يبدو أن جنرالات العدو وهم يضعون خطط القتل والتدمير، يصرفون وقتاً غير قليل لإعطاء أسماء لعملياتهم، بحيث تكون تلك الأسماء ذات وقع، وحمّالة دلالات نفسية تثير الهلع في قلوب الفلسطينيين بخّاصة والعرب بعّامة، وتمنح تجمّع العدو نشوة انتصار وشعوراً بالتفوّق بما توفّره سطوة القوّة العاتية القادرة علي اكتساح واجتياح كل جوانب حياة الشعب الفلسطيني.
أتمني لو أن بعض علماء النفس والاجتماع العرب يعطون بعض جهدهم لقراءة وتحليل خلفيات التسميات التي تتفتّق عنها عقول جنرالات وخبراء وإعلاميي الكيان الصهيوني، لما توفّره تلك الدراسات من (معرفة) بأنماط تفكير عدونا، ورغباته، والمؤثرات الأسطورية العنصرية، ومدي إفساد القوّة التسليحية العسكرية للنفس البشرية، وتداخل الخطاب الأمريكي والصهيوني سياسياً ومصلحياً، وتسخير الدين والتكنولوجيا لخدمة ذلك الخطاب...
العملية الأخيرة المستمرة حتي كتابة هذه السطور علي جباليا حملت اسماً مثيراً كالعادة: أيام الندم!
ولكن علي ماذا يندم الفلسطينيون؟!
تنسجم التسمية مع العقلية العنصرية الصهيونية التي تقسم العالم إلي ( نحن) و..الأغيّار، وهؤلاء الأغيار بحسب الثقافة إيّاها تحّض علي إبادة الآخر الفلسطيني، وتنكر عليه أي شكل من أشكال المقاومة، ولا تقبل منه بغير الاستسلام والانمحاء التام، والتسليم بما تريده القوّة الطاغية القدرية المتذرّعة بوعد ربّاني هو ليس ربّ العالمين أجمعين، ولكنه رب جماعة محدودة مباح لها فعل كل ما يناسبها ويضمن لها تفوقها وامتلاك ما تشتهيه وتهفو نفسها إلي امتلاكه.
لم يسم الفلسطينيون صمودهم في مخيم جباليا بأي اسم، هم الشعب الصبور، هم يدفنون شهداءهم، يضمدون جراح جرحاهم بما يتوفّر من علاجات بسيطة، وأحياناً كثيرة لا يوجد حتي (الميركوكروم) المتواضع لتعقيم الجراح البسيطة، فما بالكم بالجراح التي يستوجب علاجها إجراء عمليات جراحية كبيرة؟!
لا يطلق الفلسطينيون علي وقفات صمودهم، وفصول معركتهم المتصلة منذ نيّف ومئة عام أي اسم، لأن معركتهم متصلة، ولها عنوان واحد: الحريّة...
ثمّ ها هو الاستشهاد، نزف الدم، الوجع الفلسطيني، والشعور بالوحشة علي امتداد هذا الطريق الطويل، بلا التقاط أنفاس، ولا نجدة حقيقية من أحد. ها هو الخذلان المقنّع والسافر المطلي بالكلام المعسول وبنصائح (أخوية) مخادعة...
أيام الندم!.. ندم من ؟
هل يندم الفلسطيني لأن الله خلقه فلسطينياً كما خلق البشر في بلدانهم، وميّز الإنسان عن الحيوان بحب الوطن بالوعي والعاطفة، والشعور بالانتماء، وبالثقافة واللغة وكل ما يجعل الإنسان إنساناً، مع إن الحيوانات تألف أمكنتها، وتعود إليها إن اضطرتها ظروف حياتها للهجرة عنها.
لا يندم الفلسطيني لأنه وهو يقاوم منذ نهاية القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين ،وها هو في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يضحّي يومياً، يجوع ويعطش ويتشرّد، يفقد أعز أحبته، يتيّتم أطفاله، تترمّل نساؤه، تدمّر حقوله، ينصب السور الناهب فوق أرضه ليحول بينه وبينه أشجاره وداره، ولذلك فهو يقاوم...
شعب ينزف ويقاوم، يورث روح المقاومة من جيل إلي جيل، لا ينتظر العون من حكّام خبرهم، وجيوش صدئت أسلحتها ونسيت واجبها، وأحزاب عاجزة مثيرة للسخرية لأنها دجّنت وفقدت بوصلتها وتنازلت عن مهماتها...
لا يـــندم الفلســــطيني إلاّ حين يتقاعس عن دوره وهــــذا ما لن يكــــون، فالفلسطيني له هدف، ووجهة، وهو تمرّس في الميدان، وتسلّح بخبرة...
الفلسطيني يري زيتونه يقلع أمام عينيه فيغضب...
الفلسطيني يلّم أشلاء رفيقه وشقيقه وجاره وأي فرد من أفراد أسرته يسحقه الصاروخ الأمريكي الموجّه من الطائرة الأمريكية التي يقودها طيّار يحمل جنسية الكيان الصهيوني ـ وقد تكون معه جنسية أمريكية ـ ويغضب، بل يزداد غضباً، ولكنه لايندم، بل يتحسّر لأنه لا يملك سلاحاً يمكنه من ردّ هذا العدوان بما يستحق من عنف يطير صواب المعتدي الآثم...
الفلسطيني يغضب ولا يندم، وغضبه معتّق عبر عقود من الألم والقهر والرحيل والتشتيت...
الفلسطيني لا يندم ،ولكنه يأسف لأن أيدي بعض أبناء شعبه صافحت أيدي هكذا مجرمين قتلة بعد أن صدّقوا أكاذيب (سلامهم) الذي رأيناه في التطبيق العملي سرقة أرض، نهب مياه، جلب مزيد من اليهود والمتهودين من العالم لتوطينهم فوق أرض فلسطينية سرقت في زمن (سلام) الوهم...
الفلسطيني غاضب لأن طقوس الكذب التي تمّت في البيت البيض بتاريخ 13 أيلول (سبتمبر) 1993 كانت زفّة كذّابين دلّسوا علي العالم. الفلسطيني المجرّب كشف اللعبة وغضب، ولقد فار دمه وهو يري ترجمة سلام الشجعان نهباً وتخريباً وضحكاً علي الذقون...
يندم شعب فلسطين؟! لو أن هذا الشعب خالجه الندم للحظة لتقاعس، ولرفع الراية البيضاء، ولنكّس رأسه المرفوع دائماً، ولما كان نبراساً للمقاومة لشعوب العالم، ولما بقي الملح الذي بدونه تفسد بلاد العرب وأمة العرب وتقفل أبواب المستقبل وطرقه.
شعب فلسطين الذي دفع ثمن حبه لفلسطينه، حامل صليب الإيمان رغم وحشية الجلاّدين والوشاة وبائعي الضمير.. لا يندم، هو فقط يغضب.
سيندم من يتفرّج علي عذاب شعب فلسطين، فلن تدوم له هذه الفرجة والمتعة.
سيندم من يستبيح حياة شعب فلسطين لأنه سيتعب من وظيفته كمجرم قاتل فقوّته تستنفد يوميا،ً وسيفتضح خواء روحه وبؤس تفكيره وتفاهة أوهامه، ولن يسعفه (الفيتو) الأمريكي إلي مالا نهاية، فقوة الطغيان ليست كلّية القدرة.
لا يندم أطول الشعوب نفساً، ومقاومة، وقدرة علي تحمّل كل أنواع الأذي. من يرد فهم الفلسطيني وصلابة معدنه عليه أن يتأمل فلسطين الجغرافيا والتاريخ، فالفلسطيني وفلسطين صارا واحداً، الفلسطيني من تراب وصخر وبحر وماء وشجر وروح، وفلسطين من لحم ودم وبطولة ومعارك ومقاومة. وفلسطين جسر تواصل ونهوض أمة، والفلسطيني هو حارس الجسر الذي لا يتعب ولاينام، لا يطالب بأجر وثواب إلاّ من رب العالمين. أمّا رب الجنود فسيندم جنوده لأن الحديد والصواريخ والدبابات وإن مكّنت من سرقة أرض فإنها لن تنتصر علي روح الفلسطيني وذاكرته وغضبه العاتي...
سيندم أعداء فلسطين والفلسطيني هذا ما تقوله المعركة الممتدّة، وما تقوله أم عبد الله الفلسطينية التي تزغرد وتبكي وتتألم وتقول: يا إحنا ياهم (إماّ نحن أو هم) بحكمة تبّز مقولة شكسبير علي لسان (هملت): نكون أو لا نكون. أم عبد الله لا تندم رغم استشهاد الزوج، والابن، واقتلاع أشجار الحقل، أم عبد الله تقول: سأزرع غيرها مع إنها عزيزة ومن ريحة المرحوم (أبو عبدالله).
أيّام الندم!.. تذبحون أهلنا في مخيم جباليا.. وتشمّون الهواء وترقصون في (طابا) و(رأس الشيطان).. تعميكم نشوتكم عن غضب فلسطين العاصف.. فانتظروا...