أطرح سؤالين في الجزء الثالث من هذه السلسلة المخصّصة لمحضر اللقاء الأخير بين الرئيس السوري حافظ الأسد وكمال جنبلاط الذي نشره الدكتور هادي وهّاب (اللقاء القاتل. دار نوفل. 246 صفحة. 2025): 1) هل كان كمال جنبلاط ممانعًا؟ 2) ما كان مشروعه للإصلاح السياسي في لبنان؟ وكما بالجزأين الأوّلين، أحصر الإجابات بالكتاب/المحضر الذي أنا بصدده، مع الإقرار طبعًا باستحالة إيفاء المسألة حقها بالاتكّال على مرجع واحد، رغم أهميّته. المحضر مساهمة بفهم كمال جنبلاط وليس حكمًا نهائيًّا عليه.

بالنسبة للسؤال الأوّل، يشي خطاب كمال جنبلاط في لقائه الأخير مع الأسد أنه المؤسّس الأصلي لما صار لاحقًا خطاب الممانعة في لبنان، من جهات ثلاث: أوّلًا، الكراهية العميقة للموقف اللبناني الساعي لتجنب الانخراط في الصراع العربي - الاسرائيلي. ثانيًا، الإصرار على ضرورة انخراط لبنان كليًّا في هذا الصراع. وثالثًا، تخوين رافضي ما سبق من المسيحيّين كصهاينة.

سأل كمال جنبلاط الأسد: "ليش ما يصير لبنان فعلًاا دولة مواجهة ! وبيصير عندو جيش قوي، ومنعمل تجنيد الزامي...هيك أنتم كمان بتكونوا تخلّصتم في سورية وكلّ العرب من هذا السرطان اللبناني. لأنكم أنتم تتأثرون بهذا السرطان... مركز للمؤامرات. مركز للجاسوسيّة الدوليّة!" (صفحة 27). وأضاف جنبلاط عن الحرب اللبنانيّة: "هي فرصة تاريخيّة للحركة الوطنيّة لتغيير الوضع ونصير دولة تقدميّة مثل سوريا". (صفحة 197). كما أوضح للأسد أن هدفه هو إقامة "حكم جبهوي على الطريقة اللّي عندكن هون" (صفحة 161)، مضيفًا "إذا وصلنا إلى الحكم في لبنان بدنا نجيب وزير فلسطيني إلى الحكومة اللبنانيّة لكي يعبّر عن مصلحتهم". (صفحة 220).

تتخطّى كراهية كمال جنبلاط لـ "السرطان اللبناني" السياسة، لتصل إلى الأدب. هكذا، لاحظ جنبلاط أن المدارس اللبنانيّة لا تخصّص ما يكفي من الوقت لدراسة الأدب العربي، وتفرد بالمقابل مساحة للكتاب اللبنانيّين. أسف جنبلاط لأن الطلّاب اللبنانيّين "يدرسون الأدب اللبناني تبع الانحطاط الذي لا يساوي شيئًا" (صفحة 20). كما أسف جنبلاط لأن "ما كان في غير صحيفة واحدة في لبنان عربيّة، أو قل إسلاميّة. والباقي كلّها صحف انعزاليّة تدعو إلى تفكير انعزالي". (صفحة 82). لماذا، والحال هذه، عمل وليد جنبلاط لفترة بجريدة "النهار" الانعزاليّة؟ لا جواب بالمحضر.

ماذا عن المسيحيّين الرافضين لكلّ ما سبق؟ هم "انعزاليّون" (صفحة 70). وإذ حاول الأسد تهدئة حملة ضيفه ضدّ من يستحقون "السحق"، ردّ الأخير : "يا عمّي، نحنا أخبر منكم بهؤلاء الانعزاليّين" (صفحة 106)؛ وتابع كمال جنبلاط: "خلّينا نخلّص على هذه المؤسّسة التي اسمها صهيونيّة – كتائبيّة" (صفحة 136)؛ مضيفًا: "هؤلاء هم صهيونيّة العرب. فهم بلّشوا بالقضيّة الصهيونيّة قبل إسرائيل". (صفحة 157).

لاحقًا، ورث الممانعون الشيعة في لبنان كلّ ما سبق، بالشكل واللغة (عنيت هجاء "الانعزاليّين" واستسهال وصمهم بـ "الصهينة")، والأهمّ، بالمضمون، (عنيت كراهية لبنان الجمهوريّة الأولى الذي حيّد نفسه عن الصراع العربي – الإسرائيلي، قبل أن يحوّله الممانعون الشيعة إلى دولة مواجهة). من هذه الزاوية، تبدو جوانب أساسيّة من لبنان الذي صنعه حسن نصرالله خارجة مباشرة من خطاب كمال جنبلاط.

ماذا عن الإصلاح السياسي؟ يقول جنبلاط إن الأزمة بلبنان قبل كلّ شيء لبنانيّة - لبنانيّة: "الأزمة بيننا بالأوّل. أزمة نظام" (صفحة 72). ما الحلّ؟ قد يبدو مفاجئًا نظرًا لحدّة مشاعر كمال جنبلاط تجاه المسيحيّين أنه لم يكن بالضرورة يريد نزع الرئاسة منهم. عندما قال له حافظ الأسد إن "رئيس الجمهوريّة سيكون مارونيًّا" بعد الحرب، ردّ جنبلاط: "لكن مش رح ينحطّ هذا بالدستور...ولا يحنطّ كوثيقة دستوريّة...نحنا منّا مطالبين بالرئاسة" (صفحة 39).

ما المطلوب إذًا؟ الجواب أتى لاحقًا عندما قال جنبلاط للأسد إن نظام لبنان برلماني، وأن في الأنظمة البرلمانيّة: "رئيس الجمهوريّة منصبه منصب تمثيلي فقط" (صفحة 182). أضاف جنبلاط: "اللي بدنا ياه هو المشاركة الديمقراطيّة بحيث يكون لرئيس الحكومة الحق بتأليف حكومته بالاستقلال عن رئيس الجمهوريّة" (صفحة 183). باختصار: لا مشكلة بأن يبقى منصب الرئاسة مارونيًّا بعد تحويله إلى "منصب تمثيلي" أي شكلي، مع إطلاق يد رئيس الحكومة بها. يحصل هذا بعد إلغاء الطائفيّة السياسيّة، ما يفتح أمام جنبلاط الطريق إلى رئاسة الحكومة، وأيضًا التحكّم بالغالبيّة النيابيّة باعتبار أن المسلمين يمثلون 60 بالمئة من اللبنانيّين (صفحة 148).

الجزء الرابع: كمال جنبلاط والعلمنة