&
أمام جميع تحديات العولمة الجديدة، تحاول مملكة البحرين أن تعالج هذه التحديات، كبلد صغير، وفي موقع استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، المهمة في موارد الطاقة، حيث تحتوي على نصف احتياطي نفط العالم. بل وفي فترة تتعرض فيها الطاقة الاحفورية لتحديات كبيرة، حيث أن تطورات العولمة الجديدة، لعبت دورا مهما أيضا في مجال الطاقة، فقد فتحت تكنولوجياتها المتطورة، أفاق جديدة في مجال الطاقة المتجددة، فمثلا كانت تعتمد الدينمارك 100% على استيراد الطاقة، بينما اليوم تعتمد على نفسها تماما في توفير الطاقة، بل توفر 35% من طاقتها الكهربائية من الرياح، كما ادت التطورات التكنولوجية في استخراج النفط، لزيادة الإنتاج اليومي للنفط في الولايات المتحدة من خمسة مليون إلى عشرة مليون برميل يوميا.
وقد تفرض هذه الوقائع الجديدة تحديا جديدا على مملكة البحرين، حيث أن إقتصادها المتنوع، يعتمد على اقتصاديات جيرانها، ولنتذكر بأن مملكة البحرين حصلت على استقلالها من بريطانيا في عام 1971، لتبدأ طريقها نحو الحداثة والعصرنة، ولتتحول خلال عقدين من الزمن من قرية تاريخية صغيرة، إلى مركز مالي عالمي في الشرق الاوسط. كما قامت الدولة بحركة عمرانية هائلة، فطورت البنية التحية بالبلاد بشكل مميز، ووفرت التعليم والرعاية الصحية المجانية، مع نظام اسكاني متطور، كما لعبت الدولة ايضا دورا كبيرا في خلق الوظائف، مع نظام تقاعدي وتعطل متطور. ومع قبول الالفية الثالثة بدأت تتطور البلاد نحو مملكة دستورية، بفصل السلطات الثلاث التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وبنظام برلماني مكون من مجلسين، مجلس نيابي منتخب، ومجلس شورى معين، كمجلس اللوردات البريطاني، ومجلس النبلاء في التجربة الياباني في العصر المستنير للإمبراطور "ميجي". لذلك مر بناء مملكة البحرين منذ استقلالها بثلاث مراحل هامة، فكانت المرحلة الأولي العمل على بناء دولة البحرين العصرية الحديثة، بينما ركزت في المرحلة الثانية على بناء مملكة البحرين الدستورية، وتعيش اليوم مرحلة تحدي جديدة، وهي مرحلة تطوير مملكة البحرين لدولة الألفية الثالثة، بقيادة ملكها "الميجي" المستنير، وبحكومتها الالكترونية المتميزة، وذلك ببدأ فصل السلطة الدينية عن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. فتريد هذه المملكة الصغيرة الجميلة، أن تركز على مفهوم المواطنة الصادقة، والمخلصة، والمبدعة، والمنتجة، بعيدة عن الطائفية المقيته، والتي دمرت جزء كبير من منطقة الشرق الأوسط، نتيجة للصراعات الدموية الطائفية للإمامة والخلافة. وقد نجت مملكة البحرين، والحمد لله، من الطوفان الطائفي، لما سمي بالربيع العربي، أو الصحوة الإسلامية، بفضل قيادتها الرشيدة، وشعبها الواعي. ونحن اليوم امام تحدي كبير، للوقاية من زلزال طائفي دموي مستقبلي، وذلك بمعالجة خلط المؤسسات الدينية بالمؤسسات السياسية، والتي عانت منها دول أوروبا قبل خمسة قرون، ونتجت منها حروب دينية طائفية، أستمرت لحوالي مائة وخمسين سنة، وقتلت الملايين، ودمرت الكثير من الاقتصاد الأوربي، لينتهي جميع الأروبيين بالاعتقاد، بأهمية فصل المؤسسات الدينية، عن المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
ولقد وافق، في الأسبوع الماضي، مجلس الشورى، بمملكة البحرين، على اقتراح بقانون، يحظر المواطن من الجمع بين الانتماء لجمعية سياسية، واعتلاء المنبر الديني. والجدير بالذكر بأن ملك المغرب وقع مرسوما ملكيا في عام 2014، يمنع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من ممارسة أي نشاط سياسي، ومنع اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي، إضافة إلى المنع عن القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية، لمنع الإخلال بالطمأنينة، والسكينة، والتسامح، والإخاء، الواجب في الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي، كما يهدف إلى بناء مجتمع متراص متضامن، ومتمسك بمقوماته الروحية، ومتفتح على روح العصر ومبتعد عن كل تعصب أو غلو أو تطرف.&
وقد بدأت حوارت جادة في الصحافة البحرينية، حول هذا الموضوع، من المؤسسات الإعلامية والتنفيذية والتشريعية والشعبية. وليسمح لي عزيزي القارئ أن أعرض بعض وجهات النظر من خلال ثلاثة مقالات نشرت في الصحافة البحرينية في الأسبوع المنصرم. فقد صرح أحد خيرة الكفاءات الوزارية البحرينية المتميزة، سعادة الأستاذ محمد المطوع، وزير شئون مجلس الوزراء، لرئيس تحرير صحيفية الوسط، الأستاذ منصور الجمري، بقوله: "هناك ضرورة لإعادة تشكيل القواعد السياسية في البحرين، عبر تعديل قانون الجمعيات السياسية، من خلال وضع شروط تمنع تشكيل أي جمعية على أساس طائفي أو مناطقي، بل يجب أن تقوم جميع الجمعيات السياسية على قاعدة وطنية تشمل كل البحرينيين، من دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى طائفية أو مناطقية أو ما شابه ذلك. فإن المنطقة تمر بمرحلة حرجة بسبب الخلافات الطائفية، والسياسات الإقليمية لبعض الدول، والتي من شأنها تأجيج الصراعات، وإثارة الحساسيات الطائفية."
كما كتب صحفي جريدة الوسط، جميل البحاري يقول: "وافق مجلس الشورى على اقتراح بقانون يحظر بموجبه رجال الدين المنتمين لجمعيات سياسية من الخطابة، من خلال تعديل المادة الخامسة من قانون الجمعيات السياسية.. ليضاف شرط جديد وهو ألا يجمع العضو بين الانتماء للجمعية، واعتلاء المنبر الديني، أو الاشتغال بالوعظ والإرشاد ولو بدون أجر. وعلى رغم وجود شبهة دستورية على أساس، أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، إلا أن المغزى من هذا المقترح غير واضح تماماً، فهل يهدف هذا الاقتراح لمنع رجال الدين من الانتماء للجمعيات السياسية.. أم العكس أي منع الخطابة الدينية عن رجال الدين المسيسين؟.. من جهته اعتبر النائب الثاني لمجلس الشورى الشيخ عادل المعاودة، أن الحجر على شريحة من المواطنين من ممارسة حقها السياسي كباقي المواطنين لا يتفق مع الديمقراطية، وإذا كانت هناك شريحة من رجال الدين أخطأت فلا ينبغي التعميم، كما أن الحل يكون بتطبيق القانون الحالي بشأن ضوابط المنبر الديني. تصوير منع رجال الدين من الانضمام للجمعيات السياسة وكأنه انحياز إلى مبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وتطبيق للتعاليم العلمانية في البحرين، يبدو أنه بعيد جداً عن الواقعية والصحة، فالعلمانية بوصفها نظام حكم تعني فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية، وهي طريقة للحكم ترفض وضع الدين كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وبذلك فإن الأولى في الحالة البحرينية إن صنفت هذه الخطوة بأنها انحياز للفصل بين الدين والسياسة، هي منع رجال الدين من العمل السياسي، بما في ذلك &عضوية المجالس التشريعية كمجلسي الشورى والنواب، اللذين يعتبران المؤسستين الرئيسيتين للتشريع والرقابة. في حين أن الواقع هو العكس من ذلك تماماً، فهناك عدد لا بأس به من رجال الدين في هاتين المؤسستين." كما صرح الكاتب، بأنه "لا يوجد ما يمنع اشتغال رجال الدين بالسياسة، سواء كان ذلك من منظور حقوقي أو أخلاقي، وإنما الممنوع هنا هو استغلال الدين للحصول على مكاسب سياسية أو فرض رؤى وأفكار على الآخرين."&
كما كتبت بجريدة الوطن، الصحفية البحرينية القديرة، الاخت الفاضلة، سوسن الشاعر، بمقال تحت عنوان، ليس فصلاً للدين عن السياسة إنما منع لاستغلال الدين لخدمة السياسة، تقول فيه: "الحروب والاضطرابات التي تدور في منطقتنا الآن جميعها تعتلي صهوة الدين شئنا أم أبينا، وسواء كانت هناك مؤامرة على المنطقة أو لم تكن، فإن قادة جميع هذه الاضطرابات بشكل أو باخر هم رجال يعتلون المنبر الديني وينشغلون بالسياسة. حروب مطيتها، رجال دين، باعوا أوطانهم ونشدوا السلطة، فهذا خليفة وذاك نائب له، وهذا ولي فقيه وذاك وكيل له، وهذا مرشد عام وذاك مرشد أعلى هم ووكلاؤهم دمروا المنطقة، والبحرين لم تكن استثناء. شعوبنا العربية مازالت ترى في رجل الدين عصمة، أو تراه يمثل قول الله عز وجل، وتتبعه مخطئاً أو مصيباً تقوى لله وطاعة، لأولي الأمر، ويربى جيل من أبنائنا على مقولة لحوم العلماء مسمومة لا يجب التحدث عنهم بسوء، لذا فإن تبعية شرائح كبيرة من مجتمعاتنا لكل من يعتلي المنبر الديني تبعية تكاد تكون، عمياء، وكون هناك رجال دين يخافون الله في الناس ولا يضللونهم، فإن التشريع لا يسن لمن يتقي الله برادع ذاتي، إنما القوانين تسن لردع من لم يردعه ضميره. &وأفهم أن يمتنع أو حتى يرفض عضو شوري كالشيخ الفاضل عادل المعاودة أو أي عضو شوري آخر يعتلي المنبر الديني، أفهم أن يرفض مقترح قانون حظر الجمع بين المنبرين، &الديني والسياسي، لأنه حظر قد يمسه مباشرة وقد يسري عليه مستقبلاً، ويجبره لاحقاً على اختيار أحدهما والتخلي عن الآخر إن أراد الانضمام أو تأسيس جمعية سياسية. ولكنني حقيقة لم أفهم دواعي وأسباب ومبررات بقية الأعضاء الذين رفضوا المقترح، ولم يقنعني المبرران اللذان تداولهما المعترضون، الأول أن الدستور أو قانون الجمعيات يغطي هذا الحظر، لأن ذلك غير صحيح إذ ليس هناك نص يحظر الجمع بين المنبرين، النص الموجود في قانون الجمعيات يحظر منع قيام جمعية على أسس طائفية، أي حظر تأسيس جمعية تضم طيفاً واحداً فقط من أطياف المجتمع، وهذا النص لا علاقة له بهوية العضو وعمله وامتهانه الخطابة في المنابر الدينية. أما العذر الثاني بأنه إذا كانت الدولة عاجزة عن تنفيذ وتطبيق الحالي من القوانين فلم نسن الجديد منها؟ فذلك والله عذر لا يليق بمن هم في سلطة تشريعية، فلو كل سلطة تعذرت عن القيام بمهامها لأن السلطة الأخرى متقاعسة فتلك مصيبة! وهناك أعذار ألقيت هنا وهناك أثناء المداخلات مثل لم يمنع على المنبر الديني التدخل في السياسة؟ ولا يمنع عن المهندس أو الطبيب أو الرياضي، الغريب في هذا الطرح أن من يستخدمه شرع وقنن بل وصوت وبصم ورضي بقوانين منعت منابر أخرى عن الانشغال بالسياسة كالمنبر الرياضي أو الثقافي أو التعليمي، وحين جاء الدور على المنبر الديني أراد أن يمنحه استثناء.. ما لكم كيف تحكمون؟ أما عن القول بأن هذا القانون هو تمهيد لفصل الدين عن السياسة في البحرين، فإن من استخدم هذه المقولة التي تدغدغ مشاعر العامة وتثير هواجسهم، ومع الأسف انساقت بعض الصحف لها ووضعتها عنواناً فإنه يلعب ويضرب تحت الحزام، ومن يطرحه يعرف أن ذلك غير صحيح، فالدستور يحمي الدين بنص المادة وأن الحريات الدينية مصانة لم تمس، كل ما في الأمر أن المنشغل بالسياسة يجب أن يتحلى بالأخلاق والقيم الدينية السماوية السمحاء، لكن عليه ألا يعتلي المنبر الديني فتصبح آراؤه السياسية فرضاً دينياً، إنه مقترح يمنع إساءة استغلال الدين ولا يفصله عن الدولة وعن السياسة، إنه لا يمنع رجل الدين من ممارسة حقوقه السياسية، لكن يمنع من اعتلاء المنبر الديني حين يقرر أن يكون عضواً في جمعية سياسية أو يؤسسها. لا يجوز الاحتماء بهذه الأدوات التي تثير الهواجس وتلعب على تهييج مشاعر الناس في جدالك ودفاعك عن وجهة نظرك وإلا أجزت لخصمك السياسي أن يلعب بذات الأدوات غير الصحية، ويفتح عليك باب "وعاظ السلاطين" وكيف يغتني الوعاظ من تدخلهم في السياسة!! فليغلق باب الغمز واللمز حتى يرقى الجدل ويرقى معه النقاش ونصل إلى نتيجة تخدم الصالح العام.أما عن المقترح بحد ذاته، فصحيح أنه لن ينهي هذه الإشكالية وصحيح أنه بالإمكان التحايل عليه كما تم التحايل على بقية القوانين، ولكن وظيفة التشريع هي الحد من المخاطر إن لم يتمكن التشريع من منعها لا أن يقف المجتمع عاجزاً ومتقاعساً عن مهام هو أخيراً وليس آخراً.. هذا القانون يحتاج إلى حملة علاقات عامة وحملة إعلامية داخل وخارج البحرين، داخل البحرين لإقناع المعترضين، وخارج البحرين لكي يعرف العالم أن مملكة البحرين من أوائل الدول التي تتصدى لاستغلال الدين وتتصدى للتطرف. "
ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل ستكمل ممملكة البحرين مشروعها الاصلاحي بخطوة تشريعية جديدة، أخذت من أوروبا مائة وخمسين عاما من معاناة الحروب الدينية الطائفية لاكتشافها وتحقيقها؟ وهل ستتم هذه الخطوة الاصلاحية المستنيرة بمملكة البحرين، في عصر ملك الحكمة والصبر والحزم، كما تمت نفس الخطوة في عصر أمبراطور "ميجي"، العصر الياباني المستنير؟ وهل ستتوجه القيادات الدينية بقناعتها التامة، للتفرغ لعملها في نشر التعاليم الاخلاقية والروحانية السامية، والتي نحن في أشد الحاجة إليها اليوم، في عالم إرهاب الصراعات الدموية الطائفية للإمامة والخلافة؟ ولنا لقاء.
&
الدكتور خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان

