بيروت: بدعوة من "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الاميركية في بيروت، وفي سياق الندوات الشهرية للاضاءة على تراث لبنان، وفي سلسلة هذا العام " لبنان في الارشبف الدولي والمحلي " القى الباحث الدكتور سهيل فرح محاضرة في موضوع لبنان في ارشيف الاستشراق الروسي. افتتح الندوة مدير المركز الشاعر هنري زغيب بكلمة اثنى فيها على اهمية الادب الروسي، وبخاصة الكتابات المتعلقة بلبنان اوالاستشراق الروسي، الذي وصفه زغيب بانه كان خطابًا معرفيًا حول المشرق، أعاد خلق صورة لبنان متنوعة الاشكال والمضامين وفق كل مرحلة من مراحل هذا الاستشراق.
ويضيف الشاعر هنري زغيب انه كان لنا من لبنان وعن لبنان تحت اقلام المستشرقين الروس، صورة جغرافية طبيعية، واخرى انتروبولوجية، واخرى دينية مذهبية، واخرى دبلوماسية واخرى ايديولوجية، واخيرة علمية واقعية، فاذا بمجموع هذه الصور معطيات تحليلية بعضها يطابق المشهد اللبناني، وبعضها افكار تحكمت بها افكار مسبقة. ونوه زغيب كيف ان المستشرقين الروس كانوا اول من اطلق على لبنان لقب سويسرا الشرق عام 1820،وذلك على لسان الاب الروحي للاستشراق الروسي سينكوفسكي. وشدد على ايلاء القياصرة الروس موقع لبنان اهمية مميزة بسبب الحالة اللبنانية، واهميتها في الحاضرة الشرق اوسطية،التي اعتبرت جسرًا ضروريًا للتواصل الاقتصادي والتجاري والديني بين الشرق والغرب. ثم رحب الشاعر زغيب بالحضور وقدم المحاضر الدكتور سهيل فرح ووصفه بالخبير " الروسولوجي ".
الدكتور سهيل فرح:
إعتبر الدكتور سهيل فرح ان الإستشراق الروسي رسالة تعرف بحضارات الشرق، وهذا الاستشراق بكل مراحله التاريخية المتعددة كان له وقفة مع لبنان ومن أوجه عدة.
وأوضح فرح انه من خلال استعراض ابرز العناصر المكونة للصورة الاستشراقية في المراحل المتنوعة من التاريخ الروسي، وتحليل صفاتها واعلامها ومتغيراتها وابعادها، يمكن استخلاص ست صور عن لبنان على الشكل التالي:
اولا الصورة الجغرافية الطبيعية:
ويغلب عليها انطباع جيد في توصيف المناخ المعتدل وخصوبة الارض اللبنانية بترابها ومياهها
ومحاصيلها الزراعية وتنوع مناخاتها الجبلية والساحلية. وشكلت شجرة الارز اكثر الجوانب رمزية في الجغرافيا الطبيعية وفي بعدي لبنان الديني والتوراتي ( بتكوفيتش وسنكوفسكي وكريمسكي ) والمستشرقون الروس الذين زاروا لبنان، رسموا للقارئ الروسي " الجنة الارضية" خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن الحالي في صورة مشرفة اخذت تبهت مع زحف غابات الاسمنت على السواحل والمدن والقرى.
ثانيًا الصورة الانتروبولوجية:
يقول عنها الدكتور فرح إنها في مرحلة ما قبل السوفياتية وكانت ترتكز على حضور ميتافيزيقي كثيف في ذهن اللبنانيين وتصوراتهم للمحيط الطبيعي والكوني. ورغم تطعيمها ببعض العقلنة ظل الخيال اللاعلمي طاغيًا عليها.
ويضيف فرح ان كريمسكي في كتابه " رسائل من لبنان " عمد الى نقل العادات المحلية التي كانت سائدة لدى سكان المدن والقرى في اواخر القرن التاسع عشر، كما ولدى كراتشكوفسكي في انطباعاته عن الاشعاع الادبي والثقافي في مرحلة مبكرة من تاريخ لبنان المعاصر، تركيزًا على نتاج ابراهيم اليازجي وسليمان البستاني وامين الريحاني وميخائيل نعيمة.
ثالثًا الصورة الدينية المذهبية:
تكونت مما كان المستشرقون الروس قرأوه عن لبنان في التوراة ومن كتب دينية متنوعة، وما نقله بعض الرحالة مثل دانيال واوسبنسكي، وهي صورة دمغت لبنان بطابع مسيحي عام، لكنها تغيرت حين اكتشف المستشرقون عناصر اخرى كونت لبنان قبل المرحلة المسيحية وبعدها، لكن يضيف فرح ان اهتمام المستشرق الروسي في البعد الديني للشخصية اللبنانية شدد على نقطة مركزية الا وهي حاضر ومستقبل الارثوذكس اللبنانيين والمشارقة في هذا المدى الشرق اوسطي.
رابعًا الصورة الدبلوماسية السياسية:
والتي صاغها عن لبنان قناصل وكتاب واعلاميون من داخل المؤسسة الاستشراقية وخارجها، واتت هذه الكتابات تحركها مصلحة سياسية حريصة على نقل موثق للحضور العثماني والفرنسي والاميركي والعربي والاسرائيلي، ودوره في تحريك خيوط اللعبة السياسية اللبنانية.
خامسًا الصورة الايديولوجية:
غلبت عليها الارثوذكسية في المرحلة القيصرية والماركسية الاممية في المرحلة السوفياتية، وهي لم تكن عدوانية بل متعاطفة دينيًا مع الارثوذكس ووطنيًا مع سائر الفئات الاجتماعية اللبنانية، ولفت فرح انه في تسعينات القرن الماضي إنحسر الاهتمام العلمي الاستشراقي بالظاهرة اللبنانية، ما خلق في الاعلام صورة مؤدلجة ضبابية عن لبنان واللبنانيين.
سادسًا الصورة الاستشراقية العلمية الواقعية:
تبلورت في اواخر القرن التاسع عشر من مجموع انطباعات شفهية لتجار وحجاج ومرسلين وكلمات ارامية وعربية دخلت اللغة الروسية، ورسائل وتقارير دبلوماسية ومخطوطات وكتب شعر وقصة ومسرح وغيرها. ثم انصب الاهتمام بتكوين المؤسسة العلمية وتخصصاتها وتاسيس المعاهد والمؤسسات لتعليم اللغات الشرقية ودراسة الحضارات الشرق اوسطية، لكن للاسف الدراسات والكتب والابحاث لم يرشح منها الا القليل الى اللغة العربية.
وأشار الدكتور فرح في ملاحظة الى انه كان للمستشرق الروسي هاجسان الاول على المستوى الشخصي: مقاربة ذاته الحضارية بذات الاخر. والثاني على المستوى السياسي: تقديم مادة يطلبها منه الحاكم. وأوضح كان يمكن للمعرفة الاستشراقية الروسية عن لبنان والمشرق ان تكون اكثر موضوعية وعمقًا لوانها تحررت من الكلام الايديولوجي المكثف، فجاءت معرفة، بعضها منقوص وبعضها الاخر منمط بسبب عجز المستشرق عن بلوغ المعرفة اللغوية والعينية لدراسة لبنان عن قرب والتعرف عليه، وجمع المواد والملاحظات الكافية لتكوين الصورة الموضوعية عنه.
وأخيرًا راى فرح أن الاستشراق الروسي بات يعيش حالة استقالة العقل الروسي عن دراسة لبنان والشرق، مع بعض المحاولات الخجولة التي تفتقر الى المعرفة الاكاديمية العميقة. وهذا عائد الى انهيار المنهج واختفاء الفكرة الروسية واموال دعم الابحاث.(بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ). وختامًا ترافقت الندوة مع معرض لمجموعة كتب المستشرقين باللغتين العربية والروسية، ومعرض رسومات زيتية للفنانة الروسية غالينا عيدي، ومعرض لصور فوتوغرافية من لبنان التقطتها عدسة دبلوماسيين وسواح روس زاروا لبنان.
