هل كان كمال جنبلاط حقًا مع العلمنة؟ أتوقف عند هذ المسألة في الجزء الرابع المخصّص لكتاب"اللقاء القاتل"، وهو محضر حوار كمال جنبلاط وحافظ الأسد الذي نشره الدكتور هادي وهّاب (دار نوفل. 246 صفحة. 2025).

دافع جنبلاط عن العلمنة بلقائه الأخير مع الأسد، قائلًا: "الحقيقة نحن في مرحلة انتصار العلمنة وإلغاء الطائفيّة السياسيّة." (ص 27 – 28)؛ "بدنا دولة علمانيّة أو بدنا حصّتنا" (صفحة 148)، "الجماهير ماشية بهذا الخطّ حتى عند الأخصام. حتى عند جماعة بيير الجميّل... وإذا صار فيه زواج مدني اختياري وإرث اختياري لا أحد يعارض غير المشايخ. ولكن نحن نملأ لهم الشوارع بتظاهرات صاخبة تأييدًا للعلمنة" (صفحة 28).

إلى هنا تبدو صورة كمال جنبلاط بالمحضر متوافقة مع صورته الشائعة كمؤيّد للعلمنة. ولكن الأمور بالحقيقة أكثر تعقيدًا لأن دفاع كمال جنبلاط عن العلمنة ترافق مع محاججة دائمة باسم الإسلام والمسلمين، وتحريض سوريا على التدخل في لبنان إلى جانب مسلميه لأنها، أي سوريا، دولة عربيّة مسلمة سنيّة. لاحظ جنبلاط: "في النهاية العروبة لا تنفصل عن الإسلام...وعندنا في بيروت الأكثريّة مسلمون ومن حقهم أن تدافع سورية عنهم" (صفحة 228). قال جنبلاط أيضًا في إطار شكواه من اجتماع عبد الحليم خدّام مع بيار الجميّل وكميل شمعون: "أنت في النهاية مندوب دولة، ودولة سنيّة بشكل خاصّ... العروبة دائمًا تقوم على شيء إسلامي في النهاية. والجهاز الإسلامي في بيروت، المقدّمة الإسلاميّة، هي سنيّة. وعم تجي تقول ولو، كيف عم يطلع (خدّام) يسهر عندهم؟!" (ص 82-83)؛ "العروبة مرتكزها الأساسي هو الإاسلام... وبني الأعراب هو بني الإسلام...مهما راعيتم المسيحيّين فعند أي دقرة بدهم ينقلبوا عليكم" (صفحة 111)، و "لا يجوز إغفال الشعور العربي والإسلامي في لبنان بهذا الشكل". (صفحة 93).  

السؤال هنا ثلاثة: أوّلا، كيف يستوي الدفاع عن العلمنة، مع تذكير حافظ الأسد بهويّة سوريا السنيّة، لتحريضه ضدّ مسيحيّي لبنان، وحثه على متابعة دعم مسلميه؟ بالحقيقة، من فرط تشديد كمال جنبلاط على أنه مسلم يدافع عن مسلمي لبنان وأن "المسلمين كلّهم بيعوّلون عليّ" (صفحة 201)، اضطرّ الأسد لتذكيره أنه هو، أي الأسد، مسلم بدوره. قال الأسد لضيفه: "يبدو كأنك مسلم وأنا ما بعرف من أين ! أنا لا أعتقد أنك مسلم أكثر مني" (صفحة 229). قال الأسد أيضًا: "أنا مسلم. أنا مسلم ورحت إلى لبنان ودافعت عن المسلمين وأدخلت قوّاتي للدفاع عن المسلمين" (صفحة 218).

ثانيًا، إن كان جنبلاط أقرّ أن لا فصل ممكنًا بين العروبة والإسلام – وقد وافقه الأسد على ذلك بقوله "طبعًا لا تنفصل عن الإسلام. طبيعي العروبة لا تنفصل عن الإسلام" (صفحة 228) – فلماذا تقريع المسيحيّين بسبب حذرهم من العروبة وقضاياها؟ إن كانت العروبة والإسلام لا يقبلان الفصل، فالموقف المسيحي من العروبة امتداد طبيعي للموقف من الإسلام، وليس "انعزالًا"، و "صهيونيّة"، وسائر الاتهامات التي كالها جنبلاط للمسيحيّين.

ثالثًا، هل سأل حافظ الأسد وكمال جنبلاط نفسهما، في اطار مزايدتهما على بعضهما البعض بعواطفهما الإسلاميّة، ما إذا كان المسلمون يعترفون بهما أصلًا كمسلمين؟ لا يبدو من المحضر أن الزعيمين الكبيرين توقفا عند هذه النقطة الشيّقة.    

وعموما، أوضح جنبلاط للأسد المصرّ على إبقاء رئاسة الجمهوريّة للموارنة: "نحنا مانّا مطالبين بالرئاسة" (صفحة 39). ولكن جنبلاط حذر من أن لو تعثرت علمنة لبنان: "بدنا حصّتنا. بدنا 60 % وبدنا رئاسة الجمهوريّة" (صفحة 148). (وهنا تكلّم جنبلاط باسم المسلمين كلّهم، لا الدروز). باختصار: أقرّ جنبلاط كما ذكرت في مطلع هذا المقال أن الاعتراض على العلمنة في لبنان يأتي من مشايخ المسلمين لا من المسيحيّين، قبل أن يخلص لضرورة سحب الرئاسة من المسيحيّين إن لم تحصل العلمنة. وليس واضحًا من المحضر كيف خلص جنبلاط إلى أن النتيجة المنطقيّة الرفض المسلم للعلمنة هي ضرورة تقزيم الدور المسيحي في الحكم. ولعلّ أكبر خطأ تحليلي وقع به جنبلاط هو تفاؤله بمستقبل العلمنة عام 1977، أي قبل سنتين فقط من انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979، وإطلاق مدّ إسلامي أصولي كان شيعة لبنان أوّل من تحمّسوا له. من قال لجنبلاط إن المسلمين المستفيقين على الصحوة الإسلاميّة سيقبلون بدرزي لقيادتهم؟

 

يتبع – الجزء الخامس: كمال جنبلاط عن نبيه برّي "رجل مليح".