بعد وفاة واستشهاد أغلب رجالات الرعيل الأول من قادة القضية الفلسطنية، وغياب شخصيات قيادية فيها، شهدت هذه القضية سباتاً طويلاً على كافة الأصعدة، لا يتناسب مع حجمها وعلو مكانتها، وكادت تخمد جذوتها وتختفي من الأذهان تقريباً في أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، وطغت عليها اهتمامات عربية ودولية أخرى شغلت شعوب المعمورة. فكانت بحاجة إلى حدث مفصلي ليعيدها ثانية إلى موقها عند العرب والمسلمين.

من بين هذه الاهتمامات والانشغالات الربيع العربي، واحتلال العراق، وظهور داعش، والانسحاب الأميركي من أفغانستان، والحرب في أوكرانيا، وظهور الشعوبية بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، ونقله سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس دون احتجاحات كبيرة، وتأييده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وازدياد نفوذ دول كتركيا وإيران وجنوب أفريقيا والبرازيل، وظهور مجموعة البريكس، وانشغال العالم بمشاكل المناخ المتزايدة، والسعي لإبدال الدولار كعملة صعبة في التداول ببعض أنواع العملات، وتضخم وتعاظم مشكلة الهجرة إلى الغرب وتكاليفها البشرية والمادية، وتكاثر مشاكل صراع الأديان وحرق الكتب المقدسة.

إقرأ أيضاً: رهائن لدى الولي الفقيه

إلا أنه في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وما بعده، استطاع أهالي غزة في طوفان الأقصى أن يعيدوا البريق للقضية الفلسطينية وجعلها في مقدمة اهتمامات وانشغالات دول العالم والمنظمات الدولية، بفضل عمل قيادتهم الدؤوب وحرصها الشديد على القضية، وبفضل رصانة ومتانة قيادتها، وكسبها التأييد والدعم الشعبي الفلسطيني، وحسن تدبيرها السياسي الميداني والدولي. في الوقت الذي خفت بريق منظمة التحرير الفلسطينية التي يقودها محمود عباس في الضفة الغربية بالنسبة إلى معظم الفلسطينيين، بما يعاكس ما كان يتمتع به رئيسها السابق الراحل ياسر عرفات من مميزات قيادية ومهارات تفاوضية لا مثيل لها، كسب من خلالها دعماً لا نظير له على كافة الأصعدة.

إقرأ أيضاًإيران وفشل نظرية ولاية الفقيه

هذه الهوة بين القيادتين استغلها المسؤولون الإسرائيليون، ونخص بالذكر منهم نتنياهو الذي لا يؤمن أبداً بحل الدولتين، وإنَّما يصر على حل الدولة الواحدة ولا يؤمن بإقامة الدولة الفلسطنية أبداً، وهذا أيضاً رأي اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يتمسك برأيه بالرغم من كل الدعوات الإقليمية والدولية، وسط التمادي في بناء المستوطنات غير الشرعية واغتصاب الأراضي من أهاليها. وما كان السابع من تشرين الأول (أكتوبر) إلا القشة التي كسرت ظهر البعير، وقد أحسن الفلسطينيون اختيار التوقيت، وانقضوا على العدو، ليصبح العالم كله تقريباً مناصراً لقضيتهم، وأحسن دليل على ذلك ضخامة وأعداد الاحتجاجات بأشكالها المختلفة والمتنوعة، وتعاطف حكومات بعض الدول الحرة في كل أنحاء العالم الذي أصبح مهيأ للمطالبة بإيجاد حل عادل لقضية فلسطين، ويستنكر العناد وسوء معاملة إسرائيل لهم. وأهداف هجوم نتنياهو الحالي على غزة لم ولن يكتب لها النجاح، لأنها أهداف غير واقعية وغير إنسانية وعدائية. أواقعي - عزيزي القارئ - أن يقضى على إرادة شعب حر أبي يسعى إلى أن يعيش كريماً محترماً على أرضه أو يمنع من ممارسة خياراته في تحقيق مراده؟

إقرأ أيضاًسُعار السلطة وسُعار القوة

ما أردنا قوله إنَّ قضايا مكابدة الظلم لم ولن تموت، وإن طرف الحق فيها سينتصر مهما طال الزمن، وإن التمادي والعناد لا يضران إلا بصاحبهما، وإن التمسك بالسعي لتحقيق الأهداف غير الواقعية محكوك دائماً بالفشل.