حوار مع الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد (1/2)
حاوره موسى برهومة: ولد الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد في تموز 1927، سماه والده ليكون (هارون الرشيد) تيمنا بالخليفةالعباسي الشهير، وتفاؤلا بميلاده، تلقى أول دروس الشعر وايقاعاته منصتا الى شاعر الربابة، مع قصص فرسان العرب، مثلما استبطن شجن أغاني الأم، وهي تتسلى بها في ليلها الشجي، وكان نتاج ذلك وجدان شعري مليء بالشجن رغم ما فيه من تفاؤل يطل من ذبالة الشجن.. ومع حدث النكبة صعدت قصائده الاولى في تصوير حياة اللاجئين الذين عايشهم لحظة بلحظة.. ثم تحول إلى مبدأ العودة، مع المد القومي وموجة جمال عبدالناصر، وقد صعد اسمه وارتفعت موهبته مع الحقبة القومية الناصرية، فغنى للوحدة وآمالها باستعادة الوطن المسلوب.. منذ اكثر من نصف قرن وهو يغني لفلسطين ولا يسمح لشيء ان يشغله عنها، كأن همها قد صادر طفولته، وصادر شبابه، فلم يعش طقوسهما كما يجب، وانما كبر مثل كل ابناء فلسطين، واصدر حتى اليوم عشرين ديوانا شعريا، وعددا من المسرحيات الشعرية، وكتب عشرات الاناشيد للاطفال وللطلبة، مثلما تحولت قصائده الى أغان شهيرة، غنت له فيروز (سنرجع يوما).. وذاع نشيده الشهير بصوت غازي الشرقاوي (أنا لن اعيش مشردا). شاعر من النمط السهل الممتنع، يكتب للناس، وينطلق منهم، لا يؤمن بالغموض في الشعر، ويدافع عن وضوحه وصراحته وتقريريته، ارتبط بعلاقات حميمة مع شعراء عصره : محمود حسن اسماعيل، وعمر ابو ريشه ونزار قباني واحمد رامي وحسن البحيري، مثلما تابع اجيال الشعر الفلسطيني والعربي. ما يزال حتى اليوم يحمل قلبا متفائلا، رغم سنواته السبع والسبعين، وينشد شعره محتفظا بالامل ومشاعله، مؤمنا بالعودة والنصر رغم عتمة الواقع.. عندما استمع ادونيس الى شهادته الشعرية وبعض قصائده في لقاء شعري نقدي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة في تونس العام 1981 علق قائلا "إن ما قدمه لنا هو وثيقة حياتية اعترف أنها أخذتني بحرارتها ومباشرتها، استوقفني فيها هذا اللقاء الحميم بين الحياة اليومية والتعبير عنها.. والامر الثاني ان الشعر الذي يقدمه لنا هو في مستوى التجربة الحية لا كمفهوم وانما كممارسة يومية يمتزج فيها الامل بالخيبة، وحقيقة الواقع الشقي ببهاء المستقبل المنتظر". هذا اللقاء أجري في عمان عشية توقيع الشاعر مجموعة شعرية جديدة بعنوان ( قصائد فلسطينية ) صدرت عن دار مجدلاوي للنشر والتوزيع. و شارك في نصيب وافر من هذا الحوار أستاذ الأدب العربي في جامعة فيلادلفيا الأردنية الشاعروالناقد د. محمد عبيد الله.
* ماذا تتذكر ايام الطفولة، وهل يمكن استعادة المكونات الاولى التي أثرت في بناء وجدانك الشعري؟
- أنا من مواليد حارة الزيتون في غزة العام 1927، وقد سميت بهذا الاسم - كما قيل لي - لانها كانت شبه غابة للزيتون ايام العهد العثماني، وفي الحرب العالمية الاولى استعملت الاشجار وقودا للقطارات،، فاختفى الزيتون وظل الاسم، عاصرت مبكرا جدا القضية الفلسطينية، وبدأت أفهمها صغيرا. واكثر ما اذكره في العام 1936 في شهر رمضان، كنا صغارا نلعب في ساحة (باب الدارون) حيث جامع الشمعة الشهير، ففوجئنا بعدد من الجنود البريطانيين يقتربون منا، وفي تلك اللحظة ظهر من زقاق جانبي ثلاثة ملثمين، اطلقوا النار على الجنود، فسقط اثنان منهم، وفرّ الاخرون، وبعدها امتلأت الساحة بالجنود والسيارات المصفحة، واعتقل الجنود رجال الحي، وكان والدي وأخي الاكبر غائبين في ذلك اليوم. قضيت الليلة خائفا، وفي الصباح اقتحم الجنود البيت وطلبوا منا مغادرته، فلجأنا الى بيارة قريبة حيث تسكن شقيقتي الكبرى، وفي الظهيرة سمعنا دويّ انفجارات شديدة، وقد أتت تلك الانفجارات على كل البيوت المحيطة ومنها بيتنا. منذ هذه الحادثة احسست انني خرجت من دائرة الطفولة، لم أعد طفلا، بدأت احس ان شيئا غريبا يتهدد امننا وسلامنا، وقد سجلت هذه الحادثة المؤثرة لاحقا في قصيدة بعنوان (قصة قد حدثت) في ديواني (مع الغرباء)، ومنها مقطع (لن ينام الثأر) الذي تحول الى اغنية ادتها فايدة كامل، ولحنها د. يوسف شوقي بطلب من احمد سعيد واذاعة ( صوت العرب).
* نظل في دائرة الطفولة ايضا، هل لك ان تحدثنا عن طبيعة الثقافة التي نلتها في ذلك الزمن.. او المصادر الاولى لمعرفتك وشاعريتك..؟
- تعرفت مبكرا على موسيقى الشعر، من خلال شاعر الربابة الذي كان يدعوه والدي (مختار العائلة) الى ديوانه، وكنت رغم صغري اتسلل الى الديوان لاستمع الى الاشعار المغناة التي تحكي قصصا من مثل: قصة الهلاليين، وعنترة، وسيف بن ذي يزن، كانت تجتذبني دون ان افهم الكثير منها. ايضا ما زلت اتذكر امي.. اسمعها تردد اشياء منغمة مموسقة بصوت مليء بالشجن عندما كانت تنخل الطحين في الليل، واشعر أن صوتها ذاك غرس فيّ روح الشجن، مثلما زرع في روحي الموسيقى الداخلية، تلك التي اصبحت فيما بعد احدى ميزات شعري وحياتي. قرأت ايضا - فيما بعد - ما توافر عند والدي وعند اخي الاكبر الذي كان شاعرا (علي هاشم رشيد) . وفي السابع الابتدائي درست في كلية غزة التي اسسها شفيق ووديع ترزي، وكانت كلية وطنية لا تتطابق مناهجها مع المنهاج الحكومي، وقد قررت علينا في اللغة العربية كتاباً اسمه (المشوِّق) اشتمل على نصوص شعرية ونثرية حديثة لطه حسين واحمد حسن الزيات ومحمود حسن اسماعيل والعقاد وابراهيم ناجي وشعراء المهجر وغيرهم، وقد تفاعلت مع تلك النصوص التي احسست ان فيها أفقاً آخر، فكانت تأتي بنفحات معاصرة، دفعتنا للاقبال عليها بحب، خلافاً للنصوص الجامدة التي كنا نتلقاها. وقد اعلنت الكلية عن اقامة حفل في نهاية العام في سينما السامر بغزة، تحت اسم (سوق عكاظ) وحددت اربعة مجالات للمشاركة: النظم، والخطابة، والتمثيل، والمطارحات الشعرية، وقد سجلت اسمي في الحقول الاربعة، لكن مدير الكلية رفض مشاركين لان الحفل مقتصر على طلبة الثانوية وحدهم، ثم لجأت الى استاذي الشاعر المرحوم سعيد العيسى (وهو اول من شجعني وتنبأ بمستقبلي الشعري) وبعد جهد منه شاركت في مسابقة لنظم الشعر والخطابة، وفزت بالمرتبة الاولى في الحقلين، وفي الحفل القيت الخطبة وانا ارتدي لباساً عربياً (وفق رغبة والدي) وامتشق سيفاً استعاره والدي من زعيم احدى قبائل بئر السبع، وكانت الجائزة ثمينة عندي، اذ تكونت من دواوين شعرية لشوقي وحافظ وقد سعدت بها، وحفظت تلك الاشعار عن ظهر قلب، مما ساهم في تأسيس ادواتي الشعرية وذخيرتي اللغوية.
* زلزال النكبة العام 1948 هز الواقع الفلسطيني، وانتج انفجارات معيشية وسياسية تمتد حتى اليوم، عايشت هذا الزلزال، وتأثرت به، وقد اطلق عليك لزمن طويل لقب (شاعر النكبة) كما ان ديوانك (مع الغرباء) قد يكون اول ديوان يحمل اصداء النكبة وهزتها الكاسحة .. كيف تفاعلت مع ذلك الحدث، وما مدى اثره على شاعريتك؟
- كنت في غزة عندما حدثت النكبة، وشاءت لي الاقدار ان اواكب كل لحظة من اللحظات التي وصل فيها اللاجئون الى غزة، عن طريق البحر، وقد تطوعت مع غيري لمساعدتهم في العبور فلم يكن هناك شاطىء، كنا نخوض في الماء وننقل الاطفال وغيرهم الى البر والى اماكن الايواء وكانت المدارس والجوامع هي المكان الاول، بعد ذلك عملت مع لجنة لشؤون اللاجئين ترأسها ضابط مصري وكان فيها ابن خالتي (نظمي الزهارنة) وقد اوكلت اليه مهمة توزيع الخيام، فطلب مني ان اساعده، ومن تلك اللحظة بدأت اعيش كل ثانية من الثواني التي يعيشها اللاجئون، فواكبتهم، ودققت اوتاد الخيام معهم، ثم تكونت معسكرات اللاجئين التي كانت معسكرات للجيش البريطاني، وقد ذهبت مع من ذهب لمعاينتها قبل نقل اللاجئين اليها، ووجدناها عنابر واسعة لا علاقة لها بسكنى الاسر، واقامة العائلات، وهي معسكرات (البريج، والنصيرات، والمغازي) وكنت حزيناً جداً وانا احس بانتقال هؤلاء الناس من بيوتهم وارضهم ومن حياتهم الناعمة الى هذه الجحور التي تسمى معسكرات ولا تصلح للسكن وللعيش. بدأت اتفهم الهم الكبير الذي يعيشونه، وخصوصاً ان بعض اهلي جاء مع اللاجئين، عمّان لي من يافا، وثلاثة اعمام من بئر السبع، وشقيقتي الكبرى من حيفا، هؤلاء وفدوا مع اللاجئين، كنت في الواقع لاجئاً مثلهم اذ عشت حياتهم، واختلطت بهم عن قرب، ولذلك ظن كثير ممن كتبوا عن شعري انني لاجىء من يافا، ربما لأن قصيدة (مع الغرباء) تصور حياة لاجئي يافا، وكنت قد عرفت يافا في زياراتي لاعمامي مثلما عرفت حيفا وبئر السبع وعكا حيث كان الوالد يرسلنا في نهاية كل عام دراسي بالقطار الى احدى هذه المدن كما نرغب، وهذه المعرفة ساعدتني في الكتابة عن الوطن، وفي التعرف اليه مبكراً والى كل ما فيه من جمال.
* في هذا الجو الذي تحدثت عنه، جو اللجوء والخيام، كيف تفجر شعرك، وهل تتذكر قصائدك الاولى التي عبرت فيها عن هموم اللاجئين وحياة الخيام؟
- اول قصيدة هي التي تحمل اسم (الخيمة السوداء)، كتبتها وانا انظر الى الخيام، والى من يدقون اوتادها، وهكذا اطلقت اول ما اطلقت صرختي ضد حياة الخيام وما احاط بها من قنوط ويأس، وكنت احس في اعماقي صوتاً يطالبني بالامل ومشاعل المستقبل:
اخي مهما ادلهمّ الليل سوف نطالع الفجرا
ومهما هدنا الفقر غداً سنحطم الفقرا
اخي والخيمة السوداء قد اضحت لنا قبرا
غداً سنحيلها روضاً ونبني فوقها قصرا
غداً يوم انطلاق الشعب يوم الوثبة الكبرى
غداً في زحمة الاقدار سوف نحقق الامرا
فلسطين التي ذهبت سترجع مرة اخرى
وقصيدتي الثانية هي (مع الغرباء) التي اعدها بداية ميلادي الحقيقي كشاعر، وقد بنيت على حادثة حقيقية، التقطتها من مخيم البريج، اذ كنت في زيارة لاسرة فلسطينية لاجئة من يافا، فجاءت الكلمة المفتاح على شفتي طفلة صغيرة تتساءل مخاطبة والدها بما معناه (لماذا نحن اغراب)؟ وقد اهديت القصيدة الى معسكر البريج اكبر معسكر للاجئين في غزة، وهي تقوم على حوار بين صوت الفتاة وصوت والدها:
اتت ليلى لوالدها
وفي احداقها المُ
لماذا نحن يا ابتي
لماذا نحن اغرابُ؟
ويرد صوت الاب: فيصرخ سوف نرجعه / سنرجع ذلك الوطنا / ولن نرضى له بدلاً / ولن نرضى له ثمنا وبذلك حددت مبادىء اللاجىء ومطالبه، (فلا وطن بديل، ولا تعويض) وما ازال اؤمن بهذا الى اليوم.
* كيف كانت علاقتك مع شعراء عصرك، وخصوصا من هم اكبر سناً منك، بمن ارتبطت، او تأثرت؟
- علاقتي الحميمة كانت بكل من محمود حسن اسماعيل واحمد رامي، من مصر، وكذلك عمر ابو ريشة ونزار قباني من سوريا، وحسن البحيري من فلسطين. احببت محمود حسن اسماعيل، وتعلقت به، قبل ان اراه، وتعرفت اليه عندما استضفنا مهرجان الشعر العربي في غزة، بعدما اقترحت على المرحوم يوسف السباعي ان يعقد المهرجان في غزة ليتعرف الشعراء العرب على مأساة اللاجئين وحياتهم عن قرب، وهكذا تعرفت الى محمود حسن اسماعيل واحمد رامي بعدما احببت شعرهم، وعندما انتقلت الى القاهرة استمرت المحبة وظل التواصل قائماً.
* ..وعمر ابو ريشة، ما هي حكايتك معه، وما الذي يربطك به وبشعره؟
- كنت دائماً معجباً بشعر عمر ابي ريشة، وخصوصا عندما توجه للتعبير عن الهم الفلسطيني والقومي .. وقبل ان اتعرف اليه، ونصبح اصدقاء كان لي معه حكاية .. فقد استدعيت لمقابلة السيد مصطفى حافظ قائد الامن المصري في قطاع غزة، وقد فوجئت بالطلب، ولكن الرسول الذي بعثه طمأنني بأنه يريد مقابلتي في بيته وليس في مكتب الامن، وعندما ذهبت اطلعني على رسالة شعرية من سفير الجمهورية العربية المتحدة في الهند (وكان هو عمر ابو ريشة آنذاك) .. تتحدث القصيدة عن الفدائي، وقد ارسلت الى مصطفى حافظ لأنه اسس آنذاك الحركة المبكرة للفدائيين في غزة، وكانت قصيدة (ابو ريشة) تقول:
امضي ويذهلني طلابي عني وعن دنيا شبابي
امضي ويسألني الربيع ولا اجيب متى ايابي
امضي وما روت فمي كأسي ولا افنت شرابي
بيني وبين الموت ميعاد احث له ركابي
وقد رددت على الرسالة شعراً بقصيدة قلت فيها:
ماضٍ نعم هذا طريقي للذهاب والاياب
هذه صلاتي والتفاتي وانطلاقي وانجذابي
لا شيء غير الارض منتجعي واقداس التراب
....... وفيما بعد التقيت بعمر ابو ريشة، قضينا اياماً كثيرة معاً، في زيارة للمملكة العربية السعودية العام 1927، ثم فيما بعد في تونس حيث كان عمر يأتي لزيارة ابنته زوجة صديق لنا في الجامعة العربية، او لمناسبات ادبية يدعى اليها، ومما يسعدني انه كان يردد كلما التقاني بأنه يرى فيّ وفي شعري امتداد لتجربته، وكان ذلك يخجلني وانا اتطلع اليه كقمة من قمم الشعر العربي. اما نزار قباني فقد اعجبت به منذ ديوانه الاول، وظلت الحميمية قائمة الى العام 1967، عندما نشر قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) وكنت قد خرجت لتوي من المعركة، وعرفت الى اي مدى كانت النكسة فعل السياسة وليس العسكرية، وان الجندي العربي الذي قاتل كان جندياً عربياً حقيقياً، قاتل ببطولة واستشهد ببطولة، وعزّ عليّ ان ينسب هذا الانكسار الى (عبدالناصر) فكتبت قصيدة رددت فيها على قصيدة نزار، نشرت على صفحتين في (آخر ساعة) وهذا ما قطع بيننا، حتى عام 1969 عندما دعينا معاً الى مهرجان الشعر العربي في بغداد، وفي البدء لم يحيي احدنا الاخر، ولكن دون ان نتراجع او نتحدث في سبب الجفوة، وجدت (نزار) يقبل عليّ، وهكذا عاد كل شيء الى مكانه .. وعندما فجع نزار بزوجته (بلقيس) رثيتها قبل ان تنتشل جثتها من تحت الانقاض، وفاجأني نزار برسالة مؤثرة من ارق ما وصلني من الرسائل في حياتي، ويقول فيها لي: ابت عليك مروءتك الا ان تكون ذراعك مع ذراعي في جنازة بلقيس، لنضع اجمل وردتين على قبرها، وما تزال الرسالة عندي بخط يده .. وقد تواصل بيننا الود حتى وفاته.
* أين ترى موقعك في الشعر الفلسطيني، وكيف كانت صلتك بمن سبقوك او لحقوا بك من الاجيال التالية .. بمن ارتبطت ضمن مسيرة الشعر الفلسطيني؟
- الشاعر الذي احببته منذ بداياتي الشعرية هو (حسن البحيري) وقد اجتذبني وانا شاب، وعندما صدر ديوانه الاول (الاصائل والاسحار) في الاربعينات اعجبني واثار فيّ الاعتزاز، بأن هناك من هو في مستوى (علي محمود طه) من شعرائنا، ليس فقط في مستوى الشعر، وانما في جمال الديوان المطبوع واخراجه، فقد صدر هذا الديوان عن المطبعة نفسها التي تصدر اعمال علي محمود طه، وحظي بمتابعة من احمد رامي الذي كان يحب (البحيري) ويقدر شاعريته، واذكر ان رامي قال في البحيري قصيدة تقول:
يا طائراً من سماء حيفا لقيت في ظلال مصر الفا
وقد تبادلتما الاغاني فغرد الطير ثم رفا
ومن شدة اعجابي بالبحيري، اثناء الدراسة، كتبت بعض القصائد المبكرة على طريقة اوزانه، وشاءت الاقدار ان نلتقي في مصر، ويتواصل بيننا الود، حتى كتبت عنه كتاباً كبيراً هو (مدينة وشاعر - حيفا والبحيري) كما كتبت عنه مسلسلاً من ثلاثين حلقة لـ (صوت العرب) بالعنوان ذاته، وكتبت مقدمات دواوينه التالية التي صدرت بعد النكبة، وشجعته على اصدارها.
* معين بسيسو، الشاعر المعروف من غزة ايضا، كيف كانت صلتك به، وهو من مجايليك وابناء منطقتك؟
- معين، رفيق درب وعمر، وكان زميلا لي في كلية غزة، وكنا نقف معا على منابر الشعر في الكلية، وكنت ازوره، ويزورني، وتربطني به علاقة متينة وكذك مع اسرته كلها، وقد ظلت العلاقة متصلة، واستمرت رغم السنوات وتفرق الاوطان، وتجددت عندما جاء الى تونس بعد حصار بيروت العام 1982، وانا اعتز به كشاعر كبير ووطني كبير. وقد ذكر لي الفنان الصديق اسماعيل شموط انه كان يحس بان معين يحبني رغم ما بيننا من اختلاف ايديولوجي، ورغم انني ظللت بعيدا عن الشيوعيين، ولم اقنع باتجاههم السياسي. وكذلك انا ظللت اقدر معين واحبه شاعرا ووطنيا فهو حر في قناعاته.
* من تابعت ممن جاءوا بعد جيلك، ومن اعجبك من الشعراء الفلسطينيين من الاجيال التالية؟ وكيف هي علاقتك معهم؟
- انا من اوائل الذين انتبهوا لمحمود درويش وسميح القاسم، عندما ظهرا في الارض المحتلة، كنت في زيارة لصديق اذاعي متخصص في الشؤون العبرية، ومتابع لاخبار الارض المحتلة، وقد اطلعني على مجموعة مجلات تصدر هناك، وقد فوجئت بما فيها من شعر لمحمود درويش وسميح القاسم، ثم جمعت بعض اشعارهما وكذلك قصائد لآخرين، مما كون مادة كتابي المبكر عن الشعر في الارض المحتلة (الشعر المقاتل) وقد صدر العام 1970 في بيروت، كما قدمت قصائد هؤلاء الشعراء في الاذاعة، وعملت على نشرها واذاعتها بين الناس، وقد لاقت اهتماما ورواجا كبيرين في الارض المحتلة وخارجها. وبعد ذلك التقيت باخي العزيز محمود درويش، آن خروجه من الارض المحتلة العام 1970 في القاهرة، وقد تعرفت اليه عن قرب واحببته، وظلت العلاقة ممتدة والمحبة مستمرة. وقد التقيت ايضا براشد حسين واحببته وعملت على استضافته في اتحاد كتاب مصر، وقدمته في تلك الليلة، هؤلاء الثلاثة ربطتني بهم علاقة طيبة، الى ان التقيت بشاعر رابع لفتني شعره المؤثر، فاحببته واهتممت به، وهو المرحوم توفيق زياد، الذي اعتز به، واعتبره علما من اعلام الشعر والوطنية. اما اخي عزالدين المناصرة، فقد تعرفت اليه مبكرا في القاهرة، وعرفته شاعرا منذ ديوانه الاول (يا عنب الخليل) وقد شدني وجذبني بما فيه من تغن مدهش بالوطن باسلوب فني راق، وانا يشدني كل من يتعلق بالوطن ويتغنى به بهذه الطريقة الفنية الرائعة.
* قدمت في كتابك (الشعر المقاتل) نماذج مبكرة من شعر الارض المحتلة، وقد شاع في الفترة نفسها مصطلح (ادب المقاومة ) وبعض النقاد والمهتمين قصره على شعراء الارض المحتلة، وعلى ثلاثة بالتحديد (درويش، القاسم، زيّاد)، ما فهمك لادب المقاومة، وهل انت مع تحديده الضيق، ام يشمل عندك مدى اوسع؟
- بالتأكيد مفهوم المقاومة اوسع من حصره في شعراء بعينهم، وخصوصا الشعراء الذين برزت اصواتهم في الارض المحتلة، ثم وصلت العالم العربي، هذا الفهم الضيق فيه ظلم كبير، وقد تضرر منه شعراء كثيرون، وهناك من كرسوا هذا الظلم، وذاك الفهم الضيق، كأنما من كتبوا خارج الوطن المحتل ليسوا شعراء ومقاومة، وقد بولغ في التحديد والتضييق حتى تضرر منه شعراء الارض المحتلة انفسهم، مما دفع محمود درويش لاطلاق صرخته الشهيرة: ارحمونا من هذا الحب القاسي، تعبيرا عن اعتراضه على هذا التحديد وما تبعه من نظرة ثابتة لشعره وشعر زملائه، وهو على حق في هذا، كما اذكر ان هناك شعراء مقاومة في خارج الارض المحتلة، وقد تمكنوا من حمل الامانة، ودعوا للمقاومة وأنا لا افرق بين الداخل والخارج، المهم هو الشعر ورسالته وهدفه، ومدى تأثيره في الناس، وكثيرون كتبوا هذا الشعر وعانوا، وابدعوا في شعرهم المقاوم والمقاتل.
* ايضا، قريبا من مفهوم المقاومة قدمت مجموعة كبيرة من الاناشيد والقصائد الموجهة الى الطلبة، والى الاجيال الجديدة.. (بلادنا)، (عائدون)، (أنا لن اعيش مشردا) وغيرها.. حدثنا عن هذه التجربة، كيف خطرت لك، وما الدافع الى المضي فيها.. كذلك تأثيرها وفاعليتها وفق تصورك؟
- ولدت هذه التجربة على نحو طبيعي في حياتي، فقد كنت في بداية النكبة معلما، وعملت في معسكرات اللاجئين قد لاحظت ان المناهج تخلو من قصائد تنمي في الاطفال تطلعهم الى الوطن، فكان اول ما كتبت نشيد (بلادنا) وفكرت في اسلوب لايصاله، فلجأت الى صديقي (احمد ساق الله) الذي ان يعمل في وكالة الغوث، وكان يحب العزف والغناء، ونجحت التجربة اكثر عندما اقنعت (خليل عويضة) مدير التعليم في الوكالة بنقل (احمد) الى وظيفة معلم موسيقى رغم انه لا يحمل مؤهلا سوى موهبته، فوافق بعد ان استمع الى النشيد في مكتبه وبدأنا فتجول بين مدارس الوكالة نقدم الاناشيد للتلاميذ. وقد اعتمد نشيد (عائدون) ليكون النشيد الصباحي لطلبة مدارس وكالة الغوث سنوات طوالا، مثلما اخذت (صوت العرب) هذه الاناشيد، وقدمها فنانون معروفون ومنها النشيد المشهور (انا لن اعيش مشردا) بصوت المرحوم غازي الشرقاوي. كما كتبت صورا من (الاوباريتات) ليمثلها الطلبة في آخر العام الدراسي، وقد ابدت المدرسات والناظرات اهتماما بها وكن اكثر حماسة ونجحن في نشرها بين الاجيال الجديد، واهمية هذا اللون الشعري انه غرس ما اريد في وجدان الاجيال الجديدة.
* ايضا كتبت مسرحيات شعرية، واعمالا درامية للاذاعة
-قبل نكسة 1967 كتبت رواية بعنوان (مولد عائد) وتصادف ان جاء الى غزة المخرج المصري المعروف توفيق صالح الذي اخرج قصة غسان كنفاني"رجال في الشمس" للسينما.. واخذ الرواية، وتقدم بها الى مؤسسة السينما، ودفعوا لي الاجر، واعد السيناريو، ولكن فجأة حصلت تغييرات، وغادر بعدها توفيق صالح الى دمشق، وضاعت الرواية، والنسخة التي اخذها توفيق ضاعت ايضا. كما كتبت رواية (سنوات العذاب) وصدرت العام 1970 ورويت فيها هجرة الشعب الفلسطيني من يافا.. كما كتبت عددا من المسلسلات الاذاعية مثل: مثلث الرعب لصوت العرب في ثلاثين حلقة، وبعد 1967 كتبت مسلسلا عن حيفا والبحيري واعمالا اخرى. اما اهتمامي بالمسرح فقد برز بعد 1967 عندما دعاني صديقي عبدالرحمن الشرقاوي لاحضر مسرحيته (وطني عكا) وقد اعجبت بها، وانتبهت الى اهمية المسرح في ايصال الرسالة الى الناس. ثم حدث ان ألح علي صديقي المرحوم كرم مطاوع، فكتبت مسرحية (السؤال) التي نشرت اولا في( روز اليوسف)، ثم اخرجت للمسرح والتلفزيون، وقدمها المرحوم كرم مطاوع مع سهير المرشدي، من اخراج كمال ياسين. وبعد ذلك في حرب 1973 كتبت مسرحية (سقوط بارليف) وقدمت العام 1974 على المسرح القومي في الذكرى السنوية لسقوط خط بارليف وحرب 1973. وكتبت مسرحية (جسر العودة) التي قدمت في عدة اقطار عربية، ثم (عصافير الشوك) عن الانتفاضة الاولى، وقبل ذلك مسرحية (القصر).
يتبع
