التنوع حكمة، والتباين ضرورة، والاختلاف حَتْم لا بد منه؛ فيه تتمايز الأشياء، ويُعرَف فضل الأفضل على الفاضل، والسيئ على الأسوأ.
أميل كثيرًا لهذه المقولة الشهيرة
«الناس معادن»
ليس كنايةً على تفاوت المكارم والفضائل بين الناس فحسب، بل كذلك على تفاعلك أنت واندماجك مع الناس.
يحدث أن تلتقي بشخصٍ ربما تلتقيه للمرة الأولى في حياتك، فتتفاعل كيمياء الأرواح بينكما، روحك مع روحه لتنعكس على شكل ألفةٍ كبيرة، وتناغمٍ كبير في الأفكار والرؤى، وتشابهٍ في اتجاهات التفكير والتوجّهات، وكذلك العكس؛ فقد تكون لديك علاقة طويلة مع شخص، ولكن الكيمياء بينكما متنافرة، ولا توافق في الرؤى والخصائص والصفات.
الناس معادن ليست عبارةً تقال فحسب، أو مجرد مَثَل تتداوله الألسنة، ويتسامر به الناس، إنها مقولة تمثل عين اليقين في تشخيص الطبائع والسلوك والأخلاق.
وبعد عمر طويل في الناس حافل بالتجارب والمواقف يسوغ لي أن أبدو مِثْلَ عاملِ مَنْجَم مرّت عليه معادن ومعادن، في كل الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة وجدت هذه المعادن لا تتغير بخيرها أو شرّها ومن أبرز ما مر عليه واستوقفه من معادن الناس:
1 - الإنسان الألماس، ٫
وهو ذلك الذي لا تجده بين الناس إلا بعد طويل ارتقاب، وكثير حظ، نادر الوجود، كثير السعود، من وجده اغتنى واكتفى، والواحد منه عن أمة طيّبة من الناس، لا يعيبه إلا أنه يزهدك في الخلائق، فما ترضى بخيارهم وقد عرفتَ ملائكيته النادرة، ورأيتَ منه ما لا يخطر على قلب بشر من النبل والصدق والمحبة والمودة والإيثار ، ولا تعرف الشك معه إلا في حالة واحدة: أملاك .. هو .. أم …. بشر؟!
2 - الإنسان الذهب،
وهو ذاك الذي لا تغيره الأيام، ولا ترخصه الشدائد، ولا يصدأ مع مرور الدهور.. أوجده الله نفيسا، وحافظ على نفاسته، وآمن الناس بها دون شك، بمثله تفاخر، وتعلو به فما يُعلَى عليك، وكلما ظل نقيا بريئا من الخديعة كان أصفى جوهرا، وأعلى قيمة.
3 - الإنسان الفضة،
وهو ذاك النقي البهي الذي يَزِينك ولا يَشِينك، ويَنفعك ولا يَضُرك، تَغْلِب عليه الطيبة، بعيد عن الريبة، تفخر به، وتجده إن بحثت عنه، ولا يخذلك في المواقف، ولا يخيب فيه ظنك.
4 - الإنسان النحاس،
وهو ذاك الذي يختلط صالحه بطالحه، وتجد فيئه شيئا من محاسن، وجملة مساوئ متفاوتة مألوفة يمكن التعايش معها مع بعض الصبر والتحوّط،
غير أنه ليس بالإنسان الذي تعتمد عليه تمام الاعتماد، أو تجده حين تطلبه، أو تقدمه للناس معتزاً به، إنه أشبه ما يكون بالمرء فيه الحد الأدنى من البشرية، أو الإنسان ما من صداقته بُدّ لكثرته في الناس.
5 - الإنسان صدأ الحديد
وهذا ذاك الجافي الغليظ الذي لا نفعه يُرجَى،ولا ظله يُقتَرَب منه،رخيص المقدار، كثير الأضرار، لا يستجيب إلا بلغة الطرق والصهر، ولا يلين ولا يستطيع، لا يجبر لك عثرة، ولا يغنيك في شدة، ولا يشرفك في المواقف، بل هو عالة عليك، ومهما جلوت عنه الصدأ تجدد قيحه وقبحه.
6- الإنسان رماد القصدير،
وهو ذاك الهش الذي لا يغنيك ولا يحميك ولا يزينك، تراه لامعا كالصفيح، وسرعان ما يَتَغَضَّن وتزعزعه الرياح، وتلهو به الزوابع، يزعجك صوته، ويدهشك تلفه، ويُزَهِّدُك فيه رخصه.
7 - الإنسان الزئبق،
وهذا ذاك المراوغ المتقلب ذو الوجوه.. لا تدري كيف تُحكِم قبضتك عليه، ولا كيف تحتويه.. لا يثمر في إحسان، وضرره أكبر من نفعه، وجوهره يَنْضَح بالسم، وإن كان له نفع واحد فله عشرات الأضرار.
وثمة معادن ومعادن،
غير أن هذه عينة بارزة تشكل معظم الناس، وما نحن إلا صورة عن أمنا الأرض وما معادن أجوافها إلا جواهر أرواحنا.
كن ذا فطنة واعرف معادن الناس حتى لا تفلس، ولا تعطِ الحديد قيمة الذهب، وترخص الذهب بقيمة النحاس.
