مراكش منأحمد نجيم: تحولت مدينة مراكش من 6 كانون الأول (ديسمبر) إلى 12 منه إلى عرس سينمائي عالمي من خلال تنظيم الدورة الرابعة لمهرجان مراكش الدولي للفيلم، نجوم سينمائيون عالميون جاؤوا من الهند وأميركا وأوربا وإفريقيا، وصحافيون مثلوا التلفزيونات العالمية وكبريات الصحف الدولية رابطوا بمدينة مراكش لتغطية الحدث السينمائي الكبير. غير أن أهمية هذا المهرجان وعالميته لم تكتمل من خلال احتجاجات بعض الممثلين المغاربة في الكواليس وإعادة أسطوانة "تهميش المبدع المغربي"، ومن خلال تصرفات لصحافيين من التلفزيون ومن الصحافة المغربية في ندوات صحافية أو من خلال سعي الكثير إلى البحث عن دعوات السهرات الليلية أكثر من نجوم المهرجان وأخباره، حتى اشتكى أحد مسؤولي المهرجان قائلا "لقد حولوني إلى ممون للحفلات من خلال التجائهم إلي متسائلين عن دعوات المأدب". طيلة أيام المهرجان السبع تابع المراكشيون 60 فيلما سينمائيا طويلا وسلمت قرابة 4000 شارة للمهرجان وزعت بين الصحافة والسينمائيين والمدعوين والمنظمين وشركاء المهرجان. تحولت المدينة إلى أكبر تجمع سينمائي عالمي، شين كونري وأوليفر ستون وإشواريا راي ونتالي باي ولورنس فيشبورن ولاورا مورانتي والسير ألان باركر وباولو كويلهو وفاليرا كولينو وروزانا أركيت وكيوم كاني ويوسف شاهين ويسرا ونور الشريف وعصمان سيمبين.....جاؤوا في مراكش من أجل السينما.
صحافيون مغاربة تائهون وأجانب في عطلة مفتوحة
يضيع الصحافيون 4 آلاف ورقة يوميا، هذا بالإضافة إلى الساعات الطوال في الهاتف يتحدثون عن مواضيع لا علاقة لها بالصحافة، أما الصحافيون الأجانب فبعضهم يتحدث مع أمه والآخر مع صديقته في أوربا لأزيد من نصف ساعة، "لم أعد أحترم الصحافة ولا الصحافيين بعد وقوفي على تصرفاتهم طيلة أيام المهرجان"، يقول مسؤول من اتصالات المغرب كان أحد المشرفين على مكتب الإعلام في المهرجان الدولي الرابع للفيلم. ويذهب مسؤول من المهرجان إلى التأكيد على أن مئات الصحافيين الحاضرين لتغطية المهرجان كانوا يبحثون يوميا عن دعوات الوجبات أكثر من تغطية المهرجان وأنشطته "بعضهم كان يهددني إن لم أمنحه دعوة أن يكتب بسلبية عن المهرجان".
لم تقتصر هذه العينة من الصحافيين على البحث عن الدعوات، بل تغيب عدد منهم عن مشاهدة الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية أو غير المشاركة، كما غابوا عن الندوات الصحافية مستفيدين من عطلة مفتوحة طيلة سبعة أيام. هناك عينة أخرى من الصحافيين المغاربة شوهوا الصحافة خلال الندوات التي كان تعقد لمناقشة أفلام المسابقة، إذ طرحوا أسئلة غريبة على المخرجين إلى درجة البلادة، فواحدة تطلب من لورنس فيشبورن دورا ولو كان صغيرا في فيلمه المقبل، وآخر يشتغل في برنامج سينمائي يطرح سؤالا غريبا لشين كونري حول دوره "الأردأ" في تاريخه"، وحول تجسيده لشخصية "تقطع رؤوس المغاربة" بطريقة مستفزة وغير لبقة، وثالث يشتغل في أسبوعية ناطقة باللغة الفرنسية يقترب منه متجاوزا مسؤولي الأمن لالتقاط صورة، فكان أن صده النجم السينمائي ناعتا إياه ب"غير المؤدب والوقح". وصفع مصور إحدى اليوميات المغربية مضيفة تعمل في المهرجان، بعد أن رفضت أن يصورها، وهو ما يعكس مستوى بعض الصحافيين المغاربة، ولا يعرف موقف النقابة الوطنية للصحافة لو كان المصفوع هو الصحافي، لذا فهي لم تكلف نفسها بالاعتذار على تصرف مصور ينتسب إلى الجسم الصحفي المغربي.
لم يقتصر الأمر على عينة من الصحافيين المغاربة، بل شمل الصحافة الأجنبية أيضا من خلال قدومها إلى مراكش على نفقات المهرجان واكتفائها بالاتصالات الهاتفية المجانية والاطلاع على البريد الالكتروني.
شكلت الدورة الحالية تراجعا كبيرا في تعامل مسؤولي المهرجان مع الصحافة، فقد هيمن مسؤولون فرنسيون على العلاقات مع الصحافة، وهو ما جعل سيدة تسمى "باتاي" تستدعي إلى الموائد المستديرة، مع نجوم المهرجان بالمامونية، الصحافة الأجنية مهمشة الصحافيين المغاربة. ففي المائدة المستديرة مع لورنس فيتشبورن لم تحضر إلا مغربية واحدة متعاونة مع صحيفة يومية من أصل 14 صحافيا أجنبيا. والطريف في الأمر هو تجرؤ السيدة المغربية على طلب دور في فيلم فيتشبورن المقبل .
كانت معاملة الفرنسيين لبعض الصحافيين متعالية، عجرفتهم وتحقيرهم لبعض الصحافيين تدعو إلى إعادة النظر في مستقبل إشرافهم على الصحافة في المهرجان، ومنها الطريقة المذلة التي غادرت بها صحافية القناة الثانية بشرى علمي المهرجان، بعد أن تبادلت الشتائم مع مديرة المهرجان مليتا توسكان دوبلانتيي.
ففي الدوة السابقة كانت الأمور مع الصحافة على ما يرام، إذ كان من حق أي صحافي طلب حوارا، أن يجريه وبسرعة، كما أن كل الموائد المستديرة مع النجوم حضرتها نسبة 50 في المائة من الصحافيين المغاربة.
مسؤولو المهرجان اعترفوا ببعض هذه التجاوزات من جانب الصحافيين ومن جانب المشرفين على الإعلام. ويفكر مسؤولو المهرجان في الدورات المقبلة أن يحدد عدد الصحافيين المعتمدين في المهرجان، وأن تحمل إدارة الصحف نفقات الإقامة طيلة أيام المهرجان. مشروع سيحد حتما من عينة تسيء للصحافة المغربية وسيقطع الطريق على الصحافيين السياح الأجانب.
وتستمر أسطوانة تهميش الممثل المغربي
بلغ المهرجان الدولي الرابع للفيلم دورته الرابعة، ومع ذلك ظلت أسطوانة "تهميش الفنان المغربي" تعاد على مسامع الصحافيين، فممثلون "نكرة" من مدينة مراكش احتجوا على حرمانهم من الشارات والدعوات، وممثلون مغاربة تكفل الفندق بإقامتهم واحتجوا على حرمانهم من دعوات بعض السهرات. عبارة "إننا مهمشون في بلدنا" كررت أكثر من مرة وعلى مسامع أكثر من صحافي.
استدعي الممثل والمخرج المغربي، لأن الدورة الرابعة أرادت تكريم السينما المغربية من خلال عرض 22 فيلما من 1958 إلى سنة 2000 وقال مدير المركز السينمائي المغربي نور الدين الصايل إن الحفل "تكريم لماضي ومستقبل السينما المغربية" وتكريم "لأناس صنعوها". وإلحاحا من مدير المركز السينمائي على أن يكون التكريم "تكريم عشق"، وقف فوق خشبة قاعة الوزراء بقصر المؤتمرات بمراكش مساء السبت ممثلو جميع الهيئات المهنية السينمائية المعترف بها بالمغرب، وهي غرفة المنتجين المغاربة ورابطة المؤلفين والمخرجين والمنتجين وغرفة موزعي الأفلام وغرفة أرباب القاعات السينمائية وغرفة التقنيين. ونال السينمائي محمد عصفور التكريم وتصفيقات حارة وزغاريد خلال تلك الأمسية.
غاب عن ذلك التكريم المخرج نبيل لحلو ولم يقف مثل زملائه العشرة، وحسب مصادر من إدارة المهرجان، فإن لحلو رفض أن يتحدث نبيل عيوش باسم المخرجين المغاربة، وطلب أن تمنح لكل واحد دقيقة واحدة للحديث في هذه المناسبة، وبعد أن رفض طلبه اعتذر لمدير المركز السينمائي فاعتذر عن الصعود إلى الخشبة. غير أن المثير في ذلك التكريم هو إقصاء أفلام المخرج المغربي جيلالي فرحاتي من الأفلام 22، وكان من سوء حظ المخرج أن نسخة فيلمه "خيول الحظ" لم تكن في حالة جيدة، والعهدة على مسؤول بالمهرجان.
ويعتقد عدد من الحضور أن تكريم السينما المغربية هو في حقيقة الأمر امتصاص لغضب السينمائيين المغاربة خلال الدورات السابقة واختيار من الإدارة الحالية لسد الطريق على كل السينمائيين المغاربة في الدورات السابقة، إذ لن "يشارك فيها إلا المشاركون بأفلامهم في المسابقة الرسمية أو خارج المسابقة الرسمية". وشدد مسؤولون عن المهرجان ردا على هذه الاتهامات، أن مهرجان مراكش مهرجان دولي وليس مغربيا، غير أن تطبيق هذا التصور مازال بعيد التحقيق.
احتج عدد من الممثلين على ما اعتبروه "سوء معاملة" وغادروا المهرجان قبل حفل الاختتام، وذهبت إحدى الممثلات إلى القول إن المشكل ليس في المهرجان بل "نتحمله نحن الممثلين، إذ نحن من يطمح إلى الحضور في المآدب عوض متابعة الأفلام والاستفادة منها".
كان الممثلون المغاربة أكثر قسوة في الحكم على فيلمي "تينجا" للكزولي حسن و"الرحلة الكبرى" لإسماعيل فروخي. إذ شارك الأول في المسابقة الرسمية وبرمج الثاني خارجها. ووصفوه في لقاءاتهام الخاصة بأنه نقل صورة سلبية عن المغربي والقصور على مستوى لعب الشخصيات، ولم يسلم "تينجا" بدوره من السب، غير أن الفيلم لا يستحق كل هذا الانتقاد الانفعالي، إذ قدم لكزولي عملا سينمائيا يعد استمرارية لأفلامه القصيرة التي لقيت ترحيبا كبيرا في المهرجانات السينمائية. لكزولي رحل بالمشاهد إلى مغرب المهمشين، من خلال شخصيتي نورا، المومس وميمون المتسكع في شوارع طنجة. مشاهد وظفت فيها لقطات شاملة للفضاء قريبة من السينما الإيرانية، وشخصيات قلقة وحساسة وغامضة. كان فيلم "تينجا" بداية موقفة للمخرج حسن لكزولي في أول عمل سينمائي له.
دورة قويا سينمائية مرتبكة تنظيميا
ظهر ارتباك المنظمين وغابت الحفلات التي ألفها رواد المهرجان في الدورات السابقة، ويتخوف البعض أن يتحول المهرجان إلى ملتقى سينمائي صرف ويقضى على الجانب الاحتفالي فيه، "هذه الدورة كانت باردة من حيث الاحتفالات مثل مناخ مراكش هذه الأيام، وأعتقد أن استمرارية البعد الدولي للمهرجان رهين بالاندماج في محيط مراكش الاحتفالي، فهذه المدينة لا تستقيم دون الفرجة" يقول أحد السينمائيين المغاربة.
مقابل هذا التقصير قدمت الدورة الرابعة واحدة من أهم برمجاتها السينمائية، تنوع في المواضيع والاشتغال السينمائي حضور من آسيا وأميركا اللاتينية وأميركا وأوربا وإفريقيا، اتجاهات سينمائية مختلفة جعلت اليونسكو تمنح ميداليتها السينمائية "فيليني" إلى رئيس مؤسسة مهرجان مراكش الدولي للفيلم الأمير مولاي رشيد.
قوة الأفلام صعبت من مأمورية ألان باركر وفريقه لاختيار الأفلام المتوجة، غير أن تلك الجوائز لم تأت بمفاجآت، فنال الفيلم الأميركي الجميل "الاختراق" نجمة مراكش الذهبية، ونال "مولادي" و"أشباح كهربائية" جائزة لجنة التحكيم وعادت على التوالي جائزة أحسن ممثل وجائزة أحسن ممثلة لبطلي فيلمي "الأقارب" الروسي و"عمق الجرح الأميركي.
اختتمت الدورة الرابعة، دورة شكلت منعطفا جديدا في تجربة المهرجان الفتية، بداية لم تكن على المستوى التنظيمي في مستوى الدورة السابقة، ربما على الإدارة العامة إعادة النظر في الاتفاقية مع مؤسسة "بيبلي سيستام" الفرنسية المنظمة، إذ لا يعقل أن تتعاقد تلك المؤسسة حتى مع شركة للأمن الخاص يسيرها فرنسي، وكانت عدد من الشركات المماثلة أثبتت قدرتها على الأمن داخل قصر المؤتمرات في السنوات الماضية، كما أن بعض مسؤولي هذه الشركة كانوا غير مؤدبين في تعاملهم مع المدعوين.
