أرجأت إسرائيل هدم نادٍ لكرة القدم للأطفال الفلسطينيين في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة، بعد حملة دولية لإنقاذه.
وتقول السلطات الإسرائيلية أن ملعب مركز عايدة للشباب قد شُيّد دون الحصول على التراخيص اللازمة، وأن الهدم ضروري لأسباب أمنية.
وحظي النادي - الذي يقول داعموه إنه يوفر فرصة رياضية نادرة للاعبين الفلسطينيين الصغار - بحملة إنقاذ دولية تضمنت عريضة جمعت أكثر من نصف مليون توقيع وتدخل كبار المسؤولين من بعض الهيئات العالمية والإقليمية لكرة القدم بعدما نشر المجتمع المحلي مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويبدو أن هذا التحرك قد أجبر السلطات الإسرائيلية على إعادة النظر في قرارها؛ إلا أن النادي أفاد بأنه لم يتلقَّ أي إشعار رسمي حتى الآن.
لا يتجاوز حجم النادي عُشر حجم ملعب كرة قدم كامل، وتظهر بقع الصدأ على قوائم مرماه، ويمتد الجدار الأمني الخرساني الإسرائيلي على طول أحد خطوط التماس، مُجسداً بذلك رمزية الصراع.
ورغم أنه قد لا يُصنف ضمن أبرز الملاعب الرياضية في العالم، إلا أن هذا النادي الكروي للأطفال وجد نفسه في قلب حملة دولية شرسة من أجل إنقاذه والإبقاء عليه.
فقد نال النادي فرصة للنجاة من خطر الهدم الذي كان يهدده من قِبل الجيش الإسرائيلي، الذي ادعى أن الملعب قريب جداً من الجدار الأمني.
وعلمت بي بي سي أنه تم اتخاذ قرار سياسي بتأجيل أمر الهدم "في الوقت الراهن".
"إذا هدموا ملعبنا، فسوف يهدمون أحلامنا"
وفي تلك المنطقة التي تشهد انقساماً شديداُ، هناك الكثير من الأمور المتنازع عليها؛ بدءاً من هويات ومعتقدات الناس الذين يعيشون هنا، وصولاً إلى كل شبر من الأرض التي يقفون عليها.
في الآونة الأخيرة، أصبح ذلك يشمل رقعة صغيرة من العشب الصناعي موجودة تحت ظل الجدار الخرساني العملاق الذي يعزل إسرائيل عن جزء كبير من الضفة الغربية المحتلة.
بريطانيا تستذكر انتدابها على فلسطين التاريخية، وتضع الفلسطينيين بين "وعدين"، فما القصة؟
وفي سياق هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والحرب التي استمرت عامين في غزة، وهشاشة وقف إطلاق النار الحالي، هناك بلا شك قضايا أكثر إلحاحاً بكثير.
ومع ذلك، فهذه القصة مليئة بالرمزيات، وقد حظيت باهتمام دولي كبير بسبب ارتباطها بتلك اللعبة التي أصبحت أشبه بديانة عالمية أخرى، ألا وهي كرة القدم.
في يوم زيارتنا، كانت مجموعة من الأطفال الفلسطينيين يصطفون لتسديد ركلات الجزاء تحت أشعة شمس الشتاء.
بدأ بناء هذا الملعب على أطراف بيت لحم في عام 2020، وهو يوفر اليوم مكاناً للتدريب لأكثر من 200 لاعب ناشئ من مخيم عايدة للاجئين القريب من المنطقة.
وتضم الشوارع الضيقة والمزدحمة منازل أحفاد العائلات الفلسطينية التي أُجبرت على الرحيل أو فرّت من بيوتها خلال حرب عام 1948.
وفي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2025، وبينما كان الأطفال يسيرون مسافة قصيرة من المخيم لحضور تدريب في ذلك اليوم، وجدوا إشعاراً مثبتاً على بوابة ملعب كرة القدم، يعلن أن ذلك الملعب غير قانوني.
وأُتبع الإشعار بعد ذلك بوقت قصير بأمر بالهدم.
قالت لي نايا البالغة من العمر 10 سنوات، وهي ترتدي قميصاً لمنتخب البرازيل يحمل اسم أسطورة كرة القدم نيمار: "ليس لدينا مكان آخر نلعب فيه".
وأضافت: "نحن نبني أحلامنا هنا. إذا هدموا ملعبنا، فسوف يهدمون أحلامنا".
سألت لاعباً شاباً آخر، واسمه محمد، عن رد فعله عندما سمع خبر أن الملعب قد يُهدَم.
فأجابني: "لقد كنت مستاءً. أهتم حقاً لأمر هذا الملعب".
عائلات شلال العوجا بين الرحيل والبقاء في ظل اعتداءات المستوطنين
وضع معقد
الجدار الظاهر في الأفق، والذي يمتد على طول أحد خطوط التماس، لا يُمثل سوى طبقة من الطبقات العديدة المعقدة التي تُشكل أساس الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي يريدها الفلسطينيون كأساس لدولتهم المستقبلية.
فعلى الصعيد العسكري، تمارس إسرائيل سيطرتها على كامل الضفة الغربية.
أما السيطرة الإدارية فهي مقسمة بين مجموعة من المناطق التي يديرها الفلسطينيون، والمناطق التي يديرها الإسرائيليون.
وقد رُسمت الخرائط التي تستند إليها تلك التقسيمات كجزء أساسي من اتفاقيات أوسلو، التي وُقعت في التسعينيات من قبل إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وقُسّمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق.
ومثّلت المنطقتان "أ" و "ب" جيوباً من الأراضي التي مُنحت السلطة الفلسطينية السيطرة المدنية عليها.
وفي المناطق "أ"، مُنح الفلسطينيون كذلك سيطرة أمنية اسمية.
وكان من المقرر أن تبقى المنطقة "ج"، التي تمثل أكثر من 60 في المئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة مؤقتاً.
وكانت الفكرة هي أن يجري نقلها تدريجياً إلى الحكم الذاتي الفلسطيني مع استمرار المفاوضات.
وعلى الرغم من أن ذلك لم يحدث أبداً، إذ يلقي كلا الجانبين باللوم على الآخر في فشل عملية السلام، إلا أن تلك الخرائط لا تزال تشكل الأساس للكثير من الجوانب المرتبطة بكيفية إدارة الضفة الغربية اليوم.
وتُصنف مدينة بيت لحم نفسها كمنطقة "أ".
ومع ذلك، فإن الخرائط تُظهر أن إسرائيل تمارس السلطة المدنية في المنطقة "ج" على جزء كبير من المنطقة الريفية المحيطة بالمدينة.
وقد بدأت إسرائيل ببناء جدار خرساني في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في مواجهة موجة من التفجيرات الانتحارية الدامية وغيرها من الهجمات التي نفذها فلسطينيون وأسفرت عن مقتل المئات من الإسرائيليين.
وتقول إسرائيل إن هذا الجدار ضروري لحمايتها، وإنه ساهم بشكل كبير في خفض عدد الهجمات.
في المقابل، يقول الفلسطينيون إن الجدار - مع ازياد طوله - تحول إلى أداة عقاب جماعي، حيث يفصلهم عن أماكن عملهم، ويقسّم مجتمعاتهم، ويستحوذ فعلياً على أجزاء من أراضيهم.
وتمثل رقعة الملعب الصغيرة والضيقة على الجانب الفلسطيني من الجدار، محل النزاع الحالي في بيت لحم.
فبالنسبة للفلسطينيين، يُسلط النزاع حول ملعب كرة القدم الضوء على ظلم أوسع نطاقاً.
فبينما يُحرمون من حقهم في الاحتفاظ بمنشأة رياضية صغيرة على حدود إحدى مدنهم، تُقر إسرائيل مستوطنات جديدة واسعة النطاق في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، والتي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ولربما يكون الخطر المباشر قد زال الآن عن ملعب كرة القدم، لكن النادي لا يعرف ما سيحمله المستقبل من جديد.
"سنواصل حملتنا"
بالنسبة لسكان مخيم عايدة الذين كانوا يبحثون عن مساحة لبناء ملعب كرة قدم، كانت تلك مساحة الملعب كبيرة بما يكفي لتلبية احتياجاتهم.
أما بالنسبة لإسرائيل، فلا تزال تلك المنطقة جزءاً من المنطقة "ج"، وهي محددة كذلك على الخرائط، على الرغم من أن بناء الجدار قد تركها معزولة في جانب بيت لحم.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن المساحة كانت شاغرة في عام 2019، ثم عاماً بعد عام، يصبح بالإمكان رؤية الملعب وهو يبدأ في اتخاذ شكله، ويتناسب تماماً مع حدود الجدار.
- بيت لحم تحاول استعادة بهجة عيد الميلاد بعد عامين من حرب غزة
- الضفة الغربية المحتلة: أراضٍ فلسطينية مقطعة الأوصال ومستوطنات إسرائيلية متنامية
ويعتقد نادي كرة القدم، الذي يقول إنه حصل على إذن شفهي في عام 2020 لبناء الملعب، أن التهديد بالهدم يتجاوز بكثير مجرد مسألة تتعلق بقانون التخطيط.
- المجلس الأمني الإسرائيلي يصادق على إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المُحتلة
- كيف يستقبل العرب عام 2026؟
قال لي محمد أبو سرور، أحد المسؤولين في مركز شباب عايدة: "لا يريد الإسرائيليون أن يكون لدينا أي نوع من الأمل، ولا يريدون أن تتاح لنا أي فرصة".
وأشار إلى أن الفكرة تكمن في جعل الحياة صعبة بشكل متعمد، "ففي اللحظة التي نفقد فيها الأمل والفرصة، [يعتقدون أننا] سنرحل. هذا هو التفسير الوحيد بالنسبة لنا".
وأعرب محمد أبو سرور عن خشيته من عودة الخطر عندما تبتعد الأضواء عن النادي، قائلاً لي: "سنواصل حملتنا".
- ما معنى أن تضم إسرائيل الضفة الغربية، وهل يمنعها ترامب من ذلك؟
- مسؤول عسكري إسرائيلي لبي بي سي: لا سقف زمنياً للعمليات في الضفة الغربية
- ماذا نعرف عن مجلس السلام في غزة وأعضائه؟



