكير بحلفائنا، وتمركز قواتنا في الحلف، واستعدادها، حتى يمكننا ان نكون هناك للدفاع عنهم إذا تطلب الأمر، وخاصة في البلطيق وأماكن أخرى..quot; يظهر هذه التصريحات لم تعجب البيت الأبيض. فقد تم استدعاء الجنرال الأميركي لواشنطن. وراحت التصريحات الأميركية والبريطانية تحاول تفسير التحشدات الروسية بأنها مجرد مناورة قبل التهدئة!
وقد دارت تعليقات عديدة عن مبادرة بوتين للاتصال بأوباما، وقيل إن روسيا في وضع صعب بسبب العقوبات ونوع من العزلة الدولية. وهذا أيضا ما كان يقال، ولا يزال يقال عن إيران والعقوبات المفروضة منذ سنوات لا منذ أيام، ولكن إيران لها منافذ كثيرة للتهرب من العقوبات [ روسيا منافذها أكثر بكثير]. وها هي سائرة حثيثا لتحقيق ما تريد بمناوراتها ووجهها quot;الروحانيquot;. كما زاد الحدث عن quot; عزلة روسية دوليةquot; مع قرار الجمعية العامة عن أوكرانيا. هنا أيضا رؤيتان وتفسيران للتصويت. تعليقات غربية تؤكد أن روسيا قد خسرت في التصويت. وميركل تقول إنها لو كانت بمحل روسيا لما رضيت بقلة عدد الدول التي أيدتها. ومسؤولون روس يقولون العكس، وهو أن نصف دول العالم لم يؤيد القرار. ونرى التفسير الروسي هو الصحيح. نعم، إن كون نصف العالم يدين روسيا هو ليس لصالحها ولصالح سمعتها الدولية، وإن كان هذا لا يهم كثيرا بوتين؛. ولكن إذا كانت 100 دولة قد أدانتها مؤيدة القرار، فإن النصف الثاني من دول العالم هي بين من كانت لهم صلافة المعارضة الجبهوية، ومنها سورية الأسد والسودان وكوريا الشمالية، والبقية بين من اختارت الامتناع عن التصويت أو عدم المشاركة فيه، وهذا يعني عدم الرضا بالقرار، أي دعم الموقف الروسي. ولكل من هذه الدول سياساتها وعلاقاتها التي تجعلها لا تعلن جهارا عن معارضة القرار. ويستوقفنا التفسير الصيني للامتناع عن التصويت، حيث قال الرئيس الصيني للتو في برلين إن بلاده لا تنحاز لا للغرب ولا لروسيا في أوكرانيا. وهذه مغالطة فاضحة، فالقضية ليست الاختيار بين روسيا وبين الغرب، وإنما الاختيار بين دعم العدوان وضم أراضي الغير بالقوة وبين معارضته، أي بين دعم انتهاك القانون الدولي وسيادة الدول وبين معارضته. وعندما تمتنع الصين وغيرها من الدول ذات الأهمية [ كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا ومصر مثلا] عن التصويت، فمعنى موقفها، من حيث النتيجة، اللامبالاة أمام العدوان والصمت عنه ، أي تشجيعه، وهو ما لن يردع شهية التوسع البوتينية
هامش مهم: في بيان للخارجية الأوكرانية رد غاضب على تصريحات لافروف التي اشرنا لها... وقال البيان ان مطالب روسيا لن تسمح بها هي في أراضيها هي. وإلا فلماذا لا تطبق هذا النوع من الفيدرالية في المناطق القومية عندها، وإنما الغرض هو تفكيك اوكرانيا...

