تختلف طقوس الكتّاب الإبداعية، بين كاتب وآخر، في اختيار الوقت الذي يناسبهم في كتابة ما يشتهون تدوينه لجهة مقالة أو رواية وغير ذلك. فهناك عدد من هؤلاء لا يُحب أن يكتب إلّا في الليل، ومنهم في ساعات الصباح الأولى، ومنهم من يُفضل الكتابة في وقت الظهيرة، وآخرين لا يمكن لهم الكتابة إلّا وهم مستلقون على بطونهم، ومنهم لا يستمتعون في الكتابة إلّا وهم في منتهى الأناقة، وكأنه مستعد للقاء محبوبته، ومنهم من يُفضل الكتابة وهو مرتدياً قبعته، أو بيجامته، أو يكون واقفاً أمام بلكونة أو بجانبه سطلاً من القهوة، أو مرتدياً لباساً ميكانيكياً، أو لباس الفلاحين، وبعضهم لا يمكن له الكتابة إلّا وهو جالساً في الحمام، أو واقفاً على رجليه. هكذا هم، فطقوس الكتابة تختلف بين كاتب وآخر وسواء كان الروائي أو الكاتب عربياً أو غير ذلك، وآ راء هؤلاء كثيرة لا يمكن أن تقف عند حد معين، ولا يمكن أن نختلف إن قلنا أنَّ طقوس الكتابة تختلف من كاتب إلى آخر . وهناك كتّاب كبار لا يُسمح لهم وقتهم في الكتابة في النهار بسبب الأعمال الكثيرة المنوطة بهم، وأشغالهم التي يكسبون منها قوت يومهم، ما يُلجئهم ذلك إلى الكتابة ليلاً، وهذا الظرف لا يمكن أن يأخذ به الأغلبية. فالكاتب والمؤرخ الكبير محمد حسنين هيكل، صاحب كتاب "خريف الغضب"، "أزمة العرب ومستقبلهم". يُسرّ جداً في الكتابة في وقت متأخر من الليل، وهو صحافي كبير ومعروف، ومقالاته كثيرة ومتنوعة وطالما يَنفرد فيما يكتب ويمثل مكانة في وظيفته. إنّه صوت الحكومة في وقت مضى. ومن بين هؤلاء الكتّاب الذين تركوا بصمة لا يمكن لها أن تنسى الصحافي مصطفى أمين، وكذلك الروائي الأشهر نجيب محفوظ، الذي نال جائزة نوبل للأدب في عام 1988، وأصدر عديداً من الروايات، أهمها: "أولاد حارتنا"، "القاهرة الجديدة"، "خان الخليلي"، "زقاق المدق"، وغيرها . الذي لا يفضل الكتابة إلّا في النهار. أما الصحافي المصري أنيس منصور فقد كان يُفضل الكتابة في ساعات الصباح الأولى. وفي هذا لا يمكن أن يفوتنا ما سجله شاعر الحب والسياسي نزار قباني، الذي كان يفضل الكتابة وهو مستلقياً على بطنه، أو يكون في منتهى أناقته.. والحال كذلك بالنسبة للعقاد، فلم يكن يكتب كلمة واحدة إلّا وهو مرتدياً بيجامته!
وإذا ما حاولنا أن نستعرض الطقوس والأوقات التي يفضل بها الكتّاب والروائيون أن يكتبوا فيها آراءهم، ومقالاتهم ورواياتهم، فإن الصورة تبدوا تختلف من واحد إلى آخر. فالروائي الفرنسي البير كامو لا يكتب مقالاته أو رواياته إلّا وهو واقفاً أمام البلكونة! والحال كذلك بالنسبة لزميله بلزاك الذي لا يمكن له أن خط حرفاً واحداً قبل أن يكون إلى جانبه سطلاً كبيراً من القهوة، وكذلك فولتير.
الصور في هذه الإطار كثيرة ولا فتة. فها هي الكاتبة أجاثا كريستي رائدة الرواية البوليسية، تؤكد على أن أفضل الأفكار التي تطرحها في أعمالها تأتيها وهي في الحمام، والحال كذلك بالنسبة للروائي الكولمبي غابرييل غارثيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للأدب في عام 1982 وهو يرتدي لباس الميكانيكي. ومن أعماله: "مئة عام من العزلة"، "في ساعة نحس"، "خريف البطريرك"، "الحب في زمن الكوليرا". كلها صور حية تجعل من الكاتب والروائي أن يقدم شخصه، ويستعرض واقعاً معاشاً من خلاله يمكن أن يقدم الصورة بوجهها الكامل والوجه الدقيق للشخصية.
وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، وهي كثيرة ولا تخلو من نهفات، وإذا ما ذهبنا بعيداً فإن الكاتب الأميركي إرنست همينغوي وهو الروائي وكاتب القصة القصيرة والصحافي والرياضي المعروف بأسلوبه البسيط البليغ، ومن أبرز أعماله "لمن تقرع الأجراس"، "وداعاً للسلاح"، "ثم تشرق الشمس"، و"الشيخ والبحر". وتوفي بعيار ناري، وقد كان يفضل الكتابة بقلم الرصاص، وأفضل أوقات الكتابة بالنسبة له في فترتي الصباح والمساء. ويقال أن الكاتب الكبير كان يفضل الكتابة وهو واقف على رجليه، ومنتعلاً حذاءً أكبر من مقاس قدمه، أما بلزاك الفرنسي فهو أديب وكاتب مسرحي، كان يفضل الكتابة ليلاً، ومن أعماله "الأب الخالد"، "ابنة البخيل"، "امرأة في الثلاثين". وإذا ما توقفنا عند الكاتب الإنكليزي تشارلز ديكنز صاحب قصة "مدينتين"، وهو صاحب تصوير دقيق للواقع، ويتقن جذب القارئ بشكل كبير، وكان يهتم بقضايا الناس والمجتمع ويعكس معاناتهم، ويتصف بصدق العاطفة تجاه الشخصيات التي يتناولها، وكان أكثر ما يفضل الكتابة عند الإفطار.
