وقعت الكارثة في السادس عشر من أبريل الماضي. القصة لمن لم يتابعها في وسائل الاعلام, أن العبّارة سيوول غرقت و على متنها المئات معظمهم طلبة كانوا في رحلة مدرسية. السبب الرئيسي في غرق العبّارة كان حمولة تزيد بثلاثة أضعاف عما هو مسموح به لمثلها. إثر تغيير مفاجئ في الاتجاه انكفأت على أحد جانبيها و شرعت في الغرق شيئاً فشيئاً إلى أن ابتلعتها الأمواج. حين عجز القبطان عن إنقاذ الموقف، أصدر تعليماته بأن يلازم الركابُ كابيناتهم، ثم خلع زيه و هرب بملابسه الداخليه على متن أول قارب إنقاذ وصل الى مكان الحادث. بعد ذلك، أنقذ خفر السواحل ما يزيد على 170 إنساناً بينما بلغ تعداد الضحايا حوالي 300 معظمهم من الذين لزموا أماكنهم حسب تعليمات الطاقم.
المسؤول الأول عن غرق العبّارة هو القبطان و من خلفه الشركة المالكة، أليس كذلك؟
لا، لم يكن هذا رأي الكوريين. المسؤول الأول عن هذه الكارثة هو رئيس الوزراء شخصياً و حكومته بكل أجهزتها. تحمّل القبطان المسؤولية الجنائية و أُّحيل للمحاكمة بتهمة القتل غير المتعمد، أما الحكومة فتحملت مسؤولية التقصير في أداء واجباتها. في مؤتمر عن الحادث، تقدم أبو إحدى الضحايا فصفع مسؤولاً حكومياً و هو يلقي بيان الحكومة، صفعه على الملأ و لم تكن الصفعة موجهة لشخص المسؤول و إنما للحكومة التي يمثلها. ثم استقال رئيس الوزراء بعد بضعة أيام معلناً مسؤوليته الكاملة و مقدماً اعتذاره لشعبه. الشعوب الحية لا تعطي فرصاً و إنما تحاسب على الفور، الانسان و الأرض ليسا حقلاً للتجارب، إما أن تؤدي واجبك أو تستقيل.
الحاكم و حكومته يفقدان شرعيتهما بمجرد وقوع التقصير بغض النظر عن النوايا و الظروف.
حوسِبَت الحكومة الكورية أولاً لأنها لم تراقب و تمنع تجاوزات الشركة المالكة للعبارة، و ثانياً لتلكؤ عمليات الانقاذ، فخفر السواحل لم يكن بالكفاءة المطلوبة، و عليه أعلنت رئيسة كوريا الجنوبية عن حل خفر السواحل و إسناد مهامه الى الشرطة مؤقتاً لأنه فشل في إنقاذ حياة الكوريين. هل سمعتم بمسؤول عراقي يستقيل لاحساسه بالمسؤولية؟ أو بمؤسسة تُحَل لفشلها؟
سفينة عراقنا تغرق بأكملها أرضاً و شعباً و نحن لا نفعل شيئاً لانقاذها. بالعكس، أعرف رئيساً للوزراء جرت دماء شعبه أنهاراً أثناء حكمه و فشل في ضبط حدود بلاده و في توفير خدمات لائقة و أمن و هو لا يزال يريد ولاية ثالثة. رئيس وزراء صُوِّرَ أحد حلفائه على الغنيمة و هو يوزع سندات الأراضي مقابل أصوات الناس، و أخرى تحدثت بكل وقاحة عن تقاسم "الكيكة" و العقود و "الكومشنات"، في تصريح واضح عن سرقة أموال الشعب، و مع هذا احتل هو و أتباعه صدارة الانتخابات. ليدلني أحد، من القاتل و من القتيل في هذه المعادلة؟!
كوريا الجنوبية قصة ثانية.
مما جاء في يوميات أحد الغواصين الذين عملوا على انتشال الضحايا من الهيكل الغارق ما يلي: "أولويتي الوحيدة أن أجد ناجياً، لا أستطيع أن أفكر في أي شيء آخر...قلبي مثقل بالقلق، ماذا
فعلنا بهؤلاء الأطفال بحق الجحيم؟ أنا آسف، أنا آسف، أنا آسف". هذا و هو و زملاؤه يعرضون أرواحهم للموت في عمليات غطس خطرة على عمق 40 متراً، بين أنقاض العبّارة و في عتمة كاملة و برد قارس، حتى أن أحدهم فقد حياته بالفعل. أما معاون مدير المدرسة الذي كان مشرفاً على الرحلة المدرسية المشؤومة اعتبر نفسه مسؤولاً لانه فشل في حماية طلبته فانتحر بعد أن أُنقِذَ، أنهى حياته لشعوره بالذنب و هو لا ذنب له. من ناحية أخرى، أُحيل 14 شخصاُ من طاقم العبّارة الى القضاء و التحقيقات جارية مع أصحاب الشركة المالكة و أفراد من عوائلهم و كل من له علاقة. مع العلم أن الجميع كانت لديهم أعذارهم لكن الشعوب الحية لا تبالي بالأعذار.
ليتَ لنا ربع إحساس الكوريين بالمسؤولية، فنحنُ جميعاً مسؤولون عن سفينتنا الآيلة للغرق. المسؤولية جماعية عن دمار بلادنا و هلاك أهلها، نحن جميعاً كشعب مسؤولون عن تمكين الجُناة من رقابنا. نحن الذين نُهِبنا و سكتنا و قُتلنا و صمتنا، ثم أعدنا انتخاب من هم في معظمهم بين مجرم و فاشل. هل يحق لنا أن نتذمر بعد نتائج انتخابات 2014؟ كيف و كل يد انتخبت طائفتها غرست السكين أكثر في قلب العراق. حالنا ليس قدراً، حالنا واقع نحن الذين نصنعه. مقولة "شعليه آني" العراقية تلخص الفارق بامتياز بين شعب يختار الموت و شعب يختار الحياة.
ثم ما الذي يمنعنا أن نكون مثل الكوريين سوى الطائفية و العنصرية، سوى أننا لم نقع في حب العراق، أو بالأحرى لم نسمو إلى حب العراق.
&
* شاعر و كاتب عراقي
&

.jpg)