(I)
أي الطرق يؤدي الى جهنم في العراق؟ بعض رجال الدين في بغداد، لا يكادون يستقرون على رأي هذه الأيام. وهم يطلقون رسائل صوتية وضوئية متناقضة، ترسم ل “المؤمنين” خرائط طريق لا تقودهم سوى الى الفوضى والحيرة والتخبط.

أنصار آية الله علي السيستاني يقولون إن عدم المشاركة في الانتخابات “يدخل المخالف الى جهنم”. وأنصار “هيئة علماء المسلمين” يقولون إن من يشارك في الانتخابات “يعتبر عاصياً”، وبالتالي يحجز لنفسه مقعداً في جهنم.
وهذا يعني: إذا لم تصوّت أيها العراقي، سيقذف بك الى السعير وبئس المصير. وإذا صوّت، ستضع نفسك تحت رحمة أبالسة الجحيم أيضاً.

ما هذا الذي يجري؟ كيف يمكن لتدخّل السماء في الشؤون الارضية، أن يسبغ كل هذه الالتباسات اللاهوتية المذهلة على عملية يفترض ان تعني حكم الشعب بالشعب وللشعب؟

حسنا. فلنقل، أولاً، إن السماء لا تتدخل في الواقع في هذا الذي يجري، بحيث يظهرها البعض متحمسة او رافضة لصناديق الاقتراع والخيارات الانتخابية.
ولنقل، ثانيا، ان الدين، خاصة الاسلام الحنيف، براء بالمطلق من أي لوثة تقسيمية. فهو دين التوحيد الاول في العالم، وهو المناضل الاول ليس لتوحيد الامة العربية والاسلامية، فقط، بل أيضا لجعل البشرية كلها أمة واحدة.

العالم في ظل الامبراطوريات الاسلامية المتعاقبة في التاريخ، كان متعولما بالفعل وعلى كل الصعد الاقتصادية والثقافية والعلمية. كان اليهودي إياه الذي يضطهد المسلمين في القرن الحادي والعشرين. معززا مكرما مثريا في القرن الحادي عشر. كان الارمني يعيش الى جانب الصربي، والتركي الى جانب العربي، والمسلم الى جانب المسيحي في “مجلس المبعوثين” (البرلمان) العثماني.
كل هؤلاء كانوا يدركون بأن الاسلام التوحيدي لا يطل عليهم بصفتهم “عبء الرجل الابيض” عليه (كما فعل ويفعل عنصريو الغرب مع شعوب العالم)، بل بكونهم شعوبا وقبائل أرادت السماء ان يتعارفوا في إطار “حوار الحضارات الدائم” الذي أطلقته حضارة الاسلام.

حتى في ذروة الحروب الدموية بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، كان واضحا أن الصراع لا علاقة له لا بالسماء ولا بالارض. فالقومية التركية الهابطة، كانت في حال صدام مع القومية الفارسية الصاعدة، فيما كانت جماهير الفرس لا تزال في معظمها سنيّة في بداية عهد الصوفيين، والعديد من جماهير العرب والاتراك شيعة في ذروة عهد العثمانيين.

(II)
السماء حتماً لا تتدخل بانتخابات العراق.
بيد أن قيام بعض من يدّعي أنه ظلها على الارض، أو بأنه الوحيد القادر على فهم مشيئتها، يخلق الان أفدح المخاطر ليس فقط في العراق بل في كل انحاء العالم الاسلامي.

لماذا؟ لائحة أسباب تبدو بلا نهاية:
ثمة قرار حقيقي في الغرب بتفجير الحروب الاهلية في الشرق، بصفتها الطريقة الوحيدة لتوجيه سهام “ الارهاب” بعيدا عن صدور الغربيين وقريبا نحو صدور الشرقيين. وبما ان الاسلام منشطر منذ نيف وألف سنة، سيكون من المغري كثيرا طلي تباين الاجتهادات بينهم باللون الاحمر القاني.
أرض العراق يمكن ان تكون رأس جسر ممتازاً لهذا الهدف.
والقسمة الدموية الفتنوية، ستحقق جملة أهداف إستراتيجية غربية دفعة واحدة، أهمها أنها ستشطر الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين، وقلب صورة الصراع مع “إسرائيل” رأسا على عقب.

(III)
هل يدرك بعض رجال الدين العراقيين هذه الابعاد الخطرة، في خضم جهودهم للإيحاء بأن المشيئة الإلهية منحازة الى خياراتهم الانتخابية؟