علاوة على واقع القمع والإضطهاد المفروض على الجموع المعارضة والمخالفة لرأي وإيديولوجية النظام الحاكم في سورية، فإن هناك عوامل ذاتية وبنيوية تتعلق بتكوينية هذه القوى نفسها وعلاقاتها التشابكية ( الضيقة، بل وربما المعدومة في أكثر من مجال) ببعضها البعض والمكونة تالياً للأطرالمحددة والمعرّفة لنضالها.
ونستطيع هنا، وبعيداً عن الخوض في الواقع القمعي الممارس من قبل السلطة ونبش التركة التاريخية التسلطية في سورية وبالتحديد منذ عام 1963 أن نتوقف على بعض ( ولن نزعم كل) عناصر ومكونات خطاب هذه الجموع.
نسطتيع هنا أن نحصر القوى السورية المعارضة في أربعة أطر ومجموعات :
1ـ الأحزاب والقوى "المتحالفة" مع حزب البعث والمنضوية تحت مايسمى بالجبهة الوطنية التقدمية.
2ـ حركة الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية المعارضة.
3ـ مجموع الأحزاب الكردية في سورية ( وعددها 13 جزباً).
4ـ منظمات ومراكز حقوق الإنسان والمنتديات الحوارية...
5ـ مجاميع المثقفين والشخصيات الليبرالية المستقلة.

إذن، فالعمل المعارض والمنظم في أطرالأحزاب والحركات والمنظمات الأهلية ( الغير مرخصة والعاملة تحت الأرض) يتم في القنوات الخمس التي ذكرتها. وللوقوف على "ماهية" وكنه هذه الحركات أو التجمعات المعارضة ومعرفة خطاباتها ومضامين هذه الخطابات(...) يجب علينا بادئ ذي بدء تفكيك الفكرة التكوينية أو الأرضية الإيديولوجية التي تقف عليها هذه الحركات.
ولنبدأ من البداية، أي من المجموعة الأولى (الأحزاب والقوى السياسية المتحالفة مع البعث في الجبهة الوطنية التقدمية).
لقد خرجت هذه الجبهة إلى الحياة في 7 آذار عام 1972 بعد الإنقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع السوري حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني عام 1970 حيث قبض بموجبه على جميع مقاليد السلطة والنظام في سورية بعد إيداعه رفاقه، قادة حزب البعث، السجن. كان الأسد يطمح إلى إيجاد وخلق هيكلية صورية يؤطر فيها بعض الأحزاب والتنظيمات السياسية لإضفاء شرعية "شعبية" و" مشاركية" على إنقلابه و بغية تحجيمها وتقزيم دورها ونفوذها في الشارع السوري، بالإضافة إلى خلق هامش" تنفيسي" ما، وإيجاد خط رجعة إلى المسلك الديمقراطي والمشاركي بهدف المناورة في الساحة الأقليمية والدولية إذما تطلب الأمر ذلك وسٌلطت الأضواء على الجبهة السورية الداخلية والحراك السياسي فيها.
والثابت، وبعد حوالي أكثر من 30 سنة إن هذه الأحزاب ذات الإتجاه القومي الصرف( وهو مايتماشى في المحصلة مع توجه حزب البعث) متواجدة فقط بالإسم، وليس لها أي وزن أو تأثير في صنع القرار وآلية تسيير وتخطيط الدولة، وكذلك لاتملك أي قاعدة شعبية ( مقرات، فروع، تنظيمات طلابية، أو وسائل إعلام خاصة بها...). ويأتي تقزم وتضعضع حال هذه الأحزاب نتيجة لهيمنة وسيطرة حزب البعث عليها. حيث أفرغها من أي معنى وجودي او مصداقية شعاراتية تنادي بها وتقوم عليها، فضلاَ عن إنصراف السوريين عنها حيث باتت، ومنذ تحالفها مع البعث، محط سخرية وإزدراء من قبل الشارع السوري...
أما في الإتجاه الإسلامي الذي يتصدره تنظيم الإخزان المسلمين، والذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فقد أدى ظهورأجنحة متطرفة فيه ووقوعه تحت تأثيرالأجندة "الجهادية" و"الدعوية" الآتية من مصر ودول الخليج لخلق حالة من المصادمة والمواجهة مع السلطة في سورية( حزب البعث + الجيش وقوى الأمن + الأقلية العلوية)، وكانت للمواجهات الدامية في بداية الثمانينات أن حطمت هياكل الجماعة وقضت على معظم كوادرها وقادتها( قتلاً أو سجناً او نفياً)، كما إنها فقدت الكثير من أنصارها داخل المجتمع السوري العريض، نتيجة الأخطاء والجرائم التي قامت بها بحق الكثير من المدنيين والمثقفين السوريين في ذلك الوقت.
الآن، وهي تنشط وتعمل تحت الأرض متكئة على إرث قديم وولاء مناطقي له أكثر من سبب وتفسير، لم تعد تملك الكثير من النفوذ والحركية الميدانية، كما إن فشل تجارب الأحزاب الدينية التيوقراطية والخطاب الراديكالي لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وذلك التوق الغائر لدولة الخلافة المنشودة، بالإضافة طبعاً للحرب الكونية على الإرهاب الإسلامي وماأفرزته وتسليط الأضواء على تنظيمات الإسلام السياسي ومضايقتها في طول وعرض العالم، جعل من خطابها مهزوزاً ومضطرباً يبدي نوعاً من الهروب إلى الأمام، رغبة في الحوارعبر "حضرنة" و"عصرنة" مفردات وتعاملية خطابها، بينما يحافظ هذا الخطاب في خطوطه العريضة على كامل برامجه وأهدافه القديمة الغير مقبولة إقليمياً ودولياً. وقد كان النظام أذكى وأكثر إستيعاباً للمتغيرات من مٌنظري الأخوان إذ كيف يستغل هذه النقطة كفزاعة في وجه القوى الداخلية والخارجية المطالبة بالتغيير وإيجاد البديل الديمقراطي. ونتيجة لشلل قدرة هذه الجماعة وعنف القمع السلطوي ( قانون إعدام من يثبت إنتمائه التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين) فإنها باتت ضعيفة تناور في ميدان التنظير والإعلام أكثر من حضورها الفعلي على أرض الواقع.
أما في الجانب الكردي من المعارضة السورية، فثمة أحزاب كردية ذات توجه قومي صرف : نشئة وعملاً وأهدافاً. ويكاد معظم برامج هذه الأحزاب تدور حول القضية القومية الكردية في سورية، أما من حيث التأثير والتفاعل فبالرغم من عددها الكبير ووجود مشاكل حقيقية ومتكررة بخصوص آلية التعاون فيما بينها، إلا أنها ذات تأثير قوي وواضح في الساحة السياسية السورية وكذلك في المهجر. لكن هذا التأثير ليس بطاغً، بمعنى إنه ينسحب على حالات كثيرة تؤثر على السلطة وتزعجها وتدخل في حساباتها وحساسياتها المتزايدة، حيث الرفض القوي والدائم لوجود أي مشكلة كردية في سورية، لكنه لايجبرها على الرضوخ التام لمطالبها المتكررة منذ عام 1957 عندما تأسست اول حركة سياسية لكرد سورية. ورغم تماهي هذه الأحزاب مع بعضها البعض في السكون والحراك، وتشابه طروحاتها فيما يخص آلية حل المشكلة الكردية وكذلك العلاقة مع العمق الكردستاني وراء الجدود الدولية، إلا انها إستطاعت التأثير في السلطة السورية وإشغالها في بعض الأحايين. وكان ما جرى في 12 آذار في المناطق الكردية أو ما سٌميت لاحقاً بإنتفاضة قامشلو الكردية الإنفجارالأقوى للقضية الكردية في سورية داخلياً وإقليمياً ودولياً، حيث نهضت الجماهير الكردية تحت وابل الرصاص والقمع الرسمي للمطالبة بحقوق الأكراد أخذة زمام المبادرة من الأحزاب، والتي فشلت بعد ذلك في تسّيس القضية وقيادة الجانب الدبلوماسي منها. وإذا كان البعض يٌعيب على هذه الأحزاب توجهها القومي الكردي الصرف( مثلما نقرأ في أكثر من موضع ولأكثر من جهة) فلذلك ـ في نظرناـ عدة أسباب:
أولاً: لوجود قضية قومية كردية في سورية، تتعلق بالقومية الثانية في البلاد والمحرومة من كل حقوقها القومية، بما فيها حق المواطنة. تلك القومية التي تتعرض إلى معاملة إستثنائية من قبل السلطة منذ عقود طويلة.
ثانياً: إقتصار نشاطها وتمددها الديمغرافي/التنظيمي داخل الوسط الكردي في مناطق كردستان سورية وبعض المناطق الداخلية التي يقطنها الأكراد، مع ملاحظة إهمال بقية قوى المعارضة السورية للقضية الكردية أو ركنها إياها في الهامش الديمقراطي البسيط، حيث لايتناسب ذلك أبداً مع حجمها ومدى التركة الغير منصفة لحكومات الدولة السورية إزاء الشعب الكردي. وأخيراً طغيان التوجه العروبي على خطاب الآخر( حكماً ومعارضة).
فالظلم والقمع الجاري بحق الأكراد منذ تأسيس الدولة السورية تمّ ـ ويتم ـ إستناداً على الفكرة القومية العروبية ووفاءً لمفهوم "الطهارة" و"النقاء" القومي والجغرافي على أساس عنصري، وليسّ ثمة من إرتكازية او مرجعية واضحة لمفهوم المواطنة او أي إجراء ميداني وتطميني يوحي بتطبيقها ذات يوم. وعن هذا الموضوع يقول الكاتب الكردي مشعل التمو في مقال له بعنوان(المعارضة السورية وخطورة إنتظار المنقذ) مايلي" أن الخطاب السياسي لمجمل المعارضات الموجودة , ينبع أو يرتكز في بناءه على الجذر القومي والقضية القومية , حتى انه آية رؤية للقضية الوطنية الداخلية , تمر من خلال القضية القومية , وليس العكس , فالناظم هو الموقف القومي , والخطاب القومي العروبي وبالتوافق معه , أي من العام المحدد للكثير من القراءات , التي تنفي في اغلبها , أو تغيب في مضمونها الخاص , حتى أن تخوين الآخر وأدانته , هي وليدة شرعية لهذه الرؤية ذات الشعارات الكبيرة , والفعل السياسي المعدوم وطنيا , وبقناعتي أن التصحيح الأولي لهذه الرؤية الانتكاسية , هو ما يكرس مصداقية أي خطاب سياسي تغييري , إذ أن معيار المصداقية الشعبية يكمن في جدية وشفافية أي خطاب , يَكون ينبوعه المعرفي وفعله السياسي ناتج عن المصلحة السورية , التي بالضرورة يرتكز إليها , وينطلق من صدقيتها وعافيتها في تجسيد أي موقف قومي , وهي معيار نضج وشفافية الخطاب السياسي التغييري , لان إعادة أنتاج صيرورة القومي , وطمس الوطني , هي ذات الحالة التي أوجدت الأحزاب الشمولية , وهي ذات المناهج التي استنـزفت خيرات البلاد , عبر المزاودة على الآخر وعلى القومية , في سبيل خنق الوطن وإلغاء المواطنة وتغييب المجتمع بمن فيه وبما فيه".
إذن، ثمة إرتكازية قومية واضحة ـ لابل مؤسسة ـ للخطاب السياسي للقوى السياسية الكردية في سورية، لسان حالها يقول في وجه بعض منتقديها(أصحاب الترياق الديمقراطي السحري) من القائلين بالحل الأوتوماتيكي للقضية الكردية بعد حلول الديمقراطية : إن جو الإضطهاد والشمولية وخلو أجندة الآخر من حل لائق ومناسب يحوي كل مظالم لألكراد، ووضوح النزعة العروبية/الإسلاموية وراء سطور أغلب القوى المعارضة هو الذي أسبغ السمة القومية الطاغية على الخطاب الحزبي الكردي السوري.
ونأتي أخيراً لنتوقف أمام المنظمات الحقوقية الغير مرخصة، أو تلك التي تعني بحقوق الإنسان وتتابع شؤونه، وهي بالإضافة لبعض الشخصيات السورية الليبرالية، تشكل جبهة مدنية في وجه شمولية النظام ومؤسساته الأمنية. وثمة، مادمنا نعرج على خطابها هنا ـ مسحة وطنية ذات طابع عروبي واضح يغلف سعيها لإيجاد حلول" وطنية" للقضاية السورية الداخلية، دون تخطي السقف المسموح به حكومياً وعروبياًً.
أي إنها تتقيد بالخطوط الحمراء العليا( الفوبيات المؤسسة لمنطق الخوف واللاحل ) إذما تعلق الأمر بمواضيع تفسر كونها تدخل في نطاق "سيادة الدولة" أو "وحدة أراضيها" أو "علاقاتها ومصالحها الخارجية".
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة وبعد تحرير العراق مقولات مثل "ضرورة الإستعانة بالخارج لإحداث التغيير في الداخل" أو "التغيير على يد عمرو" كما ذهبّ الدكتور سعد الدين إبراهيم في مقال له، مما أوجد ساحة إحتراب أفكار جديدة إختلط الحابل فيها بالنابل، وبات الميدان واسعاً للمزايدات و"بيع الوطنيات" بين بعض المثقفين المعارضين و رجالات ومثقفي النظام، لكن حتى رياح مزايادت المعارضة لم تفلح في أخذ شيئ من بلاطة السلطة.
والحال، إن ثمة تناقضات وإضطرابات كثيرة في طروحات المجاميع السورية المعارضة، فما يقال في المجالس القليلة أو على صدر الصحف اللبنانية ومواقع الإنترنت السورية المهاجرة ، لايعبر بالضرورة عن وجود مناضلين ومعارضين سوريين أشداء( مع بعض الإستثنائات القليلة هنا وهناك) مادام الحال على ماهو عليه. وهامش السلطة التغييري ضيق ويستمر في التضييق بعد كل وعد بحدوت تغييرما، ومازالّ رجال من أمثال عارف دليلة وعبدالعزيز الخير ورياض سيف وأنطون مقدسي مٌغيبون تماماً على الساحة السورية!.

[email protected]
صحافي كردي مقيم في المانيا
تنشر بالتزامن مع شهرية"صدى آذار"