
قبل أشهر قليلة، وجدتُ نفسي مجدداً في المملكة العربية السعودية؛ بلدٌ أتاحت لي الأيام فهمه عبر دفء العلاقات الإنسانية أكثر مما أتاحته لي أروقة البروتوكول الرسمي. هناك، حيث الكرم المتأصل والصداقات العميقة، تتشكل رؤية حقيقية تعجز أعتى التقارير عن نقلها. وهذا البعد الإنساني تحديداً هو ما يمنح اللحظات التاريخية، كاللقاء المرتقب بين الأميرين وليام ومحمد بن سلمان في فبراير المقبل، عمقاً استثنائياً.
من حيث الجوهر، يجمع هذا اللقاء وليي عهد ينتميان لجيل واحد في ساحة دبلوماسية واحدة؛ وريثان لا يحملان فقط مسؤولية بلديهما، بل مسؤولية ضبط إيقاع القيادة في عالم يزداد تشظياً. يقفان اليوم على طرفي نقيض متكامل من السلطة؛ فمن جهة، يبرز ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي الذي يملك نفوذاً تنفيذياً مباشراً مكّنه من إعادة هندسة الاقتصاد السعودي وتسريع وتيرة الإصلاحات، جاعلاً من المملكة رقماً صعباً في المعادلة العالمية عبر "رؤية 2030".
وعلى الضفة الأخرى، لا يستمد الأمير وليام قوته من سلطة تشريعية، بل من نفوذ رمزي ودبلوماسي ضارب في عمق التاريخ. إنه يمثل "ثقة التاج" واستمراريته؛ فحضوره الهادئ، الخالي من الاستعراض، يبعث برسائل جادة حول النوايا البريطانية في مد جسور التواصل الدولي.
لم يأتِ توقيت هذا اللقاء مصادفة. فبريطانيا ما زالت تبحث عن بوصلتها في عالم ما بعد "بريكست"، بينما تكرّس السعودية نفسها مركزاً عالمياً للطاقة والتحول التكنولوجي. ورغم أن لغة الأرقام تتحدث عن استثمارات مليارية مشتركة، إلا أن الدبلوماسية الملكية لا تُبنى على العقود، بل على القوة الناعمة والثقة، والقدرة على الاستماع بقدر ما نتحدث.
في عالم لا يستمع إلا إلى الروايات الصاخبة وتتراجع فيه القضايا العميقة، يثبت التاريخ أن الانغلاق يعمق الخلافات، بينما يخلق الحوار مساحات للتغيير؛ وهنا تنجح العائلات المالكة في العبور إلى مساحات تعجز السياسة وحدها عن بلوغها. لقاء الرياض القادم ليس مجرد صورة تذكارية، بل هو رهان على المستقبل، ومحاولة نبيلة للفهم والنوايا الصادقة في زمن الغموض.
* تنشر إيلاف المقال بالتزامن مع parliamentarysociety: المصدر
