السينما المصرية، تملك لغة سينمائية ذات شيفرة مميزة بين وسط كبير من جمهور المشاهدين العرب، وإذا كان ثمة مقياس لفحص تطور الثقافة الشعبية في البلدان العربية، فإنّ السينما المصرية نموذج حيّ لمعرفة تطور الحساسية الجمالية في المجتمع العربي، ومعرفة المشكلات الأساسية التي تضرب بجرانها في هذا المجتمع. ولا شكّ في أنّ هذه السينما قناة من قنوات الثقافة الشعبية، التي تنسرب إلى البيت العربي مع مجموعة من المؤثرات السينمائية الخادعة، لترويج فكرة معينة، تارة تكون موجّهة، وتارة على غير ذلك. وهذا يعني أنّ الخطاب السردي المرافق لهذه السينما، إنما هو خطاب على علاقة وثيقة بتطور نظام القيم في المجتمع العربي، فهذه السينما تحرص على أنْ تنتخب موضوعاتها من منظومة القيم العربية المتداولة في المجتمع العربي كقيم الحبّ والبطولة والصدق والعدل والأخلاق والثورة والمثاقفة. لكنها في أحيان كثيرة، تعمد إلى تزييف هذه القيم تحت وطأة الشروط التجارية، مما جعلها عرضة لانتقاد شديد من لدن المؤسسات الدينية المحافظة كالأزهر الذي شنّ حملة انتقادات واسعة بحقّ كثير من الأفلام المصرية، وحجته في ذلك هو خروجها على نظام القيم العربية والإسلامية.
وأوجز ما أقوله في هذه السينما، إنها مبدّدة لمواهب جملة كبيرة من الفنانين المصريين الموهوبين، الذين لايقلّون أهمية من كبار الممثلين في العالم. فهي لم تستغل نجومية بعض الممثلين الكبار، بل ظلّت تدور في سياق تقني وفكري واحد، لم تستطع أن تحيد عنه، لأنها كانت منذ البداية أسيرة فكرة جوهرية، هي أن الفيلم ليس بوسعه أن يكون إلا مادة للتسلية، واستهلاكاً لفائض الوقت الذي يعاني منه المجتمع العربي. ونظراً لهيمنة هذه الفكرة، فإنّ أقصى ما قدّمته هذه السينما، هو الوعظ المباشر، الذي يُقَدَّم في نهاية الفيلم، فهو خاضع لنمط من التتابع الخطّي يبتدئ بالمشكلة المفبركة وينتهي بفبركة حلول قد لا تكون ناجعة لجوهر المشكلة، المهم أنها تنطوي على قدرة خاصة للضغط على الجانب العاطفي أو الغرائزي لدغدغة وجدان المشاهد. ولأنّ هذا الوعظ لم يقدَّم إلى هذا المشاهد في طبق فني، فلم يكن عنده شيئاً ذا بال أبداً.
لقد انتُهِكَ الفيلم المصري، من قبل أسوأ أنواع ( التجارة )، فَصُنِّفَتْ هذه الأفلام على أنها ( أفلام تجارية) في المقام الأول؛ أي أنها خاضعة لاشتراطات مالية قاسية، تنشد تحقيق قاعدة الربح السريع في الكلفة الأقل. وفي ظل هذا الانحدار، غاب التخطيط العام الذي تتبناه المؤسسات الاستثمارية الكبرى في البلد، التي تعمد إلى إنجاز مشاريع استثمارية كبرى في قطاع الإنتاج السينمائي، يصاحبها برنامج إصلاحي واسع، يهدف إلى النهوض بالسينما المصرية من فن يقوم على ( الكاميرا)، و ( الكلام)، إلى صناعة متخصصة، تصنِّع كلّ مواد الفيلم، وتحسب حساباً لكلّ شاردة وواردة، ولا تترك حبل الشريط السينمائي على غاربه.
عندما نقول سينما تجارية، فهذا يعني أنها عرضة للـ ( الحذف)، و( الإضافة)، غير المبررة فنياً، التي لا تكترث بقدرات الكتّاب والممثلين، وطاقم الفنيين الآخرين، بل تهدف إلى تكوين طبقة من المتنفذين الذين يشكلون قوة لا يمكن اختراقها، وتمرير مشروع فني ذي مواصفات عالية على حساب الربح. ولعلّ المشاهد الكريم، يتذكر معي تلك المناظر المقحمة التي استغرقت عدّة دقائق في هذه الأفلام، لا لغاية فنية، إنما لغرض الحصول على تمويل بعض المؤسسات السياحة. حتى أنك، لا تتورع أحياناً، من أن تطلق عليها تسمية: أفلام سياحية. إنّ الاستهزاء بالمشاهد، وتهميشه، بلغ حدّ أنّ معظم هذه الأفلام، تعمد إلى تكرار ( فكرة الفيلم)، أو ( تكرار صورة ) من صوره، حتى أن هذا المشاهد صار يتقن ما ينتهي إليه هذا الفيلم، أو هذه الصورة.
وعلى الرغم من أنّ السينما، فن التعبير بالصورة، لكنّ السينما المصرية يمكن وصفها بأنها: سينما سردية، بمعنى آخر، أنها تعبّر عن معظم أفكارها بـ ( القصّ)، أو ( سرد الوقائع بالكلام التعاقبي)، وهذا عيب من عيوبها، التي لم تقدر على التخلي عنها بعد.
وبعد هذا، ألا يحقّ لنا أن نتساءل: ما نوع الثقافة التي تقدِّمها هذه السينما إلى المشاهد العراقي، أو العربي؟. بالنسبة لنا فإنّ سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات شهدت إدماناً من قبل طبقة واسعة من المشاهدين العراقيين للفيلم المصري، ودعونا نتذكر، أنّ المستشارين الثقافيين للنظام السابق كانوا يقترحون إشاعة كلّ أصناف الثقافة الهابطة، التي قيل إنها لا تنطوي على خطورة سياسية، ولا خطورة إيقاظية. فما دامت هذه الأفلام تدغدغ غرائز المشاهدين، عبر مَشاهِد شهوانية مقحمة، وظيفتها تخدير المشاهدين طيلة فترة المشاهدة، من دون القدرة على تطهيرهم من آثار الكبت، فإنها قناة ثقافية مرغوب فيها بالنسبة للنظام السابق، الذي كان يعمد إلى إشاعة ثقافة لا تحفّز العقل على التحليل، وإثارة الأسئلة، إنما تقنع بالطروحات التي تقدمها هذه الأفلام. لأنّ هذا المشاهد، لم يسمح له أن يتفرّج على سينما نقدية، كالسينما العالمية، التي اخترقت كلّ المحظورات، وقامت بتفكيك الأنظمة الثقافية العتيقة، بواسطة حجة سينمائية، وفكرية لا يرقى إليها الشك. لقد ناقشت السينما العالمية مسائل في غاية الأهمية، فقدمت الشيء ونقيضه في آن، كالسلام الذي يجري جنباً إلى جنب مع القتل، كما في فيلم العراب للممثل الكبير مارلون براندو، مع آل بتشينو. أو الأفلام التي حوّلت الخرافة إلى تحفة فنية، كأنها الحقيقة بعينها، كما في بعض أعمال جاك نيكلسون، أو تحليل العقدة الإنسانية في بعض التفاصيل الدقيقة في الحياة الاجتماعية، كما في بعض أفلام ساندرا بولاك، وسوزان سراندون، وسالي فيلد، وهيو غرانت، وجوليا روبرتس، أو في الفكاهة النقدية الهادفة، كما في بعض أفلام روبين وليامز، بيلي كونولي، وجيم كيري. إنّ الصنعة العالية، التي تفضي إلى الإقناع القوي المقترن بحجة، عن طريق استعمال ( البولوفونية) في تناظر الأصوات في داخل العمل السينمائي، تسمو بالمشاهد وبوجهة نظره، ولا تعمد إلى تهميشه واعتباره لا يفقه شيئاً في تحليل الواقعة السينمائية، عن طريق مصادرة رأيه.
لم تستطع السينما المصرية، أن تتغلب على عادة تكرار الموضوعات، والصور، كالمخدرات وتهريب الآثار، والاغتصاب الجنسي، ومشكلة السكن، ولعل أوج ما وصلت إليه هذه السينما هو النقد السياسي المرضيّ عنه من قبل السلطة التي أعملت المقصّ في بعض مقاطعه، ليمسّ مسّاً رقيقاً سياسة الحكومة. ولكي تبدو هذه السينما مجددة في موضوعاته، فإنها تقوم بحركات تكتيكية قد تتمثل في تبرير الخطأ أحياناً، وتتبنى وجهة نظر المخطئ أحياناً أخرى، مما ألّب عليها بعض الأوساط المحافظة. ومن ناحية ثانية، فإنّ الفيلم المصري لم يخل قط من مشهد جنسي، لغاية تجارية رخصية، فكانت أجساد الممثلات سخية في صناعة المشهد الشهواني، ولعلّ هذا المشهد، هو ما يعوَّل عليه في جني الأرباح من خلال زيادة تذاكر بيع الفيلم.
نحن لا نعترض على حرية قطاع السينما المصرية في ممارسة أعماله، ولكن يحقّ لنا أن ندعو إلى حماية البيت العراقي الذي يعيش في فوضى ثقافية الآن كمظهر من مظاهر العولمة التي طالت كلّ شيء بتقنيات الميديا الهائلة، من أخطار الثقافة التي يقدمها هذا الفيلم. إنّ عين المشاهد العراقي المدربة على شاشة واحدة، كما على رئيس واحد، تمرّ الآن في فوضى الانتقاء، والتمييز، بعد هجمة الفضائيات من كلّ حدب وصوب، ونحن لا ندعو هنا إلى اتباع سياسة المنع، فتلك سياسة اندثرت مع اندثار النظام السابق، فالمشاهد من حقه أن يختار، ونحن من حقنا أن نبصّر.
إنّ علّة السينما المصرية لا تعود إلى سبب واحد، ولذلك فإنّ الثقافة التي تقدّمها مصابة بنفس الداء، وليس بوسع المرء، أنْ يضع حلولاً شافية لأدواء هذه السينما دون أن يعالج كلّ المشاكل برؤية منهجية جذرية، من تمثيل وإخراج وإنتاج وسيناريو وتوزيع وخلق جمهور ذي استقبال فني جديد. وما العمل على تبديل حساسية مشاهد الفيلم المصري، سوى الخطوة الأولى للإصلاح، والخطوة الأولى لتقديم ثقافة بمواصفات جديدة أيضاً. لكنّ تحصين المشاهد العربي والعراقي من داء هذه الثقافة الساذجة، يبدو أمراً غير مقدور عليه الآن في ظلّ الأعمال الفنية الهابطة للبلدان العربية جميعاً.
وفي خطوة لتحديث السينما المصرية، بادر عدد من المخرجين إلى إنتاج باقة من الأفلام المصرية، التي تتحرّش بالمحظورات في الدين والسياسة والجنس، وذلك لتقديم مشاهد مثيرة، في محاولة لكسر حاجز المجافاة بينها وبين الجمهور العربي الآخذ بالتناقص يوماً بعد آخر، وخصوصاً بعد المدّ الفضائي الذي أتحف هذا الجمهور بعدد واسع من الأفلام الأجنبية الرصينة شكلاً ومضموناً. وعندما امتلك هذا الجمهور حساسية المقارنة بين أفلامه العربية، وهذه الموجة من الأفلام الخارجة من جوائز الاوسكار، ومن جوائز مهرجان كان، أخذ بالابتعاد التدريجي عن متابعة هذه الأفلام العربية، مما حفّز المشتغلين بحقل السينما والانتاج للتفتيش عن أساليب جديدة لكسب الجمهور العربي مرة أخرى.
لقد اقترن ظهور السينما العربية عموماً، بالسعي لخلق مواجهة ثقافية محلية ضد الثقافة الكولنيالية، التي تسعى في تقدير السينمائيين العرب، إلى تدمير الهوية الثقافية للأمة العربية. ولذلك، انتجت مجموعة كبيرة من الأفلام التي عرفت بـ ( أفلام مقاومة الاستعمار). لكنّ الشيء الخطير في هذه الأفلام، أنها لم ترتق إلى مقام الفيلم الملحمي، الذي يستثمر كلّ القدرات الفنية والثقافية بشكل مدروس، ويستهدف كسب رضى الجمهور العربي والأجنبي معاً. ومن الناحية الكمية، قُدمّت أفلام كثيرة، لكنّ الأفلام التي تستثمر التطورات الجارية في مجال السينما العالمية، لم تكن سوى نزر يسير. والمدهش حقاً، أنّ هذه السينما، في الوقت الذي توفرت لديها مجموعة من المغنين الكبار المسموعين حتى في أوربا، لم تتمكن من إنتاج عمل يستغلّ قدراتهم خير استغلال، وظلت ( الأغنية) في معظم هذه الأفلام، شيئاً زائداً من الناحية الفنية. ومثل ذلك، ما توفر لديها من ممثلين كوميديين كبار، كان وجودهم في الفيلم يقتصر على إضحاك الجمهور، بغض النظر عن الإخلال بالقيمة الفنية.
ثقافة الفيلم المصري والمشاهد العراقي
هذا المقال يحتوي على 1378 كلمة ويستغرق 7 دقائق للقراءة
