إيلاف: كما كل عام يعود شهر رمضان "بحلته" المختلفة تماما عن بقية الشهور . هذا الشهر الذي يعتبر الصوم فيه إمتحان لقدرات الإنسان على الإرتقاء إلى مستويات عالية من الروحانية خرج عن مساره الطبيعي منذ مدة من الزمن .فشهر رمضان لم يعد يقتصر على الروحانيات والأدبيات وممارسة التعبد ، على العكس ، فبالكاد يجد الصائم وقتا لهذه الأمور وسط الجدول الحافل الذي دأبت الجهات المنتجة على تأمينها لهذا المستهلك .
ثلاثون يوما من الإستهلاك المتواصل ، هذا هو ببساطة شهر رمضان ..إستهلاك لكل ما يقدمه المنتج من سلع وبرامج تلفزيونية وألعاب وإعلانات وخيم وحفلات من خلال عروضات وحسومات من شأنها أن تستأثر بإهتمام الجمهور لتحويل إنتباهه عن كل ما قد يمنعه عن الإستهلاك .
حالة من الإستنفار التام تعم المراكز التجارية والشركات المصنعة للمأكولات ومتعهدي الحفلات والأفلام والبرامج التلفزيونية في محاولة لتلبية حاجات الصائمين لتبلغ هذه الفوعة الإستهلاكية ذروتها خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان وما تتضمنه من تأمين ملابس ومخططات لولائم عيد الفطر.

الطعام ثم الطعام

يحتل الإفطار الحيز الأكبر في حياة الصائم فتستيقظ ربة المنزل صباحا في حالة من الذعر والحيرة حول الأصناف التي من المفترض أن تقوم بتحضيرها . فتعلن حالة إستنفار عامة في المنزل وتشرع بالإستفسار عن الأصناف المطلوبة وإن كانت معظم أطباق رمضان ثابتة. وهكذا تبدأ ربة المنزل بتجنيد بناتها للعمل وتبدأ عمليات التحضير قبل ساعات من موعد الإفطار .

وبعد الإنتهاء من تناول الطعام والتنظيف ، يتم تقديم الحلويات ،حينها تتوقف عمليات الطبخ والاكل لفترة محدودة من الزمن لتعود من جديد خلال فترة السحور .. وهكذا دواليك حتى إنتهاء الثلاثين يوما .
ووسط هذا الجدول المزدحم من الطبخ والأكل ومحاولة هضم ما تم إدخاله من طعام إلى الجسم بالكاد يجد هذا الصائم الطاقة والوقت الكاف للإلتفات الى "روح" هذا الشهر .
هذه الهجمة على الطعام تعتبر بالنسبة للجهات المنتجة منجم ذهب لا ينضب ،فشهر رمضان يعود كل عام ، وكل عام تقوم الجهات المعنية بدفع الصائمين الى مزيد من الإستهلاك وسلاحها هو الإعلان .
للإعلان ثأثير بليغ في مجمل النواحي الإنسانية يسحب الإنسان دون وعي الى هدفه المنشود . وهذه القاعدة تنطبق حتى على اولئك الذين يدعون أن لديهم المناعة القوية لمواجهة الأساليب المختلفة التي يستخدمها الإعلان لتحقيق مآربه . والسبب في ذلك يعود الى إضطلاع مصممي الإعلان بالعوامل النفسية والفكرية والإنسانية مما يجعلهم يتعاون مع عالم اللاوعي لدى الفرد فتؤثر فيه الإعلانات دون أن يشعر أو يدري . ويحاول المعلنون دائما إظهار السلع المعلن عنها بأنها الأكثر تفوقا والأكثر جودة والأحسن جمالا . وللإعلان واللغة علاقة خاصة يؤثر في الواحد منهما في الآخر ويتأثر به من هنا كان التركيز في الإعلانات في رمضان على لغة وعادات هذا الشهر .
فيتحول الهلال الى مجموعة متراصة من الفطائر، ويتم إستبدال لغة الإعلان بتمنيات بصوم مقبول وإفطار شهي .
تلاعب مباشر لا يحمل في طياته أي تعقيدات كون الجمهور مهيأ وبقوة للإستهلاك ، فلا حاجة لعناصر جذب أكثر من بعض الحسومات أو المغريات .. فالمعلن يعلم سلفا أن الصائم قابع أمام التلفاز يتابع مسلسلاته وفوازيه وبرامج الألعاب من الفترة الممتدة من الإفطار حتى السحور .

مسلسلات وفوازير رمضان

تتماشى البرامج التلفزيونية والمسلسلات مع الإعلانات ، فلا يمكن الفصل بينهما . فوسائل الإعلام تدأب لإتناج كم هائل من "المسليات" التي ستدعمها الاعلانات . وكلما لاقى البرنامج رواجا كلما أقبلت الجهة المعلنة للإستثمار فيه . وعليه وتحت حجة ترفيه الصائم تجنى وسائل الاعلام مبالغ خيالية من الأرباح .
فتعدل المسلسلات وتقاس على مقاس رمضان ، فالخطة المبدئية هي ثلاثون حلقة لثلاثين يوما ، لكن ذلك لا يمنع المعنين من "مدها " وفقا للنجاح _أي الأرباح _ التي يحققها البرنامج .. ومقياس النجاح هو مقدرة الجمهور على التلقي.
يتمتع التلفزيون حين نتعاطى معه كوسيلة سمعية وبصرية بقدرات هائلة قد يكون لها دور في تحريض وظائف النمو العقلي .ولقد حاولت هذه الوسائل في بدايات عهدها ان تكون تعليمية وتربوية وتثقيفية وحتى تكاملية ، الا ان الجمهور أعرض عنها . فالجمهور يريد التعليم عن طريق التسلية التي تدخل فيها المؤثرات الحسية والإنطباعية.
من هنا كانت برامج الألعاب .. فرمضان كريم والمحطة والشركات المعلنة أكرم . إتصل وشارك علك تربح مئة دولار. ناهيك عن الفوازير اما المسلسلات فحدث ولا حرج . شهرة غريبة تصيب الممثل الذي يشارك في مسلسل ناجح خلال رمضان ، وكأن المشاهد يربط بين هذا الشهر وهذا النجم .. فيكون سلواه في فترة مختلفة عن غيرها من أيام السنة .بطل مختلف عن بقية الأبطال . فيتم إختيار النخبة التي قد تدعم "الزخم" الذي تسعى المحطة الى تحقيقه . والتلفزيون في هذه المرحلة تحول الى اداة لشل الفعل وليس لدفع الفعل ، اداة إدمان على إستهلاك كل البرامج ، فيزداد التعلق بها ويرتفه مستوى الطلب .
لقد نجح التلفزيون بتحقيق مبتغاه ، فحول الافراد الى جموع "كليانية" متشابهة تقوم بالأشياء عينها وبالأوقات عينها .

للإفطار برامجه ، وللفترة تناول الحلوى برامجها وللسحور برامجه . كل ما عليه الصائم القيام به هو إستهلاك الطعام والخضوع لما تقدمه له شاشات التلفزة . تخدير كامل قد يبدو للوهلة الأولى صعب التحقيق ، لكن الواقع يدل على سهولة تحقيق ذلك . فهذا الجمهور يستقبل رمضان وهو متأهب لإستهلاك كل ما يعرض عليه .

الخيم والغناء

تميل الجهات المنتجة إلى عدم تفويت الفرص التي من شأنها أن تعود عليها بالأرباح ، فقلما يعنيها الحفاظ على روحية عيد ما ، همها الأول والأخير السبل لإستهلاك أكبر . وتماشيا مع الجو العام ، تستمد هذه الجهات أفكاراها من "جوهر " المناسبة وينساق "الزبون" في حمى الشراء .
تشكل الخيم جزءا من خطة الإستهلاك الرمضانية ، هي وببساطة بديلا للحياة الليلة خلال بقية أشهر السنة . فهذا الصائم "المحب للسهر" ، لن يجد الشجاعة الكافية لممارسة عادته الليلية ،فتم إيجاد البديل ..سهرة فنية خالية من المحرمات .
وعليه يقوم أصاحب النوادي والملاهي الليلية إلى الاستثمار في خيمة ما تلبية للرغبة الصائم في السهر وانما في في إطار " شرعي مقبول " لها . وعلى الرغم من التشويه الهائل الذي تلحقه هذه الخيم بروحية الشهر ، لكن الملام الوحيد في هذه الحالة هو الصائم نفسه .
فصاحب الخيمة هدفه الربح وفي سبيل ذلك يبيح لنفسه القيام بكل ما هو ضروري لتحقيق ذلك ، الا ان مهمة القبول او الرفض تقع على عاتق الزبون . قدم التاجرعرضه مع بعض المغريات وبلمح البصر خضع الزبون . معادلة بسيطة ، يصوم خلال النهار ويرقص خلال الليل ويفصل الدين على مزاجه وأهوائه .

ففي الوقت الذي من المفترض ان تنخفض نسبة الإستهلاك خلال شهر رمضان و لانصراف المسلم او المسلمة الى تأدية واجباتهم الدينية ، لكنها تزيد اضعاف الأضعاف . فعدد كبير من الصائمين لا يجدون الوقت للقيام باكثر من الصلاة ، فيكون النوم حين تسنح الفرصة خلال النهار ، ثم الاكل والخروج او مشاهدة التلفاز خلال الليل .
.. لقد قام الصائمون بتحقيق حلم كل معلن وكل وسيلة إعلامية ، فيستقبلون الشهر بشهية لا تنضب عن الإستهلاك . جمهور متلق بلا أي فاعات مهما إرتفعت الأسعار والحجة دائما .. شهر في السنة .. ورمضان كريم .بالطبع رمضان كريم .. كريم بسخاء على الجهات المنتجة .