في غابة الشرق الأوسط العظيمة، أميركا هي الأسد الملك. إنها الأقوى وسطوتها هي الأقسى. أما إيران، فهي في قاموس الجغرافيا السياسية دبور من النوع المتطفل. رائع جدًا هذا التشبيه الذي وقع عليه توماس فريدمان في تشخيصه آفاتنا وفي وصفه حالتنا بما يتجاوز الوضوح، فتبحّر فيه ملء مقالة دسمة في "نيويورك تايمز" الأميركية.

لهذا الدبور المتطفّل سيرة ليست بغريبة عنا. إنه يحقن بيضه في يرقات حية، فيتغذى من اليرقات نفسها، وببطء شديد، ليلتهمها كلها من لبّها إلى قشرتها، فلا يبقي منها شيئًا، وحينها يفقس منها دبابير تخرج وتتمدد. كأنني أرى فريدمان مبتسمًا حين بدا له ألا وصفًا أفضل من هذا للبنان واليمن وسوريا والعراق. أبدًا. فالحرس الثوري الإيراني دبور متطفل، وأنصار الله وحزب الله وحماس وكتائب حزب الله وغيرهم من ميليشيات طهران بيض يفقس داخل مضيف لبناني أو يمني أو سوري أو عراقي، فيلتهمه من لبّه إلى قشرته، ليفق فيه ويخرج فيتمدد. أليست هذه حالنا؟ ألم يباهي الإيراني أمم الدنيا بأن له خمس عواصم في هذا الهلال الرهيب؟

لكن، ماذا يفعل الأسد المهاب بهذا الدبور النهّاب. يقول فريدمان: "لا استراتيجية عندنا لقتل الدبور بأمان وكفاءة من دون إضرام النار في الغابة كلها". إنها نبوءة بلا نبي، فللتراجع الأميركي ضجيج يصم الأذنين.

نظر العزيز فريدمان إلى حماس مليًا، فرآها عنكبوتًا تقف باب جحرها العميق. ولمن لا يعرف سِيَر العناكب، إنها تصطاد بالمفاجأة والسرعة والإخفاء: يقفز العنكبوت على فريسته فيقبض عليها سريعًا فيسحبها عميقًا في جحره فيلتهمها، لا من رأى ولا من سمع. وحماس من نوع عنكبوت باب المصيدة، يبرع جدًا في تمويه مداخل جحوره، أو لنقل أنفاقه، فربما تلائم هذه الكلمة الصورة الشائعة اليوم لمترو غزة.

ما غاب بنيامين نتنياهو عن غابة فريدمان، يشبّهه بحيوان "ليمور سيفاكا" الذي رآه في نواحي مدغشقر. لا أعرف هذا الحيوان، ولا سمعت به من قبل، لكن فريدمان يصفه بأنه يبالغ في الحركة والتلويح بذراعيه إلى أعلى وإلى أسفل ليبدو كأنه يتحرك، تمامًا كما يبالغ نتنياهو: حركته بلا بركة، وهمه أن يشغل الناس عنه كي يصمد في السلطة فلا يغادرها إلى ظلام السجن.

إقرأ أيضاً: طوفان الأقصى أم طوفان سليماني؟

حسنًا... قرأ الكثير من العرب ما كتبه فريدمان فاستشاطوا عيظًا. لماذا؟ ألأن الحقيقة جارحة دائمًا؟ أم لأن منكم من يريد أن يكون هو الأسد، وألا يكون في غابته إلا الفئران؟ أم لأن كثيرًا منكم يريد أن يتمسك بجناحي هذا الدبور الممانع ليدعي فخر لسع الملك؟ أم لأن منكم من يتحسّر على ملك أميركي يقف عاجزًا إلا عن إحراق مملكته كلها؟ أم لأن العنكبوت التي تختبئ في جحرها غير عابئة بمن يموت وبمن يعيش صارت اليوم عنوانًا للبطولة؟

مذهل أن نلتقي بمن يقتنع اليوم بأن إطلاق صاروخين على سوريا والعراق، وآخرين على اليمن، يكفي ليغمد الدبور الإيراني مخرزه ويولي الأدبار، بعدما استثمر من المال كثيرًا ومن الرجال عددًا كبيرًا لييرى بأم عينه يرقاته وقد صارت دبابير مثله. كلا، هذا ما كفا المؤمنين شر القتال منذ عام 1979 حتى الساعة، لا في العراق ولا في سوريا ولا في لبنان ولا في اليمن. ومخيب أن نلتقي بمن يرى أن الدبور هذا مخلصنا من براثن صحب السيفاكا الأنذال والمجرمين. لا بد أن الطائفتين هاتين تجتمعان على حب الخيبات.

إقرأ أيضاً: صححوا معلوماتكم عن الكورد

برأيي، اتركوا قراءة الكتاب والمحللين والمتفلسفين العرب، فكل ما يقولونه هراء بهراء. اقرأوا الغرب والغربيين. فهؤلاء يعرفوننا حلّة ونسبًا، ويفهمون ما لا نفهم، ويعون ما لا نعي. ومن يرَون الآن إني مستغربٌ تاركٌ عروبتي، فليبقَوا مستشرقين وأعرابًا ما بدا لهم، ففي عيني الآن أن قراءة "نيويورك تايمز" مفيدة أكثر من قراءة "كليلة ودمنة"، وأن توماس فريدمان أفقه في وصف حالتنا من ابن المقفع.