رغم خروج سلفادور دالي، الرسام الإسباني الشهير المتوفى عام 1989 ، من الحركة السريالية عام 1939، بقي معروفا كأحد أبرز ممثلي الحركة السريالية في العالم. والآن في هذا القرن مازالت شهرته واسعة لا تتعداها إلا شهرة بيكاسو . وفي الذكرى المئوية لولادته، التي صادفت هذا العام ، أقيمت معارض أحيت ذكراه من اسبانيا وجميع أنحاء أوروبة حتى الولايات المتحدة الأميركية. وبهذه المناسبة أطلق عرضان متنقلان لإبراز أعمال دالي oeuvre من قبل مؤسسة Gala-Salvador Dalí Foundation وذلك في محاولة لإعادة تقييم أعمال هذا الفنان العالمي. جاء العرض الأول تحت اسم " Dalí and Mass Culture " ( دالي والثقافة الجماهيرية ) والذي رصد تأثير دالي على اللغة البصرية اليومية . بدأ العرض في برشلونة الربيع الماضي ثم مدريد هذا الصيف ليعرض هذا الشتاء في متحف دالي في سان بطرسبورغ . والعرض الثاني هو " "Dalí والذي يمعن في رسومه وكان في ايطاليا وسيعرض أيضا في الولايات المتحدة. يقول النقاد إن الهدف من وراء هذين العرضين هو " البحث عن دالي الحقيقي خلف الأقنعة الجماهيرية والهويات الأسطورية التي شيدها بنفسه". ويحاول العرضان مواجهة الرؤية القائلة بأن دالي انحرف بعد عام 1939 نحو الاهتمام المفرط بالكسب التجاري على حساب الفن الرفيع ، ويصر المشرفون على العرضين أن فن دالي بعد عام 1939 كان يستحق الاهتمام.
برز نجم دالي في الحركة السريالية مع نهاية العشرينات من القرن الماضي متأثرا بعالم النفس فرويد ، وعمل على تأويل الدور المركزي للجنس في الأحلام والسلوك البشري ، كما تأثر بعلاقته مع أب قمعي وأم غير ودودة. ووسط هذا الجو تمكن دالي من تأسيس نظرة ارتيابية نقدية للعالم برزت في أعماله مثل : "The Enigma of Desire" ( لغز الرغبة ) ، "The Persistence of Memory" ( إصرار الذاكرة ) و جعله نجاحه من أتباع مؤسس المذهب السريالي أندريه بريتون وهو شاعر فرنسي توفي عام 1966 . وبكل تأكيد انتقلت السريالية إلى الولايات المتحدة على يد دالي في نهاية ثلاثينات القرن الماضي وليس بريتون. نشير هنا إلى أن دالي رفض الانضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وجاء خروجه من الحركة السريالية لأسباب سياسية.
عقب الاحتلال الألماني لفرنسة عام 1940 هاجر دالي برفقة بريتون إلى نيويورك . هناك ، عاش بريتون حياة منعزلة وشعر بالغربة تجتاح أيامه ، بينما تأقلم دالي مع الجو الجديد واستغل شعبيته لبيع لوحاته مما جعل اهتمامه ينصب على الأمور التجارية والأعمال أكثر من الفن عينه وهذا ما جعل بريتون ينعته " بمحب وشجع الدولارات" ، ولم يعد حينذاك سرياليا ليخرج ويصبح " دالي " الرسام فقط. وعمل مع المخرج العالمي ألفرد هتشكوك و أستوديو ديزني وصمم أغلفة الكتف. ورغم انفصاله عن السريالية لتظهر ملامح كلاسيكية في رسومه إلا أن السريالية برزت قليلا في بعض أعماله . وتركزت أعماله على أفكار المادة والدين التي ظهرت في رسومه عام 1952 "Nuclear Cross".
في ذلك الوقت قال دالي : "في الواقع أنا لست مهتما بالرسم والأدب وإنما اهتمامي يقتصر على علم التحكم والسيطرة والفيزياء وعلم الأحياء". وأعاد تصميم بعض أعماله السريالية ولكن وفق منظوره الفيزيائي. وبرز الدين في أعماله الكلاسيكية وخاصة الأعمال عن المسيح و مريم العذراء مثل "The Madonna of Port Lligat" .
وبعد اهتمامه بالدين ازداد سخط اليسار الأوروبي عليه والذي استمر غيظه من أعمال دالي الجديدة خاصة بعد إطرائه نظام فرانكو في اسباني. وهكذا ، بعد خمسة عشر عاما على رحيله وبهذه الاحتفائية بفنه ، يمكن القول أن دالي ترك وراءه دالي ولا يمكن التعبير أكثر منذ لك.
