هذا السؤال الإفتراضى والتخيلى يوضح كم كان لهذا الوعد من نتائج ليس فقط على مستوى الشعب الفلسطينى والثمن الذى دفعه وما زال حتى الآن من معاناة سياسية بسبب الاحتلال وممارسات السياسة العنصرية التي تمارسها إسرائيل على شعب كامل تجاوز عدد سكانه الخمسة عشر مليونا نصفهم مشردين ويعيشون في المخيمات في اكثر من دولة عربية. هذا الوعد لم يكن مجر وعد لفظى بل هو تعبير عن سياسة وقرار للدولة التي تحكمت في مصير كثير من الدول في العالم الإمبراطورية البريطانية. فهو وعد لدولة جاء على لسان وزير خارجيتها، ومن هذا المنظور هو سياسة وبرنامج عمل عملت بريطانيا على تنفيذها. والوعد جاء بعد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 والذى نص على قيام وطن قومى يهودى في فلسطين. ولذلك الوعد هدفه كما جاء في نصه تحقيق هذا الهدف. والسؤال كيف؟ ولماذا بريطانيا؟

وقبل الولوج فى الإجابة، فالوعد جاء إستجابة أيضا لحل المسألة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني بدلا من تحمل حلها بريطانيا وأوروبيا، وثانيا الهدف الربط بين العلاقات التحالفية بين الإستعمار والحركة الصهيونية، فالهدف إقامة دولة في المنطقة تحول دون قيام دولة عربية قوية في أهم منطقة جيوسياسية في العالم. فالهدف إبقاء هذه المنطقة ضعيفة ومفككة لما تملكه من مصادر قوة إستراتيجية متعددة. والوعد جاء قبل إتفاقات سايكس بيكو وقيام الحرب الكونية الأولى وقيام عصبة ألأمم وإعتماد نظام الإنتداب، والملاحظة ألأخرى ان هذا الوعد جاء بدعم أمريكى كامل. ولو نظرنا اليوم إلى كل مشاكل المنطقة، وكل الحروب التي شهدتها المنطقة بسبب قيام إسرائيل وتشريد الشعب الفلسطيني، ما كان يمكن ان تقوم أو تحدث. فهذا الوعد هو السبب لما آلت اليه كل التطورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة اليوم وحتى على مستوى العلاقات الدولية والصراع بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتى سابقا، والسبب حتى لما تعيشه المنطقة من حروب داخلية وصراعات إقليمية. ولولم يكن الوعد لصارت ألأمور على النحو التالى او السيناريو الذى كان متوقعا، فوفقا لنظام الإنتداب وضعت فلسطين وعمدا تحت الإنتداب البريطاني، وصنفت فلسطين منطقة أ. 

لو تحقق هذا السيناريو لقامت فلسطين الدولة المستقلة الواحدة والتي تحتضن اليهود والفلسطينيين في كنف دولة واحدة. بعبارة أخرى ما كانت قامت إسرائيل كدولة، لكن لحلت المسألة اليهودية في سياق الدولة العالمانية الديموقراطية الواحدة، وما كان ترتب على ذلك نشؤ القضية الفلسطينية وبداية الصراع مع أول حرب عربية إسرائيلية وتشريد أكثر من 750 ألف فلسطيني لتنشأ مشكلة اللاجئيين الفلسطينيين. وما ترتب بعدها من أكثر من حرب، وما زال الصراع محتدما، وتم إنقاذ مئات الآلآف من الضحايا المدنيين الأبرياء. وتم توفير مليارات الدولارات التي لو أنفقت في البناء والتنمية لحلت كثير من المشاكل الإقتصادية والإجتماعيه، ولكان لدينا نموذج الدولة الواحدة التي تقدم نموذجا للتسامح والتعايش.

بدلا من ذلك وتناقضا مع أهداف نظام الإنتداب تم تنفيذ وعد بلفور وفق سياسة ورؤية مخطط لها ومدروسة فتم فتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، وتم تسهيل نقل الأراضى الفلسطينية للمؤسسات الصهيونية وتم إفشال جميع الحلول التي طرحت في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضى، وتم إجهاض الحركة الوطنية الفلسطينية، وللعلم الفلسطينيون لم يرفضوا التواجد اليهودى بل رحبوا به، فكما رأينا في الهجرة ألأولى لم تكن عناك خلافات ولا صراعات، بل تم ذلك مع الهجرة الثانية وما تلاها لما أرتبطت به من اهداف ونوايا إحتلالية. لتنتهى الأمور بعرض القضية على الأمم المتحدة عام 1948 وصدور قرار التقسيم الذى قسم فلسطين لثلاث نمناطق واحدة يهودية بمساحة تقارب الخمسة والخمسين من مساحة فلسطين ومنطقة او دولة عربية بمساحة تقارب ال ألأربعة واربعين والقدس تحت الوصاية وألإشراف الدولى. 

لم تكتفِ إسرائيل بذلك فتحت ذريعة الرفض العربى كانت الحرب ألأولى والتي كانت بداية لنشاة القضية والصراع العربى الإسرائيلي. كل هذا التطورات سببها وعد بلفور، ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل إن الصراع أٌلإيمى الذى نرى صوره اليوم بين إيران وإسرائيل، والتغلغل الإسرائيلي في المنطقة كله نتاج هذا الوعد الذى أعاد رسم الخارطة السياسية لكل المنطقة لعقود قادمة. والحل الوحيد لتجاوز هذا الوعد وتقع المسؤولية ألأولى على بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة بقيام الدولة الفلسطينية الديموقراطية والعمل على خلق نموذج للتعايش والتسامح بين الشعبين الفلسطينيى واليهودى في إطار من الكونفدرالية او الفيدرالية والمشاريع المشتركة وبتوسيع مقاربة الحقوق الفلسطينيةى وهذا لن يتنم إلا بإنهاء الإجتلال الإسرائيلي وفى إطار من السلام العربى الشامل الذى يقع في قلبه قيام الدولة الفلسطينية الديموقراطية والبحث عن المستقبل بالسيناريو الذى كان يمكن ان يتحقق بدون وعد بلفور.