إيلاف من فيينا: في عالم رواية 1984 لـ جورج أورويل، الصحافي والناقد والروائي الإنكليزي، لا يُعرَّف الخوف بوصفه شعورًا عابرًا أو استجابةً طارئةً لحادثةٍ استثنائية، بل يُعاد تشكيله بعنايةٍ ليغدو نظامًا قائمًا بذاته، وعنصرًا أصيلًا من عناصر الوجود اليومي. إنّه خوفٌ لا يصرخ ولا ينفجر، بل يتسلّل بصمتٍ، يترسّخ ببطءٍ، ويُعاد إنتاجه باستمرارٍ حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مفروضٌ عليه قسرًا. وهكذا يتحوّل التشاؤم من مجرّد موقفٍ فكريٍّ أو نزعةٍ نفسيةٍ إلى مناخٍ روحيٍّ عام، يخيّم على النفوس كما يخيم الدخان الكثيف في مدينةٍ محترقة، لا يُرى مصدره دائمًا، لكن آثاره تخنق كل محاولةٍ للتنفس أو النجاة.
تبدأ هذه البنية القمعية من الليل، لا باعتباره زمنًا فحسب، بل كحالةٍ نفسيةٍ رمزية. فالاعتقالات التي تقع دائمًا تحت جنح الظلام ليست مجرد إجراءٍ أمنيٍّ، بل طقسٌ من طقوس الإخضاع. الليل هنا هو المجال الذي تُكسر فيه مقاومة الإنسان، حيث يُنتزع من نومه، من لحظة استسلامه الوحيدة للعالم، ليُفاجأ بيدٍ خشنةٍ تهزّه بعنفٍ، كأنها لا توقظه فحسب، بل تنتزعه من ذاته. الضوء الساطع المسلَّط على عينيه ليس للإضاءة، بل للإرباك، لإلغاء المسافة بين الحلم والواقع، ولتحويل الوعي إلى ساحة فوضى.
تحيط به وجوهٌ عابسة، بلا أسماء ولا ملامح إنسانية واضحة. إنهم ليسوا أفرادًا بقدر ما هم تجسيدٌ للسلطة ذاتها. في تلك اللحظة، يفقد الإنسان صفته ككائنٍ اجتماعيٍّ، ويغدو موضوعًا إجرائيًّا، رقمًا قابلًا للمحو. لا محاكمة، لا سؤال، لا حاجة إلى تبرير. فالسلطة في هذا العالم لا تشرح أفعالها، لأنها لا تعترف بوجود من تُمارَس عليه تلك الأفعال. هكذا يصبح الاختفاء قدرًا شائعًا، والغياب حالةً مألوفة، كأن الناس لا يموتون بل يتبخّرون.
والتبخّر هنا ليس مجازًا لغويًّا فحسب، بل وصفٌ دقيقٌ لآلية الإلغاء الشامل. يُشطب الاسم من السجلات، وتُمحى الإشارات، وتُزال الصور، بل ويُعاد ترتيب الذاكرة الجمعية بحيث لا يبقى أي أثرٍ يدلّ على أنك وُجدت يومًا. الأخطر من القتل هو محو المعنى، إذ يُجبر المجتمع على التواطؤ مع النسيان، وعلى قبول الكذب بوصفه حقيقةً رسمية. حين تُمحى الذاكرة، يُمحى الإنسان مرتين: مرةً من الواقع، ومرةً من الوعي.
في قلب هذا العالم يقف ونستون، لا بطلًا تقليديًّا، بل إنسانًا هشًّا، مكسورًا، يحاول أن يتمسّك ببقايا ذاته. نوبته الهستيرية ليست ضعفًا شخصيًّا، بل انعكاسٌ صادقٌ لحالةٍ إنسانيةٍ محاصَرة. حين يكتب بسرعةٍ وبخطٍّ متعرّجٍ، فإن القلم يتحوّل إلى وسيلة تنفيسٍ أخيرة، محاولةٍ يائسةٍ للإمساك بالذات قبل أن تنفلت. عباراته عن الرصاص والموت وعدم المبالاة ليست شجاعةً كاملة، بل مزيجًا معقّدًا من التحدّي واليأس. إن عدم المبالاة هنا ليس نفيًا للخوف، بل ذروته القصوى، حين يعجز الإنسان عن تخيّل مستقبلٍ مختلف.
وحين يكتب: «ليسقط الأخ الأكبر»، فإن هذا السقوط لا يحدث في الشارع ولا في العلن، بل في مساحةٍ داخليةٍ ضيّقة، في ذهنٍ يعرف مسبقًا أن التمرّد محكومٌ عليه بالفشل. الأخ الأكبر ليس مجرد سلطةٍ سياسية، بل صورةٌ متضخّمةٌ للرقابة الأبوية، للعين التي لا تنام، وللخطاب الذي يدّعي الحماية وهو يمارس السحق. ومع ذلك، فإن هذا الهتاف السرّي، مهما بدا عبثيًّا، يحمل قيمةً وجوديةً عميقة: إنه دليلٌ على أن الروح، وإن سُحقت، لم تُمحَ بالكامل.
لكن هذا الاندفاع لا يلبث أن ينكسر. يشعر ونستون بالخجل من نفسه، كأن التمرّد ذاته صار فعلًا فاضحًا، وكأن السلطة نجحت في زرع رقيبٍ داخليٍّ أقسى من أي جهازٍ خارجيٍّ. هنا يتجلّى البعد النفسي الأعمق للرواية: الإنسان لا يُهزم حين يُراقَب فقط، بل حين يتبنّى المراقبة داخله، ويبدأ بمعاقبة نفسه نيابةً عن النظام.
ثم يأتي الطرق على الباب، ذلك الصوت البسيط الذي يحمل ثقلًا وجوديًّا هائلًا. الطرق ليس إعلانًا للاعتقال بقدر ما هو إعلانٌ لانتهاء الوهم. يتحوّل ونستون إلى كائنٍ غريزيٍّ، فأرٍ مذعورٍ في جحره، يتشبّث بأملٍ واهٍ في أن يختفي الخطر إذا التزم السكون. لكن الخطر لا يختفي، لأن السلطة لا تعتمد على الصدفة. القلب يدقّ بعنفٍ، فيما الوجه يظلّ جامدًا، متدرّبًا على إخفاء الرعب. هذه الازدواجية القاتلة ـ عاصفة الداخل وبرود الخارج ـ هي النتيجة النهائية لعالم الخوف: إنسانٌ يعيش منقسمًا على ذاته.
بهذا العمق، لا تقدّم رواية 1984 رؤيةً سياسيةً فحسب، بل تشريحًا وجوديًّا للمجتمع حين يُبنى على الرعب، وتشخيصًا نفسيًّا للإنسان حين يُجبر على العيش في كذبةٍ دائمة. لقد أدرك جورج أورويل أن أعنف أشكال القمع ليست تلك التي تكسر الجسد، بل تلك التي تعيد تشكيل الوعي، وتجعل التشاؤم نمط حياة، والخوف لغةً يومية، والنجاة فعلًا مؤقتًا في عالمٍ لا يعترف بالإنسان إلا بقدر خضوعه.

