يقول أحدهم "أن الكذبة تحمل دليل زيفها في داخلها"، رؤساء، وزراء، برلمانيون، مقدمو برامج وإعلاميون وحتى فانشيستات، الجميع مُشترك بما سُميّت سرقة القرن.
ليست الغرابة في الرقم المسروق في هذه الصفقة لأن المبلغ المُعلن عنه إعتيادي لحجم الفساد الهائل الذي أُبتلي به العراق في سنواته العشرينية بعد عام 2003، لكن في حجم وأعداد المساهمين والمتحاصصين في هذه الكعكة.
في كل يوم تصدر مذكرة قبض بحق أحدهم، بداية من علي عبد الأمير علاوي وزير المالية في حكومة مصطفى الكاظمي مروراً بمستشاريه ومدير مكتبه، وربما القائمة تطول الكاظمي نفسه في قادم الأيام، وهذا ما تسعى إليه حكومة السوداني.
سرقة في غاية من الحرفية والأسلوب الممنهج في ضياع معالم الجريمة بين الشركاء حتى يضيع حق المطالبة بإسترداد المال المنهوب.
أكثر من مليارين وسبعمائة مليون دولار تمت سرقتها بكتب رسمية لصالح المتهم الأول الرئيسي في القضية نور زهير (الواجهة المعلنة للأقنعة التي تختفي وراء تلك الستارة).
مصادر سياسية كشفت أن الموافقات الرسمية خرجت من مكتب رئيس الوزراء السابق ووزير المالية ورئيس اللجنة المالية السابق في البرلمان العراقي هيثم الجبوري وكتاب من هيئة الضرائب، وجميعها تكشف حجم الفساد ونفوذ المتورطين فيه.
المصادر تكشف أن رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي حاول بمساعدة بعض الوسطاء لقاء السوداني أثناء زيارته الأخيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة لتسوية الموضوع وغلق ملف الفساد، إلا أن الأخير رفض، للتأكيد أن الإطار التنسيقي في نيته المُضي بعدم غلق هذا الملف.
لكن تبقى أسئلة تراود الكثير من الباحثين بالشأن السياسي وهي هل من المعقول أنه لا يوجد أي طرف من الحكومة الحالية قد إشترك بهذه السرقة أو تواطئ معها؟ وهل أن الأطراف السياسية التي كانت تُجالس حكومة الكاظمي لا تعلم كيف إختفى هذا المبلغ من حسابات الخزينة المركزية والدول التي إشتركت في هذه السرقة؟ والسؤال الأكثر أهمية ويحتاج إلى تأمل وتفكير عميق هو كيف سيكون رد فعل الكاظمي وفريقه الحكومي السابق من التُهم الموجّهة إليهم، وهو الذي كان رئيساً لجهاز المخابرات العراقي ويحتفظ بملفات فساد لإكثر القيادات والزعامات الموجودة اليوم بالسلطة، وحقيقة أنه سيفتح بها النار عليهم في القضاء الدولي ربما؟ كل تلك الأسئلة وغيرها تظل لغزاً قائماً للعراقيين قد تُجيب عنها الأيام القادمة، خصوصاً وإن أحدهم قال "لو فُتحت جميع الأسرار لسقطت عروش وهُدّمت معابد لزعامات".
نور زهير المتهم الرئيسي في سرقة القرن تم منحه جواز سفر دبلوماسي وإطلاق سراحه على أمل إستعادة جزء من المال المسروق منه، والمفارقة إن هذا اللص الكبير هو خارج العراق حالياً وفي أحد القصور بإحدى الدول الأوروبية بضغط سياسي وربما دولي كان لتهريبه.
إبتدأت المقال بعبارة "الكذبة تحمل دليل زيفها" ما يعني أن كل ذلك القلق الحكومي والإصرار على فتح ملفاته والإعلان يومياً عن جود شركاء جُدد في سرقة القرن، يوحي أن المبلغ المنهوب ربما يتخطّى المعلن بأضعاف ومبالغ كبيرة منهوبة من ثروات الشعب الذي إعتاد الصمت والاستسلام لكل ما يجري له من سرقات.
هو النظام السياسي الذي أمِنَه السارق الكبير فإستسهل السرقة، هي المنظومة السياسية الفاسدة التي تتواطئ مع اللصوص حين تُطلق سراحهم بصفقة إسترداد بعض من المال المنهوب، هو حال العراق الذي يعيشه اليوم وهو يستنشق الفساد حتى في هوائه.
