الواقعية المغدورة والاستبداد الشعبي
كان يفترض ان نسبق هذا الطرح بطرح اجلنا نشره، وهو يتحدث عن حفرية شديدة التعقيد، انجزها واقع مقنع، بل واقعية مغدورة، اسميت الانتخابات، ولعل طرحنا هنا سيكون مبتورا ما لم نحدث عملية تخليع ضارية لحقيقة المنجز في الانتخابات، من حيث ارتكازه على واقعية متوهمة تائهة وليس واقعية صلبة عارفة، ذلك لان الانسان، قد يكون منجزا للتاريخ، الا انه حين يشكل حاضره في التاريخ فانه حتما سيكون واقعا مقنعا ومتوهما لاسيما في عزلة الانسان العراقي الزمانية التي حضرت ربيع قادة التاريخ وعتاقه الفكري، الامر الذي ترتبت عليه معظم الشكلات والمآزق الحالية، والتي تمهد لتطور اسوء باتجاه ازمات، لم ينظر لها باعتبارها منتجات افكار البيئة وثقافتها. اذ ثمة نظرة وتصور طفحي تسطيحي، يقوم على الالية الفولكلورية المعتادة، وهي تعطل في خطابها فقه الجغرافية اللغوية واحداثيات سياقاتها، حين تسوق مفردة الحرية في سياق وترفض منهجها في سياق اخر، بحيث ان هذه الانتقائية الجغرافية للغة، تضاف لها فولكيات عاصمة اخرى، ومحددات غاشمة تهجر الحضور الانساني الاجتماعي لمثنوية خطاب ايديولوجي ويباس سياسي، حكم القيمة والمثال والنموذج على قاعدة الشرعيات الممجوجة والمؤزرة بمناهج المحاربين والمستثمرين الجدد، الذين جاؤوا بحاضنات الضرر من النظام السابق، وجاؤوا بمحمولات خطاب مؤرخ قديم، انتجته ثقافة سياسية عتيقة، كانت سببا في مجيء كل الطغاة بما فيه الدكتاتورية القديمة، وهي ثقافة انجزتها شرعيات الحرب العالمية الثانية ومناهج حركات التحرر والثوريين، كما رعتها في صعيد العراق، التاسيس الاول لمنظومة وخطاب السياسة، وما انتجه من ادب وبيان وبلاغة جدبة، احدثت انقلابات هائلة في نظام العاطفة واللحمة الاجتماعية، وخربت تلك الدلالات الانسانية القديمة، ممن كان مرتكزها قيما بريئة، لاتحدد اهليتها الاخلاقية والادبية حفنة افكار وعقائد وايديولوجيات متخشبة ومتيبسة، قحلت علاقات الناس والمجتمع. بل وافرزت مجموعة علاقات شيطانية، هي شيء من انقلابات كونية مفزعة، احدثت تشويشا في الطباع البشرية، ما فرض نوعا من الارتداد والخروج على الطبيعة الانسانية من جذورها وفي صلب ارثها المجرد، الذي نجح في الانفصال عن علاقات الغابة، الا ان تلك المنظومات اعادته الى ما قبل الغابة وما قبل الخلق، الى حدود تجمعات الكهوف،لاسيما وان الاحزاب بانزياحاتها العقائدية المفتعلة، خلقت كهوفا بدائية وعلاقات مجتمع يعيش في تلك المعازل المتكهفة.
بما ان الخطاب ومنظومة قيم السياسة تاسس على جانحة افكار، ان كانت هناك افكار، على عقل انقلابي هجومي، قاده المحاربين والعساكر، مستقطبين وخاطفين، في غفلة من الزمن، كل عناصر المثال والمخلص والقائد البطولي وما انجزته البشرية من ثقافة تنوير وثورة رفاه، وقد دعمتهم الاكثريات الشعبية المصفقة، بما يحتاجوه من شرعية، هي من اهلهم لذبح الذين صفقوا لهم، في سياق مضطرد ومتطور، حتى حدود الذورة التي تجسدت بنموذج صدام (ثقافة سحل الحبال لا تختلف عن ثقافة المقابر)، وهو الهالوك المثالي والطبيعي لذلك التاسيس التموزي القائم على شرعيات الثوريين والمحاربين والابطال والبواسل والنوافل.. الخ. اذن الناجز الفكري للوعي والخطاب السياسي الشعبي والحزبي، الذي في طريقه الى قيادة البلاد، هو منجز الثكنات والاقبية والمخافر، وقد حملته شرعيات مترجرجة متماوجة تنقلب بين عشية وضحاهى بين شيطان ورحمان، وكل يجلب شيطانه ورحمانه، في احتفالية متوترة تعطل الافكار والعقل والتامل والسلام الابداعي، ويصبح الصراخ والصوتيات الخارقة لطبلة الاذن كل المنجز، حيث يسيج نفسه بنظام حماية من " تطفل " العقل والافكار الفاحصة، او بمنع اعادة الظهورة الاحتفالية الى موجوداتها الفكرية وقياسها الانساني،لاننا لسنا محتمع حيوانات عقائدية، تؤمن بعشيرة العصبة والكتلة ظالمة او مظلومة، هذا نظام الحيوان الفرقي بين االبشر.
مجموعة حوارات وشكلات مزلزلة في بطون المجتمع العراقي منذ سقوط النظام، وهي تعصف برياحها اللاهبة خلايا المجتمع، هذا ان بقي في العراق مجتمع، كما تتحرك بايقاعات فوقية وسط الطبقة السياسية، المناوبة على حماية منهج التاسيس الاول لثقافة تموز السياسية سواء كانت جديدة ام قديمة، وقد تحكمت في نقدها تلك المناهج المقارنة التي هي منجز فكر الاستبداد والاستبداد البديل، المستندة على قيم رميم ومثل عقيم، لفظها العالم نحو التاريخ، لاسيما وان البشرية دفعت من عمرها زهرات الايام الخوالي، وهي تعيش اوهام عقائد الحرب الباردة وادبها وخطابها وافرازاتها، والتي للاسف ما تزال تقود الشيء ونقيضه وسط الطبقة السياسية العراقية، مستتبة على نظام التاريخيات البارة، وآمنة على شروط وجدانية، هي مصدر كارثة لانقلابات مفزعة في انظمة البشر وعلاقاتهم، الى حد انجزت قيم الشر الاخلاقي والشيطان المثالي، وهذه لم يعترف بها اصحاب الدعوات، فكل الشر والشيطانية جاءت بخطاب فاضل ووعد نافل، واسوء الزنزانات جلبتها شعارات الحرية، ابشع الجرائم والمجازر خلقتها دعوات السلام، بل كل تراث الخوف جاء في خطاب الامن والطمأنينة، وقاده نظام الامن ذاته، حتى ترافقت ودلت هذه المفردة [ الامن ]، دائما، على انثيال الذعر في النفس البشرية كلما ذكرتها او دخلت الى كلمة مسامعها.
في الخلاصة، نحن نستمع الى مجموعة تحتج وتناقش وتؤسس لمستقبل اجتماعي وسياسي، نقرا الانظمة وغدا نقرا الدستور، نسمع تصريحا هنا وهناك، معارضة وموالاة، نقدا ومدحا، رضا وخيبة.. فضائيات تقدم لنا ملائكة لم يعرفوا الخطيئة كجدهم آدم، ابطال فرضت قوانين اللغة وطبيعتها التمثلية الممسرحة، لم تخلق الارض شبها لهم، عمائم ونسوة يظهرن في اقصى هتوك الظلم والظلام، يرتدين الزنزانة ويجلسن في مقاعد الحرية، لا تذكرنا صورتهن الا بالبوم السوداء، حيث حقوق المراة ممثلا بصياغة الذكر للانوثة المتواطئة، وهي تمثل رغبة الذكر الجنسية في طباق الاستظهار عبر المتستر، وليس رغبتها، او ربما رغبتها اثر تاريخ من غسل الادمغة / لحى وترميزات ولائية ناطقة وصامتة، تعبر عن بقاء نظام الولاء العبودي، وقد تناوب مع نظيره القديم، بصيغة دهائية خارقة، حتى صارت طقوس الدين مشابهة لطقوس الحزب الواحد، وهو يجنح الى الترميز السياسي بالازياء والمظاهر واستبدال النشيد بالادعية القرسطوية، اعتراضات على وزارات، ومحاولة دهاء النعامة على ذئاب في رمل عاري، خطاب مجدلي يخفي عيوبه برجم الشيطان والخطيئة، وهو يؤسس الى منظومة نقدية شبيهة بمنظومة تموز الثورة واستمرارها المضطرد، حيث يسود العالم كتل لغوية هي مجموعة عن سدم عمياء، تحمي غموضها من خروقات العقل والفحص، وتميز معالم العلاقات والحياة الادبية على مثنوية الشيطان القديم والرحمان الجديد، فتسود لعبة المثيولوجيا البدائية والتراجيديا الممسرحة في اليات ومناهج قديمة، اهترأت وضمرت، حيث الحصون اللغوية ذات الحراسة المشددة على تلك الغرف العديمة الابواب والشبابيك، التي تسكن فيها: اما ابنة السلطان الخارقة الجمال، واما التنين الذي يرسل نارا خرافية لكل زائر! خيال الف ليلة وليلة غامضة على الدوام، يرسل مرتمسه القديم في خطاب السياسة،حيث مجموعات لاباس بها، تقيم وعيها على التوتر التراجيدي الماساوي، تحاول بناء وتاسيس المستقبل،مرة جديدة، على القيم الماساوية وخطاب البطولة، ومنع العقل من ماسست المستقبل، وقد تبادل الخدمات في دعم وتسيد هذا الخطاب،اضداد هائجة مفعمة بلون الدماء والجريمة والقتل، حيث حاجة المحاربين الى اعداء !، وفي كل مرة، الاعداء من يخلق الحراس، والحراس من يخلق مجتمع الثكنة والقهر والقمع، وتاليا لا خلاصة من بلورة هذه العلاقات في رمزية طاغية وعقل احادي،يتواءم في بيئة تنتج الاستبداد بادق جزئياته.
ثارت ثائرة الحراس والمحاربين، ممن ارتدى الزي المدني في البرلمان العراقي، على تصريحات رامسفليد، بموازاة ما اطلقه علاوي من مخاوف حيال تشكيلات الاجهزة الامنية ووزارة الدفاع، وسيق خطاب الثنائية الشيطانية والرحمانية، بفولكلوره السحري المثيولوجي المتغرب عن الوقائع، والمناوب على تناظر اليات النقد والمناهج القديمة التي يستخدمها فكر الاستبداد، في نيله من الخصوم، حيث الشر في الخصم كله دون ان يذكر اين مكان الخير كله، ذلك ان الية رجم الشيطان تكفي للترميز عن الولاء للرحمان ! اذن المنطق النصفي السائد في النقد سيبقى ما بقي المحاربون يقودون الطبقة السياسية، لانهم دائما يحيلون الوطنية الى الحزب والايديولوجيا والعقيدة، فيدخلون الكلية الوطنية بجزئية الحزب والكتلة والجماعة، أي الطرفية الدائمة في ثقافة المسؤولية، وهي لا تختلف عن أي مناهج طغاة ومنظومات مستبدة تقصي اعدائها، ذلك ليس لان اقصاء الاعداء امرا يتعلق بمفاضلة ما، بل لان تداعيات عقل الاقصاء ذات مردود مفزع على الحياة السياسية والمجتمع والناس..انها مرة اخرى تفرض توكيدا لقراءة السياق وجغرافية الخطاب واللغة والمطالب، وليس ماهية هذه المطالب التي هي دائما على حق، ولكن جغرافيا الحق وسياقاته وتماهيه ووظائفه، تلك منظومة الساكت والصامت الذي يحيط المنطوق والمحكي، على الدوام، لذا سيكون خطاب الاعلام بمعزل عن السياقات والجذور الثقافية التي انجزته ضربا السذاجة والغفلة، بل ان هذا الخطاب يمنحنا قدرا محترما من استخدام السابرات الذكية لمعرفة كيفية تفكير الافراد، وتاليا التقاط صورة استباقية عما يخططون له في المستقبل !! انه شيء من الثقافة الوقائية والامن اللغوي والفكري لكشف الكذب والتماهي والتوظيف والبعد التعبوي.
ولدى قراءتنا للسياقات الساكتة في توجها الجغرافي والاحداثي لخطاب بعض الطبقات السياسية، اول ما يفاجئنا المضمّر المفزع حيال التعامل مع البلاد من هذه الطبقة، حيث تخفي في اللاوعي استحقاقا ملكيا، يقوم على اخلاقية الغنائم والاسلاب وعقل المنتصر الى شرعيات المتضرر والمازوشية البطولية، وايضا بمنطق تراجيدي وليس قانوني ومؤسساتي، كاي لعبة قمار، لا تعترف بهوية الرابح ان كان يستخدم الاموال للجريمة ام لسد الحاجة، فكلما ازداد الضرر ازداد الثمر والقطاف، وهذه تسليعية مقيتة في بناء نظام ودولة، هي لا تختلف بالنهاية عن المدارس الثورية والانقلابية، التي لم تقدم التجربة، ولا واحدة، تمكنت من بناء دولة العدل والقانون،لانها اساسا تهجر النظام الاخلاقي والانساني الى محددات مزيفة، تختصرها شعارات الوعود المستحيلة، كي يكون الممكن بخلفية المستحيل مبررا في خربه وفاساده.. كفكرة الجنة او مجيء المخلص بعد فساد، فالمفسد لا يجد بدا من انه يقوم بفضيلة تحضير المخلص والمنتظر، والصالح سيكون بهذه الحالة سيئا وطالحا لانه يبطئ ويؤخر مجيء المخلص!! كل ذلك ايضا، تمرره ثقافة الوعد المتجدد في التاجيل والغياب، بحيث سمح هذا التاجيل لكل الموبقات والقهر واستباحة شتى الخروقات (المخلص هنا ينتقل في المؤجلات اللادينية الى وجود الاعداء والمؤامرة وانظمة الطوارئ، بحيث يتقمص العدو نعيم المخلص!)، على قاعدة نظام الحراس والمحاربين الابرار، الذين حصنهم النقد المجدلي والثقافة الشيطانية والثنائية التراجيدية، بحصانة معصومة مباحة الاخطاء، طالما نصف النقد هو التجسيد الميكانزمي للنصف الاخر، أي رجم الشيطان يحقق الالوهة، والالوهة هي النصف الغائب دائما، فيما تتحول عملية رجم الشيطان في استغراقها الى مؤاخاة للشيطان نفسه، واستخدام قوته الرمزية الحية والهائجة كمطلب لبقاء الحراسة المشددة ونظامها مما يجعل الشيطان ضرورة لهذه المجموعات اكثر من الرحمان، وتاليا تكون هذه الضرورة هوية اخلاقية وثقافية ونظامية، لا تقل شبها عن الشيطان نفسه، فتكون هي الشيطان وهي الراجم معا، كما حال اسرائيل لدى عرب الصمود، بحيث احتلال الجولان ضرورة سورية، الامر الذي لا يفرق بين من اراد احتلال ارضه وبين المحتل ذاته،لانهما حاجة شرطية لتسويق بعضهما في خطاب الداخل النصفي، حيث الحرب مع الخصم الشرير بلا بديل الخير. هذا النصف المفقود دائما في نقديات خطاب الاستبداد والحراس والمحاربين، أي حين قتل جلجامش قيادة الشر في العالم، عرفنا قتل الشر ولم نعرف نظام الخير من بعده، هكذا ليس كافيا ان نقتل الشر بل ان نخلق الخير (هذا ايضا يؤكد ان قتل الشر يبقي الشر فيما القتل الحقيقي للشر هو بخلق نظام الخير، حينها يموت الشر بلا سكين بل من زحام البطالة وانعدام الحيوية والانعاش)، وكل قتلة الشر كانوا الشر ذاته! هذا ما تنبؤنا به التجارب والافكار والعقائد المجيئية الواعدة.
كوميديا الديمقراطية، في تفسيرات البعض، ممن كشف اوراقه دفعة واحدة، عبر اخلاقية ومنظومة استعلاء المنتصر، وهي تنتقل من نظام الحرب الى صناديق الاقتراع دون تبديل بالمناهج، وبسبب عدم التفريق بين الحزب الجزئي والوطن الكلي، أي وطنية الحزب في وطن متعدد الاحزاب، فانها تقيم تصورها على مخالفة خطيرة ، هي من دون شك، تشكل ناجزا واضحا لدولة الحزب الواحد وجمهوريات الايديولوجيا التي تلغي الدولة والوطن والمؤسسة وتسيطر على شتى اوجه الحياة وايقاعاتها المتنوعة والمتناوبة، حيث الايديولوجيا تكتب الدستور، من قضاء الى ثقافة الى افكار الى حريات شخصية وسياسية الى قانون وادارة، وتطور تمركزها وتمحورها اكثر حتى تصبح عصارة ذهبية مفلترة، على مذهب السلطة كجهاز قهري، بحيث تختار في سياق تكثيف مضطرد، مؤسسة الامن والمخابرات كنهاية محتومة لاي سلطة من هذا النوع الايديولوجي. دهاء جديد حدث في هذه النظم الحديدية الصارمة وهو استباق لازمنة التخليع الديمقراطي الذي نزع المستورات المؤجلة بخطاب التعويذة السياسية، وهي محاولات خلق تعددية تحت سقف واحد، او داخل تيار واحد وحزب واحد، فتخلق برلمانات او ترميمات اصلاحية كما الحال بايران او البرلمانات المعلبة، من مجالس شعب او جمعيات وطنية الى مؤتمرات شعبية على طريقة الخبل الليبي او برلمان سوريا، وهذا كله ديكور يقدم شرعية الاجهزة الحاسمة والمقررة، وهي المؤسسات الشبحية والسرية تلك تمسك بالخطاب الاول، بحيث تملك حق التخريب والقتل والسجن والاتهام في أي لحظة حرجة، تؤازرها منظومة قيم اعلامية تروج لذاكرة الحراسة والحماية من الشر الوهمي الدائم، او الذي تلصقه بعدو ما، فتطبق بمنطقها هذا على كل مخالفة، مستخدمة الاجماع المذعور والخائف، على تحديد الشر والشيطان، وهو نوع من الارهاب الادبي، استخدمته كل الاحزاب والثورات النمطية والحكومات المستبدة والعقائدية الماحقة، مع اعدائها ومخالفيها. اذن اعادة الحوار الجذري الاول مع الشيطان ضرورة للتخلص من خطاب الرحمان المحارب والمستبد في نصفه الخالد، أي انسنة الشيطان وعقلنته واعادته للخدمة الذهنية والفكرية، لتدمير خطاب المغلقات السحرية وخطابها التراجيدي.
خطاب الادعية الجديد وعواء الترميزات التكفيرية، الذي يستبطن، ببراءته الدينية الظاهرة، خطابا سياسيا برانيا، يتماهى في سياقاته وقيوده المركزية مع ايران، كدولة للتمركز الديني الاسلامي، لاسيما ارتفاع لهجة استبطان سياسي اخر، اكثر دهاءا في عملية التماهي، ومن المجموعة نفسها، بحيث تطبق ايقاعات التكفير، بكابحها الارهابي والسلمي، عبر جغرافيا المسوقات الايرانية، التي لا تحمل، بدعوتها النزيهة حكمة او خدمة عراقية صرفة ولا واقعية عقلانية وطنية، انما تحمل ازمة الاخرين في اوطانهم الاخرى، سواء مع الاميركان او في حقل الكونيات السياسية والعقائد والايديولوجيات، التي كسدت وفشلت في تمكن خيارات البشر إزاء خلق دولة الملاك والحراس والمحاربين الوعديين. وذلك فان همبرغر وبنطلون جينز هزم اعتى قوة نووية في العالم، ما يؤكد هشاشة القوة الغاشمة امام قوة الضعف بافكار الحرية والرفاه المتسيب خارج المركزيات العقائدية.
خطاب الاستقلال، والتحريض ضد المحتل، في سياقات وجغرافيا غير عقلانية، جاء متزامنا مع مطالب التغييرات في الاجهزة الامنية والدفاعية، كذلك هو لصيق فكراني وايديولوجي، اعتاد بلشفة الدستور والدولة والنظام والمؤسسات والحياة كلها،لانه ربط بين حقوق النصر وحقوق تخريب الشرعيات القانونية، والانقلاب عليها بشرعية الحزب والفريق المنتصر، وان بنصف مطالب او بتخفيف الغلواء الخمينية او اللينينية او الهتلرية، التي أعادت صياغة الدولة والمؤسسة بعصمة الحزب البار والمنتصر، ودمرت الحياة السياسية والاجتماعية، بل ودمرت انظمة الضمير والبراءة الاجتماعية كلها، عبر محددات الولاء للرحمان والمخالفة الشيطانية !. جماعات خطاب البسملة والصلوات والادعية الانشادية (كما حدث في كوميديا مجلس محافظة البصرة الذي افتتح اجتماعه بنشيد الحزب الجديد، وهو حزبية الله والاسلام كمناوب لخطاب الاستبداد، باناشيده وادعيته القديمة، هذه الكوميديا العاشورائية في السياسة لم تحدث حتى في دولة الرسول ولا الخلفاء، لما فيها من انعدام في التلقائية الايمانية والزيف الممسرح في غير موقعه العبادي..الخ)، هؤلاء على ما يبدو في الطريق الى احتلال سلطات الظل وسلطات الدولة، بحيث ان عاصفة من التشويش والالتباسات ستسود البلاد،إن هم استمروا في حيازة الامر الواقع، وتاليا ماسست ثقافة الثار الايرانية من تركة الحرب الطويلة مع الخمينية، بعد ان حققت معاداة الشيطان اجماع الشرعية الحكومية والشعبية، فان النصف المختفي والغامض سوف ينفذ مراده طالما امّن تاريخ صراعه مع الشيطان، وبالتالي ليس مهما ما سيفعل في المضارع،بل المهم انه فعل بالماضي والتاريخ كنصف حقق الاجماع، فيما لم يحدث اجماع النصف الاخر، أي فعل المستقبل، وهو بالتاكيد فعل محكوم بالسلام والرفاه والخلاص والحرية، وهذا ما لم يلائم ايديولوجيا الحراس والمحاربين، كما لا يستوف تحقيق رغبات الثار من التركة الشعبية لتاريخ الحرب مع ايران، وما احدثته من حتميات وجبريات وطنية اسست وعي العراقي ولم تؤسس هذا الوعي على الطريقة الايرانية، لا في شروط السلم المرجح ولا في شروط الحرب التي حدثت رغم الجميع. وهنا تحاول المجموعات الايرانية كتابة تاريخ الحرب ايرانيا، وهذا يترافق مع تداعيات ليس اقلها الانتقام من رموز تلك الحرب ليس بوصفهم مجرمون ضد الشعب العراقي بل بوصفهم اعداءا لايران، وهنا منطقة الافتراق، أي الشعرة المجهرية التي تفصل جغرافيا السياقات بين وطنيتها وبرانيتها، لانها في شعار واحد واهداف مختلفة !. غرابة الطرف المحافظ في ايران أي حزب الحراس، انه محكوم باستباحة سياسية لا محال، وهذه الاستباحة تمحي الخصومات الفرعية وتخلق اولوية الخصومة الرئيسية مع اميركا، وهذا محكوم بميكانيزما التحالف مع القاعدة ومجموعات النظام، فيما التيار الاصلاحي في ايران لا يملك سلطة تقرير هذه المفارقات، فهو مجرد سلطة خدمية وبلدية، امام غول التمركز الامني والردعي كعهد وعادة دول الايديولوجيا الواحدة.
الاميركان لا يلعبون الغولف :
ولكن السياقات العراقية في الجانب الذي يشكل وكالات ايرانية في البرلمان بصعد من خطاب رجم لشيطان لانه يقع في جغرافيا التحريض الايراني ويخدم سياقاته ويلصق شيطانية صدام بدعم الاميركان خلال دعمهم تعيين رموزا عسكرية من الجيش السابق، والغاية هنا توظيف النقد الشيطاني لمزيد من التحريض ضد اميركا، وتاليا خلق استقطابية جمعية تقطف ثمارها ايران. والا فثمة منطق انتقائي ينقض هذا الزعم،لان فكرة اجتثاث البعث متحركة ومتلونة لدى جميع القوى، وهي تحتاج لشرعية غير انتقائية وغير طائفية، كما، في الاقل، تتطلب تفسيرا من الموالين لايران حيال كيفية التعاون من قبل الاجهزة الايرانية مع اعداء اميركا، وبضمنهم مجموعات النظام، وفي نفس الوقت تطالب بهذا الاجتثاث الانتقائي، ناهيك عن التغطية العددية والانتخابية الهائلة من قبل بعثيين قدماء، جرى استقطابهم والتسارع على كسبهم من قبل كل الاحزاب، مستغلين الشعور اذمي لديهم لسهولة ترويضهم وقيادهم؟ اليس هذا نزعة تعبوية غير مبدئية تقوم على اختيار جغرافيا السياق لتوظفه ام ان المبادئ تجعل حروب الدول فقه ثوري ؟ كذلك جرى تسويق اخر لتبرير اعادة البعثيين بانهم كانوا مكلفين بمهمات امنية ! حتى ضاعت صورة الجلاد بشكل الضحية وضاعت صورة الخسة بصورة البطولة !، كل هذا الامر لا نتبنى مفاضلاته بين تقديم صورة مخففة او ثقيلة عن ذنب هذا وذاك، لكننا بصدد كشف المنطق الانتقائي، كذلك بصدد تقبل مرارة سياسية لا تقبل حكائية المقاهي والفضائيات، بل تدخل في صلب البناء القضائي والمؤسساتي والدستوري المجرد، اذ لا مكان في دولة قانون لثنائية دول الشيطان والرحمان، او مؤسسة الحراس والشر الكموني المتوهم على بوابات الجنة،لان الفردوس في العادة لا تحتاج لحارس الجحيم.
لم تكن ايران في حربها ترمي البابنج على الجنود ولم يكن العراق مبشرا بحوار الصواريخ، كذلك ليس الخميني الام تيريزا ولا صدام غاندي، ليس قتل الجنود المكرهين بطولة نضالية ولا قتل الابرياء ليست جريمة دولة تستحق القضاء، ولا نضال الحرية يتمثل بخطاب دولة دينية، كذلك ليس حرب الدول يسجل كنضال سياسي انما حرب الخطاة وليس مفاضلة الاحرار. هذه الخلفية التي من الصعب على اكبر عبقريات العالم امكان احداث التنكر البيئي فيها، كما يقول داروين، ولا نجحت تلك الانقلابات الانثروبولوجية، بحيث تتمكن دول الفردوس نفسها من قلب الوطنيات الساكتة والممتنعة الى وطنيتها، هذا ما لم يعرفه الايرانيون، وهم لا يحسدون على النزيف الاقوامي داخل وطنيتهم فكيف بضم اوطان اخرى، او لوبي لدولة لا تحسد ايضا على قمعها لشعبها وخنق حرياته وبناء نظامه الامني على وحشية الاجهزة التكفيرية، وملالي الجحيم؟... ربما خدعها الواقع العراقي المقتع في نتائج الانتخابات، وهو يختار افكار تقوم على القمع والاستبداد البديل، كما تنسى ان الاميركان لا يلعبون الغولف في العراق، ما لا يمكن ديكورات القرون الوسطى النجاح فيما انتهى التاريخ واشترطت نهاياته خلق ديمقراطيات قهرية تنتعش في غرف العناية المدرعة. الا ان هذا الواقع لم يستمر بل سيكتشف القناع من الاصل.
صراع وزارات المحاربين ام صراع الثقافات:
مفهوم الدولة والسلطة في عالم متخلف همجي، لا يعرف السلطة، كما ورث، الا كجهاز امن بحيث يتعامل مع المشتشفى كمخفر شرطة وعمال البلدية كرجال امن وجنود، فان هذه السلطة والدولة تتمركز في وزارتين فقط، وهما الدفاع والداخلية، والباقي فضلة وديكور، او لزوم ما لا يلزم، بل وفي دول التمركزات الامنية حتى هاتان الوزارتان هما ديكور خدمي مشابه لوزارة البلديات والسياحة، ما لم يكونا مباركتين من قبل الجهاز الرئاسي الامني والمخابراتي او يتحولان الى ملكيته المطلقة.. هذا ما يضمّر الالتهاب الناري في تسابقه للحصول على هاتين الوزارتين، وهو دلالة الى ان الدولة في السلطة، والسلطة والدولة هي مجرد قوة ردع للخطاة وانظمة حراس ومحاربين، يتداعيان الى ترسيم انظمة اجتماعية في خدمة الامن والردع والمحاربين، بحيث ما يزال مفهوم الدولة المخدومة وليس الخادمة مستمرا في الحياة السياسية، لاسيما في الجزء الكبير من اعضاء البرلمان، خصوصا الذين لن يبرؤوا من عضال التلوث الايديولوجي او مست الافكار الايمانية المعبدية والملائية، حيث السياسة طقوس عبادة وتكيات وادعية.
اوهام الوطنية والخيانة، صنعت بطولة المحاربين:
من المرير ان هذه الطبقة السياسية المسيطرة، سواء في البرلمان او في الشارع الغائب في معارضته الثورية والسلمية او التكفيرية او موالاته الملائية، سوف تؤسس لمستقبل السياسة ان لم نقل هي الذروة الاخيرة للتاسيس الاول الذي قلب السياسة والمجتمع، وهتك براءته في فجر تموز واجتثاث الحياة الدستورية والقانونية والديمقراطية، حيث بقي مرتكز الثقافة التموزية ارتجاعا نقديا لمعظم النخبة والثقافة السياسية، وما لم تعاد قراءة احداث تموز في ضوء المقارن الديمقراطي والدستوري اللاحزبوي الايديولوجي، فان المجتمع والبلاد تتطور الى خلف الخلف، متنقلة من دولة قمع الى اخرى، لاسيما المحركات الوجدانية للسياسة تنتخب الاستبداد وتحتفي به مقابل انهاء تاريخ الديمقراطية الدستورية، وهذه الشعبوية الاستبدادية من غير المدهش او الغرائبي ان لا تات بحاكم كصدام حسين او ملالي التكفير الجديد وتاليا توليد مجموعات الذروة، التي كرست الحرب مع الحياة وليس مع مجموعة محددة، كما تفرزه العمليات الانتحارية التي لم تكن مشروع اضحية بل مشروع لتدمير الحياة والانتصار لخطاب الموت، وهذا وليد شرعي للعدمية الاولى في الثقافة السياسية والقائمة على ركائز ما انجزته ثورة تموز، وارث سحل الحبال والمقاصل والمحاكم الميدانية وهي تجرم دولة قامت من لا شيء، تصادف ان تتكون عبر نظام صراع الحضارات وليس صراع الوطنيات والجنود، لاسيما تحرر العراق في مفترق تاريخي لا يتحمل نقد الوطنيات بل نقد الحضارات وصراع التحديث من التاريخ والتنوير مع الظلام، وكان ان تصادف حدثه بين مستعمريّن اثنين، يحملان صفة الكونيات العالمية في سياق مفاضلتهما وليس الهويات والوطنيات المجردة، وهذا نوع من الانزياح الجبري لحوار الحضارات، وقد تبادل الادوار بامم طليعية، كان لنا نصيبا بها. المؤسسين الاوائل للعراق لم يات في اعقاب دولة وطنية كي يخونوها، بل في اعقاب استعمار خان وطنيتهم اربعة قرون وربما ان جردنا حوار الاديان من كونياته التعبوية الزائفة ونقيم عليه ميزان المقارن الوطني، سيكون العراق قد احتل منذ اكثر من الفي عاما. هكذا مجموعة ضياط ارادوا خلق محمولات وطنية ليصبحوا ابطالا، فانهم خلقوا خيانات وهمية ووطنية وهمية ايضا، ناهيك عن الخروقات القضائية غير المحترمة التي تخللت تهريج المهداوي وعبد الناصر وملاحق حركات التحرير، تلك التي فخخت العقل الشعبي الانتقامي، بنزعاته التدميرية، فيكون انتخب زنزانته ومستبديه برغبته وخياره، بل واصبحت دولة الردع اقل خطرا من هذا الهياج الشعبي، كما تناظر الوضع في لبنان ومصر والجزائر واليمن، وحتى سوريا إزاء بدائل اخوان المسلمين. كل هذا الامر الواقع مؤهل لقصور دائم، على جبهة الجماهير والشعوب، حيث لا محال من محاكم المهداوي ومقتدى وجماعات التكفير والذبح، الى صناديق اقتراع الجزائر وانقلاب ثورة المليون الى مليون جريمة، ناهيك عن اعمال مليشيا لبنان وتشنيعاتهم، وتفجيرات مصر وحركة الحوثي في اليمن والمعارضات الظلامية في الجزيرة وهي تمنع فرصة التنوير من الاضطلاع بنظريات النقد والتحديث، حتى القوائم الكاسحة في العراق مقيدة بنفس العوامل، مع انها كامنة ومتساكنة الا انها نتيجة من نتائج عقل الاستبداد الشعبي. كل هذا يبرر للحكومات في هذا الجزء من العالم ان تتشكل بوزارات ردع، ولكن يعد من اكبر الانجازات ان كانت وزارات الردع والامن بيد رجال دولة وليس مليشيات ونزعات شعبية او اكثريات ملائية، لانها تحول الامن الى وزارات قتل وجريمة واستباحات مفزعة. ضمانات الحد الادنى في العراق تكمن في خوض حرب الافكار وسيطرت نظام الحرية في الثقافة السياسية ناهيك عن ضمانة مباشرة، وهي منع وقوع وزارات الردع بايدي الفكر الملائي،لانه ينطوي على مزدوج خطير، يكمن في ولائه لدولة اخرى، لها ازمات داخلية تحاول تصديرها الى صراعها مع اميركا وتاليا العقل التكفيري الكموني الذي سينفلت ما ان يحقق انتصار الشرعيات الشعبية والحكومية، ثم يؤسس ثقافة مستقبلية وربما دستورية تقوم على نظام اللاهوت القروسطوي التكفيري.
