"ميزوبوتوميا" او بلاد النهرين، مشروع طموح للكاتب والمفكر العراقي "سليم مطر" المقيم في جنيف، يتمثل في دورية ثقافية تُعنى بالهوية العراقية، صادرة عن مركز دراسات الأمة العراقية. وهي بهذا تتبع الخط الفكري الذي يحمله مطر، ويبشر به منذ سنوات عبر كتبه "الذات الجريحة"، "جدل الهويات"، وفي عموم كتاباته المختلفة؛ التي تحاول التأسيس لفكرة الأمة العراقية المتعدّدة والمتنوعة، التي يجمعها تأريخ ومصير واحد، والأهم أرض واحدة. ومن افتتاحية العدد الأول نقتبس من سليم مطر العبارات التالية :"… نحن لا ندّعي اختراع "الهوية العراقية"، لأنها موجودة طبيعياً وحياتياً في أعماق كل عراقي، إنما نحن فقط نعيد اكتشاف وجودها المنسي والمهل، ونبلورها بحلة جديدة واضحة ومعاصرة اسمها "الأمة العراقية … ".
وضمن الهيئة الاستشارية للتحرير نقرأ أسماء : أمل بورتر، د.علي الثويني، حسين الموزاني، صباح مال الله، محمد مظلوم وآخرين. تبدأ المجلة بعد كلمة الافتتاح، بمقال لمطر أيضاً، يشرح فيه منهج ومواضيع "ميزوبوتاميا" والضوابط والشروط التي تحكم سياسة المجلة، والنصوص والآراء التي تنشر فيها. لا بل يقترح مطر مواضيع للنشر مثل : تاريخ وتقاليد وطقوس مختلف الفئات العراقية الدينية و"الأقوامية" والمذهبية : عرب، أكراد، سريان، صابئة، يزيدية وغيرهم، إجراء حوارات مشتركة بين ممثلي طوائف وتيارات عراقية مختلفة، خصوصيات اللغات العراقية المتعددة : عربية، كردية، سريانية، تركمانية وغيرها،إضافة الى العديد من المواضيع التي تعمل على إغناء وتعميق مفهوم الهوية الوطنية العراقية، وتصل بها الى مستوى الأمة.
كما تعلن المجلة ان عددها المقبل سيكون خاصاً بالمرأة العراقية؛ سيتم التعرّض فيه لنساء خالدات من العراق مثل : سمير أميس، عشتار، الخيزران، زبيدة، الصوفية رابعة العدوية، وغيرهن من الفنانات والرسامات والشاعرات المبدعات من جميع ألوان الطيف العراقي، وبالطبع فان الدعوة موجهة بشكل خاص للكاتبات العراقيات للمشاركة في تحرير هذا العدد من المجلة.
من مواضيع العدد الأول، نقرأ في باب تربية وتعليم دراسة موسّعة للدكتور إسماعيل نوري الربيعي عن "تاريخ التعليم في العراق في العهدين العثماني والملكي"، معزّزة بالجداول والإحصائيات العلمية، وتبحث علاقة التربية والتعليم بالفكر والعمل السياسي، وكذلك بتطور الثقافة العراقية.
كما تبحث عشتار البرزنجي في تاريخ وجغرافية " نينوى .. الموصل"، وديموغرافيتها البشرية وثقافتها عبر التأريخ، ومعالمها البارزة ومرافقها الشهيرة، في باب مدن ومناطق عراقية.
يفتتح الأستاذ نصرت مردان - سكرتير التحرير- باب لغات عراقية بترجمة موضوع للباحث التركمانستاني بكمراد غراي بعنوان "هل ثمة صلة لغوية بين السومرية والتركمانية"، مرفق بألفاظ وتعابير متشابهة بين اللغتين.
نزار آغري كتب موضوعاً بعنوان "لغة كردية واحدة… أم لغات"، يبحث في اللهجات الكردية واللغات التي يستخدمها الأكراد القاطنين في أماكن مختلفة من الشرق الأوسط.
صباح ما الله يسجل "كلمات آرامية ما زالت حية في العامية العراقية".
الأكاديمية العراقية أمل بورتر تتابع "هجرة آلهة وادي الرافدين" في أرجاء العالم القديم في باب أديان ومعتقدات.
في نفس الباب نقرأ دراسات عن "المهدي المنتظر" للدكتور نوري المرادي، وعن "الحلاج بين خيال الشعر وشطحات الصوفية" للدكتور علي ثويني، وأخيرا دراسة عن "علم الكلام ودور العراقيين في الإبداع الفلسفي" للدكتور محمد باسل الطائي.
تشير هيئة التحرير الى انها :" … تفضل ان لا تنشر النصوص الأدبية من شعر وقصة لوجود ما يكفي من الصحف والمجلات المهتمة بهذا المجال … انها تفضل نشر أدب المذكرات والسيرة الذاتية المتعلقة مباشرة بزمان ومكان عراقيين".… في باب سيرة وذكريات، لتشجيع أدب السيرة الذاتية والذكريات لأنه شبه مغيّب عن الإبداع العراقي. في هذا العدد تستضيف المجلة الروائي "حسين الموزاني" المقيم في ألمانيا، ليكتب لنا نصا بعنوان :" انه الماضي، جئت لأدفنه …" عن عودته الى العراق في أعقاب سقوط نظام صدام، "والمفاجآت" التي صادفها.
في باب عرض الكتب، يقرأ محمد الأحمد كتاب الأكاديمي الفلسطيني حنا بطاطو :"الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية"، باعتباره واحد من أهم الكنوز المعرفية في دراسة العراق.
في باب التراث الشعبي يكتب نبيل يونس دمان عن "الطب الشعبي في القوش"- مدينة كلدانية عريقة في الموصل.
بينما يعود الدكتور جمال السامرائي الى موضوع "السعلاة او السعلوّة" في حضارة وادي الرافدين".
وفي باب فئات الوطن دراسة من أعداد نصرت مردان عن "الشبك"، وهي فئة عراقية تعيش في الموصل وبعض الأجزاء الشمالية من العراق، ولا يُعرف عنها الكثير بين عامة الناس.
ومن تجارب الأمم، نقرأ عن"تجربة الأمة السويسرية بين التنوّع والتوحد" باعتبارها حالة مقارنة او مشابهة للوضع العراقي الى حد ما، كتب الدراسة الباحث السويسري روجيه دي باسكيه.
في النهاية، هناك ملف رئيسي كبير عن "مشروع الدستور العراقي"، يتضمن نصوص الدساتير العراقية السابقة من عام 1925، وانتهاء بالنص المعدل لـ "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" الصادر في 8 أب 2004.
وقد قام العديد من الكتاب والمثقفين والهيئات والمنظمات العراقية بالتعقيب والتعليق على هذه النصوص الدستورية، ومن بينهم: محمد مظلوم، عمر الكبيسي، محمد عارف، آية الله اليعقوبي، مجموعة العمل العراقية وآخرين.
تبدو "ميزوبوتاميا" غنية بموضوعاتها وكبيرة في حجمها،اِذ يتجاوز عدد صفحاتها المائتين من القطع المتوسط. وربما يصح اعتبارها "مجلة دراسات عراقية" بالمعنى الواسع للكلمة، تهدف الى التأسيس والتأصيل لثقافة عراقية منفتحة على التيارات والأطياف والتجارب المختلفة في عراق الماضي والحاضر.
نتمنى للمجلة الاستمرار في تأدية رسالتها الاستثنائية، في هذا الوقت العصيب الذي تمرّ به "الأمة العراقية".