جاءت نتائج الإنتخابات النيابية العراقية مغايرة لتوقعات الكثير من المراقبين والمحللين، إذ كانت المراهنات على النتائج المخمنة في أذهانهم خاطئة، ولطالما أشرنا الى ذلك سواء في كتاباتنا السابقة أو طروحاتنا عبر العشرات من اللقاءات المتلفزة مع عشرات القنوات الفضائية وكذلك الإذاعية، وحسب ظني فإن تلك التقديرات والتخمينات الخاطئة بشأن الخارطة السياسية العراقية تولد بسبب قراءات غير واقعية وغير دقيقة، وكذلك بسبب مجانبة الموضوعية، وتبني العاطفية والإلتزام بالميول والتوجهات بشتى أنماطها (المذهبية والقومية والايديولوجية)، وهذه الحالة في الحقيقة آفة نعاني منها بخاصة في العراق، إذ تبدو الكثير من التحليلات عاطفية إنشائية،خطابية، منبرية.

&وعودة للعنوان فإن طرحي هذا يتناول الوضع الكردي الحالي على الصعيد المحلي (في الإقليم) وعلى الصعيد (العراقي). فلقد جاءت نتائج الإنتخابات النيابية العراقية لتفاجيء الجميع بعد ان صعد (الإتحاد الوطني الكردستاني – بزعامة جلال طالباني 21 مقعداً) الى المرتبة الثانية بعد (الحزب الديمقراطي الكردستاني –بزعامة مسعود بارزاني 25 مقعداً)، فيما تراجعت (حركة التغيير –بزعامة نوشيروان مصطفى 9 مقاعد) الى المرتبة الثالثة، وهذا الشيء جاء عكس التوقعات التي كانت ترى ان الاتحاد الوطني الكردستاني في طريقه الى التلاشي شيئاً فشيئاً بخاصة عندما تراجع الى المرتبة الثالثة في الإنتخابات النيابية في اقليم كردستان التي جرت في (سبتمبر 2013 )،فعلى الصعيد المحلي أربكت هذه النتائج العملية السياسية في الإقليم وألقت بظلالها القاتمة على تشكيل الحكومة الكردية التي تشكلت بعد مخاض عسير دام أكثر من سبعة أشهر ولم تظهر لحد لحظة كتابة هذا المقال ملامحها النهائية بسبب الخلافات الحادة بين (حركة التغيير والاتحاد الوطني من جهة وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني من جهة أخرى)، بسبب تشبث الاتحاد الوطني ببعض الحقائب الحساسة وحديثه عن تاريخه النضالي بدل الإستحقاق الإنتخابي، في حين انه من الخطورة بمكان ان يتم استبعاد الإتحاد الوطني أو تهميشه من قبل الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير بناء على نتائج الانتخابات البرلمانية الكردية،كون الإتحاد الوطني الكردستاني يمتلك أعداداً هائلة تقدر بعشرات الآلاف من المقاتلين وترسانة كبيرة من الأسلحة المتوسطة والثقيلة ومئات الإستثمارات العملاقة وأجهزة إعلام كبيرة على غرار خصمه التاريخي وشريكه أيضاً في السلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يمتلك هو الآخر القوة والمال والسلطة، وقد يتناقض طرحي هذا مع مبدأ الديمقراطية والإستحقاق الإنتخابي لكن عندما أتحدث عن هذه التفاصيل فإن الذاكرة تعيد بي إلى أيام الحرب الداخلية الكردية-الكردية التي بدأت في أيار 1994 وانتهت بتدخل أميريكي في خريف 1998 (اتفاقية واشنطن برعاية مادلين اولبرايت)، تلك التجربة المريرة التي أدت الى خراب ودمار والاف الضحايا من خيرة افراد البيشمركة من الحزبين وتأثير سلبي على سمعة القضية الكردية التي تعاملت قياداتها بشكل مثير للجدل مع العواصم الاقليمية (انقرة –طهران –بغداد-دمشق) بسبب الواقع الجغرافي السيء لكردستان (وهذا ما تطرقت اليه في مقال لي منشور في صحيفة ايلاف الألكترونية في 13 مارس 2014).

&ان مجانبة الموضوعية يُدخِل أي محلل أو كاتب في متاهات فاضحة، ولذا ينبغي توخيها (الموضوعية) بعيداً عن عاطفة الإنتماء (أي انتماء كان)، فالموضوعية تساعد القاريء كي يكون في الصورة ويرى كل تفاصيل اللوحة وما وراءها وما ستخلقه من مؤثرات، ولذا أقول إن تجربة الأحزاب الكردية تجربة مريرة بخاصة (حزبا السلطة الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني)، فقد خاضا غمار حروب دموية ضد الديكتاتورية في العراق وقدما تضحيات جسيمة في وقت كانا يتناحران بينهما بسبب خلافات تاريخية لا يسع المجال لذكرها هنا، تعود جذورها الى تموز1964 (انعقاد المؤتمر السادس للحزب الديمقراطي الكردستاني) ومن ثم حدث الانشقاق التام وبدأت المعارك بين جماعة مام جلال وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الراحل مصطفى بارزاني في عام 1966.

&محطات التاريخ الكردي الحديث بخاصة محطات الثورتين الكرديتين في العراق (ثورة ايلول1961 و ثورة ايار 1976) محطات مؤلمة موجعة ومريرة، فقد دفع الكرد عشرات الآلاف من الضحايا ولم تجن كردستان الا الخراب والدمار الى ان جاءت أحداث غزو صدام للكويت ومن ثم قيام انتفاضة آذار وتوفر الظروف الدولية والموضوعية التي ساهمت في قيام المنطقة الآمنة بعد عملية توفير الراحة الأمريكية في كردستان بمرحلتيها الأولى (في نيسان 1991) والثانية في تموز من نفس العام.

&الآن حيثيات الخلافات (على السطة والمال والنفوذ) بين الأحزاب الكردية تسير بنفس النمطية والوتيرة التي أدت الى حروب دموية كارثية بين حزبي السلطة (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) الذين عقدا تحالفاً إستراتيجياً بينهما فقط من أجل تقاسم السلطة بعد الإطاحة بنظام صدام في نيسان 2003...(انتهى التحالف الإستراتيجي عملياً بين الحزبين مع الإنتخابات النيابية في كردستان في ايلول 2013)

&لقد بدأت الخلافات الحادة تطفو على السطح من جديد ووصلت الى حد الاتهامات الخطيرة التي تتبادلها القوى الثلاث الكبرى التي تتوزع مناطقياً أيضاً في النفوذ،فالديمقراطي الكردستاني يحتفظ بنفوذه في دهوك وجزء من اربيل في حين غدت السليمانية معقلاً لحركة التغيير وبدأ نفوذ الاتحاد الوطني وثقله يتضح في كركوك في حين ان اربيل متداخلة في النفوذ بين حزبي السلطة التقليديين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) مع حضور ملحوظ للإتحاد الإسلامي الكردستاني (الإخوان) وحركة التغيير...هذه المناطقية التي جعلت من الإقليم شبه مقسم وقد لا أبالغ عندما أتحدث عن بوادر التقسيم اللهجوي المؤسف التي بدأت تظهر.

وعندما يتم الحديث عن الديمقراطية وشكلها في الإقليم، لن تكون الطروحات سليمة وصحية حينما تتم المبالغة في وصفها بساحرية كلمات شاعر رقيق بخاصة من قبل الأبواق الإعلامية التابعة لأحزاب السلطة وأجهزة إعلام هذه الأحزاب، وحتى نكون أكثر إنصافاً فحتى أداء المعارضة في الإقليم بخاصة حركة التغيير اختلف عن اداء وأساليب المعارضات العريقة كونها بالغت الى حد كبير في نمطية الأداء الى حد الإفراط، بخاصة اذا علمنا ان زعيم المعارضة رئيس حركة التغيير نوشيروان مصطفى قد خرج من رحم حزب سلطوي وكان له دور فاعل في الحرب الكردية الكردية كونه كان نائباً للأمين العام للإتحاد الوطني الكردستاني وكان من الصقور في هذا الحزب وكان له جزء كبير من القرار، وحال تورطه في تلك الحرب الداخلية (1994-1998) كحال زعماء الأحزاب الكردية المتناحرة وهذا بحث آخر.

&الآن تبدو ملامح الحالة في كردستان مختلفة عن المرحلة السابقة إذ يبدو ان المعارضة لن تبقى وستتلاشى بسبب دخول حركة التغيير في شراكة السلطة والإدارة وكذلك الاتحاد الاسلامي والجماعة الإسلامية وبقي فقط (الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي...مقعد واحد لكل منها في البرلمان وهما خارج السلطة)، الآن أصبحت الحكومة حكومة إئتلافية يقودها نيجیرفان بارزاني نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ونائبه هو قباد طالباني نجل الرئيس جلال طالباني، وأغلب أعضاء البرلمان الكردستاني للدورة الجديدة بخاصة اؤلئك الذين يمثلون الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني هم منتقون انتقاءاً حزبياً واجتماعياً دون الأخذ بنظر الإعتبار جوانب المهنية... إذن سيكون الحديث عن المعارضة ولعب الدور الرقابي من قبل حركة التغيير او الاتحاد الاسلامي شيئاً مثيراً للسخرية فلا يمكن التصديق بخطاب معارضة لها وزراء ويحتلون وزارات سيادية...كما هو الحال في بغداد بالنسبة للمؤتلفين في حكومة الشراكة الوطنية الحالية!

&أما على الصعيد العراقي، فالكرد جانب مهم في بناء الدولة الجديدة وهم ثقل لا يستهان به بل لطالما مارسوا التأثير في تغيير مجريات الأمور في الدورات السابقة منذ 2003 والى الآن، فرئيس الجمهورية كردي وكذلك وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء وخمسة وزراء اخرين ووكلاء وزراء ومدراء عامين بالاضافة الى رئيس أركان الجيش وقائد القوة الجوية ومدير الأمن والإستخبارات العامة في وزارة الدفاع، ووكيل جهاز المخابرات، وكتلة برلمانية قد تصل الى 60عضوا من كل التلاوين السياسية الكردية... بالطبع مع وجود عدد هائل وخطير من المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد.

&حسب رؤيتنا (فرغم الجهود المبذولة لتوحيد الموقف الكردي فيما يخص التعامل مع بغداد) فإن هذا الموقف وهذا الثقل لم يعد كالسابق بتلك القوة، بسبب أخطاء كثيرة وكبيرة حصلت من قبل القيادات السياسية الكردية، هناك تشظٍ واضح حالياً بخصوص الرؤى والتوجهات في التعامل مع (دولة القانون)، لم يبق هناك شيء اسمه التحالف الكردستاني، المشاكل العالقة بقيت كما هي، مواقف حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني بخصوص التفاوض مع بغداد لا تتناغم مع توجهات ومواقف رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني، وما يؤخذ على السيد بارزاني انه تحرك في بعض المواقف كرئيس لحزبه أكثر من تحركه وتعامله كرئيس للإقليم، أضف الى ذلك ضعف الجانب الكردي في الإداء التفاوضي مع بغداد، إذ كان ينبغي ان يحضر رئيس الإقليم بنفسه بعض المرات لبغداد ويمكث فيها ويلتقي اثناء مكوثه بشتى التلاوين والانتماءات وحتى بالاعلاميين وناشطي المجتمع المدني ليكون في الصورة بخصوص كل الآراء، لكن انتقائية ومزاجية بعض المحيطين بدائرته قد لاتفسح المجال لوصول كل الآراء اليه، وهذه مشكلة شرق أوسطية لدى الزعماء، أضف الى ذلك ان الفائزين الكرد بمقاعد البرلمان العراقي خصوصاً المحسوبين على الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني (رغم حملهم للشهادات) هم أبناء زعماء وشيوخ القبائل والعشائر والوجهاء تم انتقائهم بطريقة أغضبت حتى القواعد الحزبية والشعبية المؤيدة لهذين الحزبين وخلقت حالة من الإستياء وبخاصة لدى المضحين وأبنائهم من الحزبين أبان الثورتين الكرديتين وكذلك الشباب المؤمن بمتغيرات العصر من كوادر الحزبين السلطويين (الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم، والاتحاد الوطني بزعامة رئيس الجمهورية)، وهناك بالطبع يقين تام بأن هؤلاء النواب الكرد وان لم اقل كلهم فأغلبهم سيكونون في جلسات البرلمان من اجل رفع اليد من عدم رفعها موافقة او رفضاً لقانون او قرار معين... فالإملاءات حزبية تأتيهم من الزعامات، وهذه حال كل الإقطاعيات السياسية العراقية صاحبة البيادق في مجلس النواب.

&التمثيل الكردي في بغداد هذه المرة لن يكون تمثيلاً يضاهي التمثيل السابق، والحديث الإعلامي المستمر عن المفاجاءات والتفكير بالانفصال او تقرير المصير سهل وسلس، لكن الإقدام على خطوات عملية من هذا النوع ليس هيناً بل هو نوع من المجازفة والمغامرة، فهناك حسابات اقليمية ودولية، ومعادلات وتوازنات وخرائط اقليمية أغلبها تقف بالضد من الطموح الكردي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميريكية، ولا أستطيع هنا التخمين ما ستفعله مصادرالطاقة (النفط) وكذلك المياه في كردستان للمساهمة في تغيير هذه المواقف مستقبلاً، فهذا الحديث شائك وسابق لأوانه، أما من يتحدث بمنطق الشعارات الرنانة على الفضائيات وفي بعض المجالس العامة وبخاصة المنتفعين من (الطبقة الجديدة) فعليهم أن يدركوا ويعلموا ان الشعب بمجمله ليس مثلهم متخماً وفي بحبوحة وقد تعب كثيراً من الحروب والكوارث، فنحن في عصر نتحدث فيه عن احتياجات المواطن كإنسان فرد يشكل محور العملية الحياتية، لا كمنصهر في مفهوم الأمة (قومية كانت أم دينية أم مذهبية)، ونحن في عصر يتبنى المؤسساتية والقوانين ونهج المواطنة لإدارة الدولة، وهذا ما هو ضعيف إن لم نقل غائباً في الإقليم على غرار العراق بمجمله والسبب هو التنافس والتكالب الحزبي على السلطة والمال.

&القيادات السياسية الكردية الآن أمام إمتحان عسير، من جهة هناك حديث عن الحلم القومي التاريخي (الخطاب المعلن)، من جهة أخرى صراع حاد بين هذه القيادات على السلطة والزعامة (الغرف المغلقة)،والمشكلة الكبرى ان هذه الزعامات والقيادات السياسية الكردية لا تأبه بالأفكار المطروحة من قبل (المواطنين) ولا من قبل(أصحاب وقادة الرأي المستقلين) أما أبواقها فهي مدفوعة الثمن ليس لرأيها مستمع أصلاً.

&ينبغي بالقيادات السياسية الكردية وبخاصة قيادتي الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني التفكير وبشكل جدي في تبني نهج الإصلاح والتقويم، فاقليم كردستان بحاجة ماسة إلى الإصلاحات في كل مجالات الحياة (اصلاحات ادارية وسياسية وديمقراطية واجتماعية)، إذ لايمكن الحديث عن تجربة ديمقراطية حديثة بمعزل عن الفكر الإصلاحي واتخاذ الإجراءات الإصلاحية، والكف عن التفكير في احتكار السلطة ومؤسساتها الإدارية والمجتمعية لمجموعة محسوبة فقط على الأحزاب الحاكمة.

&البيت الداخلي الكردي يعاني من التشظي وبدأت الخلافات الحادة على السلطة تنخر في جسد المؤسسة السياسية الكردية بشتى تلاوينها وايديولوجياتها، وبدأ النهج الطبقي يخلخل التوازنات الإجتماعية (ابناء رؤساء القبائل ممثلو الشعب في مجلس النواب العراقي)، فكيف ستكون المواقف تجاه بغداد؟ وكيف سيخوض الكرد غمار العملية السياسية في بغداد؟ وكيف ستحسم مشكلة الحقائب الوزارية ومنصب رئاسة الجمهورية؟ وكيف سيكون شكل التحالفات السياسية القادمة؟ ينبغي بالقيادات السياسية الكردية ان تعيد النظر في حساباتها، وتتبنى نهجاً جديداً في قراءتها للواقع، بل ينبغي بها ان تقرأ التاريخ من جديد قراءة نقدية وليست عاطفية.

*رئيس تحرير صحيفة الأهالي الليبرالية/بغداد