إيناس الدغيدي: الجنس وسيلة وليس غاية

ايناس الدغيدي
سعيد حريري من القاهرة: تم عرض فيلم "الباحثات عن الحرية"، للمخرجة المصرية الأكثر إثارة للجدل إيناس الدغيدي، في سينما "غود نيوز" في فندق "غراند حياة" في القاهرة، وهي السينما المخصصة لعرض الأفلام المشاركة ضمن مسابقة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الثامنة والعشرين، وبخلاف كل التوقعات جاءت الندوة الخاصة بعرض الفيلم هادئة، وشبه خالية من المشاغبات، إلا من مداخلة ممثل مسرحي مغمور يدعى عبد الغني ناصر، الذي تساءل عمن يمول أفلام إيناس الدغيدي؟ واستغرب كيف تقدم مخرجة مسلمة أفلاماً من هذا النوع الغريب عن قيم الديانة الإسلامية والحضارة المصرية، فتجاهلته الدغيدي، ومنعه الأستاذ وجيه خيري، مدير الندوة ،عن متابعة الكلام.
حضر الندوة أبطال الفيلم، الفنانة اللبنانية نيكول بردويل، والممثلة المصرية داليا البحيري، والفنانة المغربية سناء موزيان، إضافة إلى الدكتور السورية "هدى الزين" صاحبة الرواية الأصلية "غابة الأشرار"، ورفيق الصبان، كاتب السيناريو والحوار، وافتتح الندوة شريف الشوباشي، رئيس المهرجان بكلمة أكد فيها بأن إيناس الدغيدي مخرجة لا تحتاج شهادة من أحد، وهي مميزة بتقديم وجوه جديدة إلى السينما، كما وأن الفيلم جريء في فكرته وطرحه، وهو يتمحور حول الحرية التي تمثل قيمة ليست مطلقة، والبحث عنها في مجتمعاتنا الشرقية صعب، وخصوصاً بالنسبة للبنات والسيدات، وهذا الفيلم يقدم معادلة صعبة بين حرية المرأة في الشرق والغرب، واختتم الشوباشي كلمته بتمنياته للفيلم بالحصول على جوائز، ككل الأفلام المشاركة في المسابقة.
واعتذرت الدغيدي في البداية عن رداءة الصوت التي رافقت عرض الفيلم مؤكدة بأن الفيلم خال من أي عيب في الصوت، وهذا العطل ليس موجوداً في النسخة الأصلية للفيلم، وإنما هو عطل لم يعرف سببه.
ثم سمح الناقد وجيه خيري، بمناقشة الفيلم طالباً من الجميع طرح الأسئلة الموضوعية التي لا تخرج عن موضوع الفيلم.
يسرا تتوسط نيكول بردويل وسناء موزيان
وعن إاتيارها لبطلات الفيلم قالت الدغيدي:" أهم ما يميز هذا الفيلم هو أنه أول فيلم مصري يتحدث بثلاث لهجات عربية: اللبنانية، والمغربية، والمصرية، وقد خرجت فيه من عنق الزجاجة المعروفة عن الفيلم المصري، حيث أصبح لدينا في الوطن العربي سينمات أخرى لها طاقاتها، وفائدتها، وعلينا أن نستغلها، ولدى بدء التحضير للفيلم كنت أفكر بداليا البحيري للعب دور الفتاة المصرية، ولم أكن أنوي التعاون مع ممثلات مصريات أخريات يلعبن دور الفتاة اللبنانية والغربية، لانني لم أقتنع بالممثل الذي يقلد لهجة غير لهجتة، ولذلك قررت السفر إلى لبنان والمغرب لاختيار بطلتي الفيلم الباقيتين، وهذا أمر يتطلب كلفة عالية في الإنتاج، فبدأت بعد ذلك بالبحث عن الفتاة اللبنانية التي تصلح للعب الدور المنوط بها في الفيلم، وكانت المشكلة ان على تلك الفتاة أن تكون جميلة، وتعرف كيف تمثل، فقابلت نيكول، وشعرت بأنها قريبة من طريقة تفكيري، وأعجبتني خلفيتها الثقافية والحياتية، كما ولفتتني جرأتها في تقديم هذا الدور، وإدراكها التام بأنه لن يؤخذ عليها كفتاة لبنانية، رغم أن البعض قد يقول بأن في الفيلم مشاهد جريئة، فاتفقت معها، ثم واجهت مشكلة في اختيار الفتاة المغربية، وقد سافرت إلى المغرب مرتين، للقيام بالكاستينغ، ولم أوفق، إلى أن كنت في إحدى المرات أتكلم مع الشاعر المصري محمد رفاعي عبر الهاتف، فسألته عما إذا كان يعرف فتاة مغربية تجيد الغناء، وتصلح للتمثيل، فقال لي: "أنا قاعد مع مطربة مغربية، أسجل لها شريطها الجديد"، فقلت:" تعال وجيبها"، وبعد عشر دقائق، أتى رفاعي ومعه سناء موزيان، وما ان وقعت عيني عليها، وحتى قبل أن تتكلم، شعرت بأن في ملامحها شخصية البنت الغلبانة التي تصلح للدور، فعرضت عليها التمثيل، فقالت لي: "لم آتِ إلى القاهرة لأمثل، بل لأغني، ولكنها عادت ووافقت على تجسيد الشخصية، وخضعت لدروس خاصة في التمثيل لمدة شهرين مع الأستاذ محمد عبد الهادي".
رئيس مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح ندوة الفيلم الصحافية
ثم تحدث أحد الحاضرين مؤكداً بان الفيلم مكتوب بحرفية عالية إستطاع فيها الدكتور رفيق الصبان أن يصل إلى الجمهور بصدق، ولكن كان يجب أن توضع علامة تعجب بعد عنوان الفيلم لإبراز الفراغ الكبير بين قيمة الحرية في الغرب والشرق، وأضاف بأن المشاهد الجنسية في الفيلم كثيرة، وأن العلاقة الجنسية للفتاة المصرية كانت غير مبررة.
فأجاب رفيق الصبان قائلاً، بأن الجنس لم يكن غاية في حد ذاته، فالفتاة اللبنانية كانت تستخدم السادية والمازوشية في الجنس لتعاقب نفسها على تركها لحبيبها وبلدها، علماً بأن ذلك لم يمنعها من الإهتمام بالقضايا السياسية التي يفترضها عملها كصحافية، والدليل على ذلك هو انتقامها من الزعيم السياسي اللبناني المجرم الذي أراد أن يستغلها. والفتاة المغربية كانت تعاني من القمع الأسري، وقد هربت من أخيها الذي كان يضربها كالدابة، وسافرت إلى باريس، فلم تجد غير الجنس وسيلة لتواجه بها الحياة، فعاشت تحت قبضة رجل يكبرها سناً، وحتى عندما وجدت طريقها في الغناء، أوصلها الغناء إلى طريق آخر من طرق الدعارة. أما المصرية، فسافرت إلى باريس لتكمل الماجيستير في الرسم، وتؤكد حريتها تجاه زوجها الذي يغار منها، وبعدما عاشت أربع سنوات من العزلة الجنسية، وجدت أن الرجل الذي اقتحمها، وأعجب بفنها، ولكنه لم يستطع أن ينسيها إبنها، فقررت العودة إلى بلدها، بعدما اكتشفت بأن صلتها الرابطة بإبنها كانت أقوى من صلتها بالرجل الذي أحبته، فعادت ولكن ليست ضعيفة، بل مقاومة وثائرة، مما يدل بأن النساء الثلاثة لم يذهبن إلى باريس من أجل إقامة علاقات جنسية، وإنما كانت باريس بالنسبة لهن بؤرة الضوء التي كشفت عن كوامنهن، وعلمتهن كيف يقاومن، ويقفن في وجه التحديات".
نيكول بردويل في الفيلم
وقالت الكاتبة السورية هدى الزين:" بصراحة لقد قدمت في هذا الفيلم حكايات حقيقية عشت معها، فالشخصية التي تلعبها داليا البحيري، فيها جزء مني، فأنا ذهبت إلى باريس، ليس للبحث عن الجنس، وإنما بعدما واجهت الطلاق، والطلاق بالنسبة للمرأة في العالم العربي، مشكلة كبيرة، وليس أمام المرأة المطلقة سوى حلين: إما الزواج مرة أخرى، وإما مواجهة كلام الناس والشائعات المغرضة، وكانت باريس بالنسبة لي هي الوسيلة التي ستحررني مما يكبلني في بلدي، وهذه الفتاة التي تلعب دورها داليا البحيري، كانت ترى الحب من حولها في كل مكان، ولهذا أرادت بدورها أن تحب، ولكنها في النهاية عادت إلى إبنها، وأنا أتيت بأولادي إلى باريس... قصص الفتيات حقيقية وواقعية... وحتى شخصية الفتاة المغربية هي حقيقية وتمثل آلاف الفتيات المغربيات اللواتي يعملن في أوروبا في أصغر المهن، وحتى في باريس مدينة الحرية، هناك الخوف والمخاطر، ففي داخل الجاليات العربية نضرب بعضنا البعض (الرجل المغربي الذي يكبر الفتاة المغربية سناً، يسيء معاملتها، ويستغلها ويرفض الزواج بها، ولكنها تجد في الرجل الفرنسي الذي تحبه منقذاً لها، وهو يغفر لها كل ذنوبها، وحتى شخصية عبد الله، الشاب الأسمر الذي انتحر، هي شخصية واقعية، وهو كان يعمل معنا في الإذاعة، وكان حاصلاً على الدكتوراه، ولكنها طرد من عمله، فرمى نفسه من فوق برج إيفيل".
الباحثات عن الحرية
وعن الأغاني الموجودة في الفيلم، والتي أدتها الفنانة سناء موزيان، قالت إيناس:" عندما ذهبت إلى المغرب، للبحث عن الفتاة المغربية، وجدت بأن معظم الفتيات يغنين، ويملكن أصواتاً جميلة، وقد لفتني هذا الأمر، وقد تضمن الفيلم أغاني أم كلثوم، وفيروز، وأسمهان... إضافة إلى أغان أخرى، كلها موظفة في الإطار الدرامي للحدث"، وأضافت الدغيدي:" في الفيلم قلق وتوتر كبيران، وهذه حالة يعيشها المجتمع العربي بأكمله، ومن خلال شخصيات الفيلم، نرى التناقض في الشخصية العربية، فهشام سليم، عندما يبوح لنيكول، يعترف بحبه لباسكال، ولكنه يرفض أن تكون أم أولاده، وكذلك شخصية الثري العربي الذي يحضر الفتيات ليرقصن في إحدى حفلاته الخاصة...". وأضافت الدغيدي:" هناك ممنوعات، وموروثات تاريخية في مجتمعاتنا، ما زالت تشكل عقدة بالنسبة إلينا، فأنا أتحدى أي عربي يسافر إلى أوروبا والغرب، ويرى مشهد إثنين يقبلان بعضهما في الشارع، ولا يتوقف ليشاهدهما، وحتى نحن عندما نسافر إلى الخارج، نأخذ الضوء الأخضر في ممارسة هذه المحظورات....".
ثم تحدثت الفنانة اللبنانية نيكول بردويل عن تجربتها قائلةً: "تعرفت على شخصية إيناس الدغيدي من خلال برنامج "خليك بالبيت" الذي يقدمه الإعلامي زاهي وهبي عبر شاشة تلفزيون المستقبل اللبناني، وسمعتها تشرح عن أفلامها، وأعجبت بها كثيراً، وقد شعرت بأن شيئاً ما في داخلي يدفعني للتعرف على هذه السيدة، التي لديها أفكارًا جريئة، وبعد سنة أو سنتين تقريباً تلقيت منها إتصالاً، وكنت حينها في إحدى الحفلات، فبلغتني برغبتها في التعاون معي في فيلمها الجديد، وعندما قرأت السيناريو، أعجبت بالشخصية كثيراً، لأن فيها تحد، وفيها أكثر من معاناة، وتجربة تعيشها الكثير من الفتيات، وهذا ما حمسني لأخوض تلك التجربة، وأثبت نفسي من خلالها بشكل أكبر.
أما سناء موزيان فقالت:"كانت صدفة جميلة بالنسبة لي، كنت أسمع كثيراً عن إيناس الدغيدي، وعندما طلبتني للعمل معها، كان خوفي من التعامل مع مخرجة كبيرة كإيناس الدغيدي، وإمرأة قوية تتميز بتقديم المواضيع الجريئة من خلال أفلامها، أكبر من خوفي من الوقوف أمام الكاميرا السينمائية للمرة الأولى، وأثناء العمل كانت إيناس إنسانة طبيعية جداً، وبسيطة، وكانت ترشدني وتوجهني في تأدية أدواري، وترشدني كي ابدو طبيعية".
وقال الناقد نبيل درويش:" فكرة الفيلم غير مطروحة سابقاً، وقد وجدت مشاهد الجنس في الفيلم أكثر من عادية، ولكني أتحفظ على الأناقة الزائدة التي ميزت أزياء داليا البحيري، التي كانت تلعب دور فنانة تشكيلية، والتي من المفترض أن تكون أزياءها أكثر بوهيمية كأزياء الرسامات، مما أعطى صورة نمطية، إضافة إلى أن مشهد الثري العربي الذي يجلس إبنه بقربه في السهرة، هو مشهد مبالغ فيه".
فردت داليا البحيري قائلةً:" فكرت كثيراً كيف يكون شكل الفنانة التشكيلية، ورأيت أنها لو كانت ثيابي غير متناسقة، لكنت قدمت الشكل النمطي للفنانة التشكيلية، ولكننا غيرنا قليلاً في الشكل، فعندما كانت في مصر كان شعرها طويلاً، ولكنها قصته عندما ذهبت إلى باريس، ثم أني تعمدت عم إظهار الشخصية بشكل مثير، لأن الإثارة متوفرة في الشخصيتين اللبنانية والمغربية، وقد إخترت ملابسي من متجر سويسري في مصر، يصمم أزياءً مصرية من قماش مصري".
وعن سؤال إيلاف، حول إختيار نيكول بردويل من بين البطلات الثلاث لتكون وحدها على أفيش الفيلم، قالت الدغيدي:" إخترت هذه الصورة من ألبوم الفيلم لأنها تعبر عن موضوعه، وفكرته، وقد مللت من الأفيشات المصرية التقليدية التي باتت أشبه بأغلفة المجلات الفنية، ففي الخارج يقدمون أفيشاً لفيلم عليه شجرة فقط، وقد إخترت الصورة لأنها تمثل الحالة التي يعيشها الفيلم، وليس لأنها صورة نيكول تحديداً، والدليل على ذلك أن اللون الأحمر كان غالباً على الصورة، وملامح نيكول غير واضحة، أضف إلى ذلك أن نيكول غير معروفة كثيراً بالنسبة للشارع المصري، وأقول هذا الكلام كي أكون منصفة مع الجميع".


وعن قبولها لهذا الدور الجريء قالت نيكول:" قبلت بهذا الدور عن اقتناع، دون التخوف من أن يؤخذ علي، أو أن يعطي صورة نموذجية عن الفتاة اللبنانية، وإنما هو يمثل حالة معينة، ولا يمثل كل الفتيات اللبنانيات، وهو يمثل رسالة تساعد المجتمع، وهو أداة تمثل صورة لنساء يواجهن مثل تلك المشاكل، فإذاً هو دور راقٍ"وأضافت الدغيدي:" الحرب دمرت الشخصية اللبنانية، والفتاة في هذا الفيلم تستخدم المازوشية، والسادية بفعل الثقل الذي رمته الحرب على كاهلها، وهذا واحد من مخلفات الحرب، وظلالها التي ألقتها على الشخصية اللبنانية".

تصوير: سيد عبد ربه [email protected]