&
&
عرضنا في القسم الأول من المقال، فلسفة الطبيب العربي الإندلسي، أبن الطفيل من خلال قصته، حي بن ظبيان، الطفل الرضيع الذي تربى في حضن ظبية، وتدرج في المشي، وأخذ يحاكي أصوات الظباء، ويقلد أصوات الطيور، ويهتدي إلى أفعال الحيوانات بتقليد غرائزها، ويقارن بينه وبينها حتى كبر وترعرع، وإستطاع بالملاحظة والتفيكر والتأمل أن يتفهم غرائزه الإنسانية، وأن يكشف مذهبا فلسفيا، يوضح به سائر حقائق الطبيعة. وقد كانت النتيجة الفلسفية لهذه القصة هي نفس تصورات بعض فلاسفة المسلمين والغربيين، بإستخدام المنهج الإفلاطوني، والإستناج الأرسطاطيليسي. فقد صور إبن طفيل الإنسان كرمز للعقل، وفي صورة حي بن يقظان، ليحاول إثبات بأن هناك إتفاق بين الدين والفلسفة، أي بأن فطرة الإنسان، مع حواس النظر والتأمل، يمكن أن ترشده للصراط المستقيم. وطرحنا في نهاية المقال الأسئلة الفلسفية التالية: هل توفق فن الكارتون العربي في إيصال فكرة فلسفية سليمة للطفل العربي؟ بل، هل فرضية الفليلسوف أبن طفيل التي وضحها من خلال قصة حي بن ظبيان، قبل ألف عام، وكررها &الكاتب الأمريكي، ادجر رايس بوروز، بشخصية "طرزان"، قبل قرن من الزمن، فلسفة علمية صحيحة؟ أي بالأحرى، هل تطور العقل البشري تطور فطري وراثي جيني، أم تطور خبرة حياتية معقدة؟&
ولنتوقف برهة، قبل تكملة النقاش، لنعرض مفهوم "الطفل الوحشي". فالطفل الوحشي هو طفل تربى مع الحيوانات، وأكتسب منها عقلها، وتصرافاتها، ولغتها، وحركاتها، وعاداتها. وقد بينت الدراسات العلمية بوجود عشرات من هذا النوع من الأطفال، حيث عاشوا في أقفاص مع الطيور، أو الكلاب، أو تربوا في وسط الغابة مع القرود أو الضباع. فمثلا قد عثر في عام 1927 على طفل هندي، في العاشرة من عمره، في عرين للذئاب، وكان عقله وسلوكه وعاداته تشبه الذئاب تماما، فهو ينبح، ويأكل الحشيش، ويمشي على الأربع، ويعض البشر. كما أكتشف في الولايات المتحدة في منتصف القرن الماضي طفل يتصرف كالكلاب، وفي السابعة من عمره، حيث رباه صديق جدته العجوز بعد وفاتها، في قفص مع كلابه. فكبر الطفل وعاش كالكلاب، يعوي، ويعض، ويمشي على الأربع، ويلهث في تنفسه بإظهر لسانه، وحينما مرض ودخل المستشفى إستغرب الأطباء من سلوكه، فقاموا بالفحوص الشعاعية المقطعية للمخ، فجدوا بأن مخه صغير وضامر. كما أن هناك قصة أخرى من أوكرانبيا، حيث ولدت طفلة طبيعية بأسم "أولكساندريفنا مالايا" في عام 1983، وقد اهملتها أمها المدمنة على الكحول، فعاشت محاطة بالكلاب، وحينما وجدتها الجهات المسئولة، وهي في السابعة والنصف عاما من عمرها، لم تستطع الكلام، كما تفتقد للمهارات البشرية البسيطة، وتتصرف كالكلاب، فتتحرك بأربعة أرجل، وتنبح، وتعض من حولها، وتنام على الارض، وتتبرز بطريقتهم.&
&
كما عرض مؤخرا مقال على صفحات الأنترنت بعنوان، من الأسطورة إلى الواقع، فيقول الكاتب: تبين الأسطورة بأن "رومولس وريموس"، وهما التوئمان الذان أسسا روما، قد هجرهما والداهما، وهم أطفال رضع، ورعتهما ذئبة، حتى وجدهما راعي غنم، فرعاهما، ليكتشفا مدينة "بلاتاين هيل" العظيمة. ومع أن هذه غالبا ما هي إلا إسطورة، ولكن هناك تاريخ لأطفال تم تربيتهم من قبل الحيوانات. فمثلا الفتاة الكمبودية، التي أختفت في الثامنة من عمرها في الغابات، ولتظهر بعد 18 عشر عاما، وفي عام 2007، وهي تحاول سرقة بعض الرز، لتختفي من جديد، بعد أن صعب عليها العيش مع البشر. والولد الأوغاندي القرد، "جون سبونيا"، الذي أصيب بصدمة شديدة حينما شاهد والده يقتل والدته، فأختفى في الغابة، وعاش بين القرود، حتى أكتشف في عام 1991، ليعلم طريقة الكلام، فبدأ يغني، ولكن بقت مع ذلك تأثيرات التربية الوحشية على بنيته العقلي. كما أن هناك طفل أمريكي أسمه "جستن" تركته والدته رضيع فربته جدته حتى الثامنة عشر من عمره، وماتت، فأهتم به صديقها البالغ من العمر الستين ولم يعرف شيء عن تربية الاطفال، فمع أنه كان يرضعه، ولكن تركه يتربى مع كلابه، حتى مرض في السادسة من عمره، فأخذه إلى المستشفى. وكان طفل وحشي يتصرف كالكلاب، يمشي باربعة ارجل، ويعوي، ويحرك لسانه، ويتبرز على السرير، وينام على الأرض، ومع أن الأطباء حاولوا تعليمه، ولكن بقى متخلفا وبينت الفحوصات ضمور في عقله. كما أن هناك الطفلة "مدينة"، التي أهملت من والديها، لتعيش مع الكلاب، ولتكتشف العام الماضي وعمرها ثلاثة سنوات، وهي تتصرف كالكلاب. كما اكتشف في عام 1920 طفلتان سميتا، "امالا" وهي في الثامنة من عمرها، و"كمالا" والتي كانت في الثامنة عشر شهرا من عمرها، وفي مدينة "مدنابور" في الهند، واللتان عاشتا مع الذئاب، وكانتا تتصرفان بطريقتهم. ولو رجعنا للتاريخ، ففي عام 1724 اكتشف طفلا عاريا يمشي على أربعة ارجل خارج من الغابة في منطقة هاميلين بألمانيا، لا يستطيع الكلام ويتصرف كالحيوان. وقد إنتقل إلى إنجلترا، وسمي "بيتر الولد الوحشي"، ولم يتعلم الكلام ولكنه أحب الموسيقى، ولكن بقي متخلف عقليا، حتى توفي في عام 1785. كما ان هناك الطفل الوحشي المشهور "فكتور"، الذي عاش في الغابة عاريا وحيدا، حتى أكتشف في عام 1797، ومع الجهد الذي بدل لتأهيله، ولكنه بقى متخلفا عقليا، والولد لروسي "الطير"، الذي عاش في قفص مع الطيور بعد أن حبسته والدته فيه، ولم يستطع الكلام، بل كان يتصرف كالطيور. كما وجدت في عام 1845 فتاة سميت "لوبو"، بنت الذئاب، وهي تركض بأربعة أرجل مع الذئاب، بينما كانت ترافق مجموعة من الذئاب، وهم يهاجمون قافلة بها عدد من الماعز، قرب مدينة سان فلبي في المكسيك، وقد تمكنت الفرار، ولتختفي من غير أثر.
&
وطبعا هذه الوقائع المذكوره تناقض تماما فلسفة إبن طفيل، في قصة حي أبن يقظان، أو فكر الكاتب الأمريكي، ادجر رايس بوروز، بشخصية "طرزان". ويعلق على ذلك عالم الإجتماع العراقي، الدكتور علي الوردي فيقول: "فالإنسان لا ينمو عقله إلا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له، &فالمفكريين القدماء درسوا أفانين الفلسفة من كتب توارثوها عن أسلافهم، وأخذوا يحفظون ما قال القدماء فيها، ويجترونه ثم يتقيأونه على تلامذتهم، وبذلك يضعون عقولهم وعقول تلامذتهم في قوالب الأسلاف من حيث لا يشعرون. بل يعتقدون بأن ما إعتادوه من الآراء أمر لا يقبل الجدل، فهو خالد وثابت، بل هو الحق الذي لا ريب فيه، ذلك لأنه قد إكتشفه العقل وآمن به على مرور الأجيال، فلا مجال للشك عندهم. ومن مزايا عصرنا هو أن الحقيقة المطلقة استبدلت بسلطان النسبية، فما هو حق في نظرك، باطلا في نظر غيرك. والتحدي هو أن العقل يفكر إستنادا على بعض المقاييس والمعلومات السابقة، كما أنه من الصعب أن يفكر على أساس غير مألوف. فالكل يبحث عن الحقيقة، ولكن ليس هناك حقيقة، وأنما كلها فرضيات نسبية. ومع الأسف هذه المقولة نسفت ليس فقط العلوم الطبيعية، بل أيضا العلوم الاجتماعية، والتي تضم تاريخنا الديني والسياسي، وعلاقة تفكيرنا الشرق أوسطي بالفلاسفة الأغريق، من سقراط وافلاطون وحتى ارسطو. فتحليلات تفكيرنا مرتبط بالتحليل الأرسطوطاليسي، ليعتقد إبن طفيل وأمثاله من المفكرين القدماء، بأن الإنسان إذا تبع في تفكيره الفطري القياس المنطقي الذي جاء به أرسطو &بدقة، فأنه يصل حتما إلى الحقيقة التي تصح في كل زمان ومكان. ولو نظرنا إلى هذا القياس الأرسطوطاليسي، وجدنا بأنه يقوم على ثلاثة أركان، المقدمة الكبرى، كل إنسان فاني، ومقدمة صغرى، سقراط إنسان، ونتيجة، إذن سقراط فان. فمن المفروض إذا كانت المقدمتان صحيحتين فالنتيجة ستكون صحيحة، والذي يعتمد أساسا أساسه على المقدمة الكبرى، والتي تستند على البديهيات المجتمعية المألوفة، والتحدي الكبير هو في مدى حقيقة هذه البدهيات المجتمعية المألوفة، ليتضح لنا مدى تفاهة هذا القياس برمته. ويقول وليم جيمس: الحقيقة ليست إلا فرضية يفترضها الإنسان كي يستعين بها على حل مشكلات الحياة. &ومن مهازل القدر، أن نرى الحقيقة النسبية الآن مسيطرة على البحوث الطبيعية، بينما أصحابنا لا يزالون يؤمنون بالحقيقة المطلقة، حتى في بحوثهم الإجتماعية والفكرية الخاصة، بل نراها واضحة في بحوثهم التاريخية. فهم إذا أحبوا رجلا في التاريخ رجعوا إلى كل عمل قام به أو فكرة فاه بها، وأخذوا يجمعون الأدلة العقلية والنقلية للبرهنة على صحتها وصلاحها في كل زمان ومكان، أما الذي يكرهونه فكل أعماله وأقواله باطلة حتى تلك التي وجدوا مثلها عند رجلهم المحبوب."&
وقد أكدت آراء الدكتور الوردي أبحاث العلوم الطبية الحديثة، كما ذكرنا سابقا، بأنه قد إستطاعت التكنولوجية المقطعية التشريحية والوظيفية الحديثة للمخ البشري، أن تبين بأن العقل البشري مكون من مئات من المليارات من الخلايا العصبية الميكروسكوبية الصغيرة، وهي الخلايا المسئولة عن التفكير والذكاء الفكري، والذكاء الإجتماعي، والذكاء العاطفي، والذكاء الأخلاقي، والحواس الخمس، والحاسة السادسة، المسئولة عن فهمنا لتصرفاتنا وعواطفنا وتفكيرنا الشخصي، والحاسة السابعة، والمسئولة عن فهمنا لتصرفات وعواطف وتفكير الآخرين، ومراكز حركات الأطراف العلوية والسفلية، ومراكز باقي أعضاء الجسم البشري. وتتكون الخلايا العصبية من جدار بروتيني، وبداخله مادة هلامية، توجد فيها مصانع عديدة، تنتج الطاقة والمواد البروتينية والدهون والسكريات ومواد كيمياوية معقدة جدا، والهرمونات، التي تنظم عمل الوظائف المختلفة في خلايا الجسم. كما توجد في وسط هذه الخلية نواة كروية الشكل بها المورثات، والمكونة من جينات، مشكلة من مادة الحمض النووي الريبي الغير مؤكسج، والمعروف بمادة دي. إن. أيه. ويمكن أن نشبه الخلية العصبية بالكومبيوتر، والجينات ببرامج التشغيل الإلكترونية، بينما مادة، الدي. إن. إيه. يمكن أن نشبها بالشفرات الإلكترونية التي تكون برامج تشغيل الكومبيوتر. وحينما يولد الطفل تكون عدد هذه الخلايا العصبية كاملة وتعد بمئات المليارات، والمهم في هذا الموضوع هو بأن هذه الخلايا العصبية، لكي تقوم بوظائفها بشكل متكامل، يجب أن ترتبط ببعضها البعض وبباقي أعضاء الجسم بالألياف العصبية، اي بالأسلاك التي تربط هذه الكومبيوترات العصبية ببعضها البعض، وبباقي أعضاء الجسم، والتي تصل عددها في الإنسان الكهل لمئات التريليونات. والمهم في كل ذلك هو أن هذه الأسلاك العصبية المعقدة تبدأ نموها وإتصالاتها مع الخلايا العصبية، وأعضاء الجسم المختلفة، بعد الولادة، وتستمر حتى الشيخوخة، ولكن أهم مرحلة في تواصل هذه الاسلاك هي السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل، حيث تتم، في كل ثانية، ألف نقطة تواصل في هذه الشبكة العصبية، والتي تحدد المستقبل العقلي، والفكري، والحركي، والعاطفي، والإبداعي، للطفل. ويعتمد إتقان ودقة تواصل هذه الأسلاك العصبية التي في المخ البشري على الظروف المحيطة بالطفل، من ظروف تربوية، وتعليمية، وطبيعية، وفكرية، وثقافية، وفنية، وإلى أخره. &وبمعنى آخر، يعتمد تطور العقل البشري على الظروف المحيطة به، والتي تلعب دورا رئيسيا في صحة، ودقة، ومتانة، تواصل الإسلاك العصبية ببعضها البعض، لتعمل بتناغم، وتعاون، وتناسق جميل، وبتواصلها مع باقي أحساسات وأعضاء الجسم المختلفة، لتخلق إنسان مسالم، سوي، ذكي، متزن، متعاطف، ومبدع، ومنتج، وسعيد. وإن خذلت الظروف المحيطة هذا الطفل، فعاش بين القردة أو الكلاب، فسيتحول هذا العقل، لعقل وحش "داعشي" مفترس، كالطفل الهندي الذئب، أو الطفل الأمريكي الكلب. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل حان الوقت أن نبدأ بالإهتمام بتربية الطفل وتطوير مهاراته العقلية، وخبراته، وتعليمه، في السنوات الثلاث الأولى من عمره، لا أن ننتظر حتى يبلغ السادسة من عمره؟ وهل من المهم أن تكون هناك أنظمة تفرض تقييم الأفكار العلمية لما يقدم للأطفال، من خلال الكتابات والكرتون والأفلام، &قبل عرضها؟ وهل سنستفيذ من التجربة اليابانية في تطوير الموارد البشرية، ببدأ التعليم الإجباري الحكومي النظامي بعد سن الثالثة، ولينتهي مع التعليم المتوسط في سن الخامسة عشر؟ وهل سيبدأ الشاب حياته العملية مع بدأ السنة السادسة عشرة، ليلتحق بالعمل في الشركات، ليتم تدريبه العملي، أو يلتحق بكليات التعليم المهني، ليبدأ بعدها في العمل التكنولوجي؟ وهل ستحدد الدراسة الجامعية لإختصاصات معينة، كالطب، والهندسة، والمحاماة، والعلوم الإقتصادية والإجتماعية؟ ويبقى السؤال الإخير والذي سنناقشه في الإسبوع القادم: ما هي الطرق التعليمية المنهجية المتوفرة لبدأ تطوير العقل السوي للطفل بعد السن الثالثة؟ بل وكيف سنطور عقل الطفل قبل السنة الثالثة؟ ولنا لقاء.
&
د. خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان
&