أعمال وأسماء ومعلومات غير معروفة


مازن الراوي من برلين: تشهد برلين هذه الأيام حدثاً فنياً استثنائيا لا يستقطب اهتمام الألمان فحسب بل اهتمام البلدان الأوربية المجاورة، تماماً مثلما حدث في أكبر عرض قبل أشهر لإعمال فنية من متحف نيويورك للفن المعاصر الذي زاره قرابة المليون شخص. والحدث الفني الجديد الذي يقام حالياً وحتى العاشر من كانون الثاني من العام المقبل، هو أول معرض عالمي من نوعه للفنانين الرواد الروس الذين لا يُعرف عن أعمالهم ألاّ القليل ماعدا شهرة كاندنيسكي ومالوفيتج ورودجينكو.. وبضعة أعمال يقتنيها متحف نيويورك. وتأتي أهمية المعرض من الأعمال الكثيرة والأسماء العديدة وإضاءات مرافقة لهذا الجيل الاستثنائي في الحياة الفنية الذي امتلك طاقات عظيمة ورؤى ريادية استشرفت على المستقبل ونحتت للفن المعاصر، بمختلف اتجاهاته، مساحة جديدة أثرتْ الحياة الفنية والإبداع في مجالات عديدة.
وبقدر أهمية المعرض تأتي المغامرة العظيمة التي قام بها صاحب المقتنيات كوستاكس ـ المواطن السوفياتي من أصل يوناني ـ الذي جمعها وصانها وحرص عقوداً طويلة على حمايتها، ثمَّ فاوض بشأنها الحكومة السوفياتية طويلاً وبمشقة ليرحل أخيراً بجزء كبير منها الى اليونان.

عمل تجريبي لرودجينكو 1943 قبل أن يبدأ جاكسون بولاك الأمريكي مدرسته المشهورة

كنز كوستاكس
في السبعينيات من القرن الماضي تحولت شقة صغيرة في عمارة إسمنتية بموسكو إلى مزار حقيقي للفنانين و لمحبي ومقتني الأعمال الفنية من العالم. في هذه الشقة المتواضعة والمراقبة تراكمت أعمال فنية خالصة هي بمثابة كنز حقيقي في حقل الفن العالمي وتاريخه. لقد اصطفت الأعمال الفنية واللوحات النادرة الواحدة إلى جانب الأخرى معلقة على الجدران ومحشورة في الأدراج ومرمية في الزوايا. هذه الذخيرة النادرة لم تكن في الواقع إلاّ أعمال مميزة غير معروفة في الغالب للفنانين الطليعيين الروس، أولئك الرواد لمدرسة مهمة أرخت لتاريخ تطور الفن العالمي ونحتت طريقة ورؤية خاصة بها.
في تلك الشقة المتواضعة، التي سجل التاريخ فضلها على الإرث الإنساني، وفي غرفة منها عُلِّقَ في السقف عملٌ تركيبي لألكسندر رودجينكو هو النسخة الوحيدة المتبقية من هذا النوع من أعماله . أما في الأدراج فثمة خليط من الوثائق والتخطيطات وأعمال الكرافيك ومسودات تصاميم بالإضافة إلى أعمال حفر مطبوعة لشخصيات عالمية مختلفة من بينها ادوارد كندي وديفيد روكفلر وكلين كولد وسترافينيسكي والفريد بار ومارك شاغال.
::
كان كوستاكيس مضيافاً يستقبل الجميع، دمثاً يعقد الصداقات الحميمة، خاصة مع الفنانين وأولئك المعنيين بالفن وبالثقافة. كرس نفسه لتجميع الأعمال الفنية وبالأخص أعمال الطليعة الروسية. وتتحدث ابنة كوستاكس عن وضع العائلة منذ أوائل الستينيات فتقول: لم تكن حياة العائلة في الحسبان وهي تعيش داخل متحف لأعمال الطليعة الروس، كانت العائلة تكرس حياتها للحفاظ على الكنز الثمين. وقد عانت كثيراً حتى سمح لها بأن تحتفظ بها كملكية شخصية. أما في الفترة الستالينية فقد أظلمت الحياة وبدأ في أوائل الثلاثينات منع المعارض الخاصة ومنع اقتناء اللوحات بحيث اضطرَّ هؤلاء إلى لف لوحاتهم وإخفائها في الأقبية. وقد ناضل كوستاكيس بحماس شديد، كما لو أنه يضطلع بمهمة مقدسة، ليطلق سراح أولئك الفنانين الذين حققوا رؤاهم ومثالهم فيما تركوه من أعمال في فترة ما قبل وما بعد ثورة اكتو بر الروسية.
ولد كوستاكيس في موسكو من أب يوناني يتاجر بالتبغ. استقر في موسكو في العام 1912. قضى كوستاكس معظم حياته في موسكو وتوفي في العام 1990 في أثينا بعد أن هاجر إليها تاركاً مسقط رأسه. ويعتبر اليوم بمأثرته في تجميع أعمال الرواد الروس ونشرها في العالم أسطورة في تاريخ الفن العالمي. و بدونه لم يكن بالمستطاع أن ترى أعمال عظيمة النور ويكون بمقدور محبي الفن مشاهدتها، خاصة تلك الأعمال المبكرة في الفن الروسي الذي سجل الريادة في نمط من الفن.
ويقام في الوقت الحاضر في " مارتن ـ كروبيوس ـ هاوس " معرض مقتنيات كوستاكس ترافقه محاضرات وعروض أفلام وأنشطة مختلفة تضيء القيمة الفنية لأعمال الرواد الروس ومكانتها في تاريخ الفن ورؤيتها المبكرة في تشكل منهج فني ساد وما زال يشغل رؤى الكثير من الفنانين المعروفين في العالم. وليست هذه الهجرة للأعمال الفنية إلى برلين هي الأولى خارج أرضها، ذلك أن كوستاكس صحب معه في العام 1977 في هجرته من موسكو معظم هذه الأعمال عبر العالم الغربي لتعلن عن ملامح فن طُمِرَ طويلاً. وعندما تكشفت هذه الأعمال عُرفت مكانة وأهمية شخصيات محورية مثل ماليفيتج و رودشينكو و وكاندنيسكي. بل تعرفت الناس على مكانة عشرات من الفنانين غيرهم ممن لم يضيء تاريخ الفن دورهم ويمنحهم المكانة اللائقة بهم.

مراقبة الأمن
ترك كوستاكس الاتحاد السوفياتي لأنه كان يحسُّ بالمضايقة وبالمراقبة من قبل الكا جي بي. وقد اكتشف مرات عديدة عمليات سطو وتفتيش في شقته، كما هُدد مرات عبر المكالمات التلفونية، بينما أُشعل النار في دارته الصيفية الصغيرة بضواحي موسكو مما أدى إلى احتراق عدة مئات من مقتنياته. وبعد محاولات كثيرة ومفاوضات شاقة مع السلطات السوفييتية تمكن من أخذ السماح بالمغادرة مع جزء من المقتنيات التي بحوزته. وكان عليه بموجب الاتفاق أن يمنح 800 من تلك المقتنيات للدولة. وبعد استقراره في أثينا، ومن منطق الحفاظ على التراث الضخم من الأعمال الفنية النادرة خاض كوستاكس مفوضات أُخرى مع الحكومة اليونانية ليبيعها 2000 من تلك الأعمال التي شكلت عماد متحف الفن المعاصر في سالونيكي. ويمثل المعرض المقام حالياً في برلين أول معرض عالمي ينتقل من بلاده. وانتقى متحف سالونيكي مما في حوزته من أعمال ( حوالي 1275 ) 300 عمل فقط ليعرضها في برلين. وتوجه المعنيون في متحف سالونيكي في انتقائهم للأعمال أن لا تكون الموضوعة الأساسية تكريس الضخامة الفنية بل وضع ما تمَّ اختياره موضع الدراسة وإضاءة أعمال ومساعي والقيمة الفنية للطليعة الروسية. لذلك لم يوفر العرض أية إيضاحات أو صور فوتوغرافية أو وثائق تضيء الحدث التاريخي في موسكو، ومن موسكو إلى أثينا. وعوضاً عن ذلك قدم المعنيون بالمعرض عدداً كبيراً من التخطيطات ومشاريع عمل لها قيمة دراسية أكثر مما لها قيمة فنية.
ويرتكز معرض برلين على موضوعة الضوء واللون ـ الموضوعة الأساسية التي انشغلت بها الطليعة الروسية، وأي شيء كان يعني لهم هذا التركيز، وأية رؤى تلبستهم في المساعي التي بذلوها. ربما يشعر المعنيون بالغنى من مشاهدة المحاولات الرائدة في هذا المجال ولكنها ليست سهلة التفاعل معها وقراءتها بالنسبة إلى المشاهد العادي. وبالتالي فإن عناوين مثل الإضاءة الذاتية وسيادة اللون وغيرها من المصطلحات إنما تلائم معظم الأعمال المعروضة.
ويحدد دارسوا الفن بأن الموضوعة الرئيسية التي تعاملت معها الطليعة الروسية هي الضوء واللون، كما قلنا، إلا أن التفصيل في هذا المجال، مثلما يحلل النقاد، صعب عندما توضع له حسابات ومحاور يختصرونها بثمانية محاور: أهمها محور الأسود ومحور الأبيض والإضاءة الذاتية ودراسة اللون وعرض اللون وتقديمه وتحرير اللون وسيادة اللون واللون في التزويق والضوء في العلم والتكنيك و الاضمحلال والبهوت...الخ من المحاور. وفي هذا الطموح الجريء للطليعة الروسية سعى الفنانون لعرض إيقاع العالم عبر ضوء جديد ملموس بما له من خاصية ذاتية، لا عبر ضوء الشمس الخارجي، بل عبر الضوء الكامن: تيار الطاقة في العالم. وعند النظر إلى الأعمال أحادية اللون تتكشف فيها محاولة تحرير اللون، والإنشغال بالضوء من حيث الإضاءة الكونية ومن حيث الفهم الميتافيزيقي، ومن حيث تأثير التصوير الكهربائي ومن خلال تأسيس الموضوع. والواقع ان الطليعة الروسية تجاوزت في نتاجاتها أطار اللوحة التقليدية المرسومة على القماشة، وتوسعت في مجالات عملها إلى التصاميم المختلفة وإلى الأعمال الناتئة وإلى تصاميم الأقمشة والأدوات المجردة. وبذا سجلت الريادة أيضاً في منح الفن أوجهاً متعددة. وأعتقد انه ليس من المصادفة أن يكون مقر " مارتن ـ غروبيوس ـ هاوس " مكاناً لعرض هذه الأعمال وذلك لما يعنيه " الباو هاوس " أيضاً من ثراث رائد في منح الفن وجوهاً عديدة هي وجوه الحياة، سواء كانت اللوحه أو البناء أو الهندسة أو الأدوات المستعملة في حياتنا اليومية.
ومن خلال بعض التماثل والتكرار في الأعمال المعروضة يتعكر سياق التطور التاريخي وتلتبس شخصيات الفنانين. وقبل كل شيء يضيع المحتوى السياسي والحنين إلى ثورة أكتوبر أو الموقف منها، ومن ثمَّ لا يُسلط العرض الضوء على اختفاء التدريجي للفنانين وانتهاء دورهم في الفترة الستالينية. ولربما لم يعنى المنظمون بهذا الجانب التاريخي ولم يقدموا كافة المحاور لتضيء كلياً الجوانب الثرية للتركة الفنية والمغامرة الطيلة في تجميعها و وصولها الى العالم. ولكن إلى جانب ذلك يبقى في المقابل العرض الغني بالتنوع وبالأساليب الفنية المختلفة في تنفيذ الأعمال لفنانين غير مشهورين بالقدر الكافي في تاريخ الفن. خاصة أولئك الذين لم يعترف بهم المتحف الفني الروسي. وفي هذا السياق قال كوستاكس: كان المعنيون الرسميون يقولون للفنانين " لوحتك ليست لها قيمة، خذها إلى اليوناني المخبول ". وعلى هذا الأساس وضع كوستاكس نواة مجموعته في العام 1946 مقتنياً تلك الأعمال المطرودة التي رأى فيها كوستاكس استمرارا لأعمال الطليعة الروسية.

أسماءٌ جديدة
والواقع كانت أعمال فنية تشكيلية رائدة وباهرة لمالوفيتج وكوكبة من الشباب الذين رافقوه، وهي أعمال مسودات وتصاميم أولية وأعمال ناتئة لفلاديمير تاتلين أو دراسات أعمال نسيج لليوبوف بوبوفا. وثمة لوحة إيحائية لرودجينكو كما لو كانت تتنبأ لمسيرة فنية تحققت بعد الحرب، وقد عثر عليها مستعملة كغطاء لمنضدة. ولوحة لبوبوفا استخدمت لسد نافذة مهشمة الزجاج. واليوم عندما يتأمل المرء في الكنز المحفوظ يندهش من عمل عبقري رائد للفنان رودجينكو الذي يمكن تشبيهه بحق بليوناردو المعاصر. انه عمل تركيبي اختزالي، عملٌ مختصر في عناصره، ربما حققها برؤية تختزل الكثرة وتنبذ التفاصيل وصولاً إلى تثبيت الجوهر. ومقارنة بما توصل إليه النحت الحديث يمكن أن يثير عمله هذا تقديراً استثنائياً لاستطاعته الاستشراف على فن مستقبلي. وكذلك الأمر مع أعماله التجريدية التعبيرية التي جاءت رائدة قبل أن تبدأ وتشتهر مدرسة نيويورك. ويندهش المرء من تصاميم باول فيلونوف، ومن الأعمال الصارمة لمالوفيج، كما يندهش من ألوان التصوف لإكسينيا اندر ولبيلد تراكتاتا و لغوستاف كلوزيس أو من الرؤية المستقبلية في تصاميم النسيج لبوبوفا. والحقيقة أن أسماء أخرى قد لايعرفها الكثير كانت تشكل عماد المدرسة الروسية مثل ألكسندر دريوين وإيفان كليون وكوردياشوف وليستسكي وسولومون نيكريتين وانتونينا سوفرونوفا و اولغا روزانوفا و أليكس رودجينكو و وأيليا تشاشنيك و اودالزوفا و كونستانتين فيالوف و فلاديمير تاتين .
قال جون باولت الأستاذ في جامعة لوس أنجلز تعقيباً على ظهور هذه الأعمال بعد عقود من الإختفاء: " ينبغي أن تكون مقتنيات كوستاكس بمثابة نصب لواحدة من المكاسب المهمة في تاريخ الثقافة الروسية ". ولكنها أيضاً نصبٌ عظيم للثقافة العالمية وجزء دينامي في حياة وفي تطور الفن في عالمنا اليوم.
والواقع على المرء أن يعود بالتاريخ إلى الوراء ويقتنص منه مرحلة النهضة الفنية المبكرة في فلورنس حتى يتلمس نفس الكثافة والخصب ويشابهها بالثورة الفنية التي حققتها الطليعة الروسية. كان الطلائعيون الروس يحلمون بحداثة جديدة، وفي لحظة تاريخية قصيرة بدا فعلاً أنهم حققوا الحداثة عندما جسدوا عالمهم المثالي ورؤاهم المتجاوزة في أعمالهم الفنية، ومن حظ البشرية أن اصبحت هذه الأعمال متاحة للجميع.

كتب الموضوع اعتماداً على دليل المعرض، وعلى نشريات مختلفة، وعلى بعض القراءات المختصة التي رافقت المعرض. بالإضافة ألى مقالة كتبها فون سياستيان برويس، ومشاهدات لعروض سينمائية.