كل الحروب العربية مع إسرائيل لم تستطع أن تفعل ما فعلته حرب 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 التي قادها الفلسطينيون وقدموا فيها تضحيات ذكرت عالمنا بما تعرضوا له من ظلم من عدو عبر عقود من الزمن... وذكرت العالم بالمقايس المزدوجة في الحكم على قضايا الشعوب، وأيقظت الضمائر الحرة في كل مكان لما كان يعانيه شعب فلسطين بأطفاله وشيوخه ونسائه.

لقد أوصلت هذه الحرب، دون غيرها من الحروب التي شهدتها المنطقة، إلى العالم رسالة واضحة مفادها أنَّ هناك حقوقاً مهضومة لشعب عربي مضطهد، وأن هناك دولة مصطنعة مدعومة من أميركا والغرب بشكل عام تواصل انتهاك كل الأعراف الإنسانية. وأيضاً دون غيرها من الحروب، أظهرت مدى ضعف دولة الاحتلال وقدرة شعب فلسطين على استرداد هيبته ووضوح حقوقه المهضومة. وهي وحدها التي أظهرت حقيقة بعض الأنظمة في العالم والغرب بالذات، التي تزعم التزام مبادىء وحقوق الإنسان. كما دون سواها من الحروب، كسب الفلسطينيون والشعوب العربية الحرة الحرب الإعلامية في عصر التكنولوجية الحديثة، بالرغم من محاولات الغرب استعطاف الرأي العام العالمي تحت مقولة حق الدفاع عن النفس وإرهاب أبناء فلسطين، متناسين مقولة إرهاب الدولة التي أصبحت واضحة للعيان.

إقرأ أيضاًأهمية إدانة أحد مرتكبي مجزرة عام 1988 في إيران

لن يكون العالم بعد هذه الحرب كما كان قبلها، حيث سيتغير معنى ما يسمى بالإرهاب، وسيتغير مفهوم حق الدفاع عن النفس الذي دفع  بالمغتصب والمعتدي إلى التمادي في الإجرام وقتل الأطفال والنساء وغيرهم من المدنييين العزل. ستتغيير المقايس والمفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ستشهد وظائف المنظمات الدولية كالأمم المتحدة تطويراً وتغييراً بفضل عدالة بعض القضايا الدولية.

إقرأ أيضاً: ياسمين بائعة الشاي

في آخر استطلاع للرأي أجرته النيويورك تايمز في ست مناطق انتخابية متأرجحة في أميركا، تخلف بفاصل كبير الرئيس الحالي جو بايدن عن منافسه الجمهوري دونالد ترامب، حيث أبدى الكثير من المستطلعين، وخصوصاً من الشباب في خمس من المناطق الانتخابية الست أعلاه  (60 بالمئة من المستطلعين دون سن الثلاثين) معارضتهم لما قام به الرئيس بإرسال الأساطيل إلى الشرق الأوسط لدعم دولة الإرهاب. هذه من أوائل ملامح التغيير لدى الأجيال الغربية، وحتى الأمين العام للأمم المتحدة  أنطونيو غوتيريش أبدى غضبه واحتجاجه بشكل مبطن وأحياناً صريح  من أفعال إسرائيل، مما حدا بممثل إسرائيل في الأمم المتحدة إلى مطالبته بالاستقالة.

إقرأ أيضاًالجيش السابع الذي تخشاه إيران

أحقاً نحن في عالم تظهر فيه احتجاجات مليونية في دول العالم، وفي الغرب بالذات، منددة بأفعال مدللة الغرب إسرائيل ومستنكرة لها؟ نعم، هذه هي الحقيقة، فكم استغرق الغرب من الزمن كي يفهم حقيقة قيام دولة مغتصبة بتشريد شعب وسلب أرضه وإرهاب وقتل أطفاله ونسائه وشيوخه؟

يبدو أن هذا الوليد المدلل يعمل خارج إطار الإنسانية وخارج إطار القانون الدولي، وحتى خارج عنان أسياده في حرب غير متكافئة، ولا ينصاع لأي عرف أو قانون، وهو يعلم يقيناً أنه مزورع كجسم غريب في أرض غير أرضه. وما البناء غير الشرعي وغير القانوني للمستوطنات في أراضي الغير ورفض الحلول الدولية للمشكلة المتمثلة في قرارات الأمم المتحدة (242 و338) وحل الدولتين وعدم الامتثال لاتفاقية أوسلو والتملص من العهود إلا الدليل على تعنت وعجرفة هذا الدخيل.

إقرأ أيضاً: استراتيجية نظام الولي الفقيه بين أزمة غزة والأزمات الداخلية

وها نحن بعد كل هذا نتساءل هل تسمح أي دولة في أي قارة وتحت أي ذريعة لأحد أن يقيم دولة على أرضه ويشرد سكانها ويضطهدهم بمباركة الغرب ودوله؟ ألم يكن هذا السؤال مشروعاً في سياق حروب العرب والفلسطينين بالذات مع إسرائيل؟ فقد أدرك العالم الآن هذه الحقيقة بعد هذا الواقع المرير جداً، المرئي والمسموع، من منابر التواصل الاجتماعي.

العالم يتغير، وسيصبح عالم ما بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 غير عالم ما قبله، حيث سيردع المعتدي بقوة إرادة الشعب الفلسطيني وإرادة شعوب العالم وحكوماته المجبرة على طاعة هذه الشعوب والدليل هو مظاهرات الاحتجاج المليونية.