انتشر خبر مقتل السينمائي الهولندي "فان جوخ" المعاصر على يد أحد المسلمين الغاضبين لأنه أخرج فيلماً غاضباً عن المرأة في الإسلام، يكرر فيه ما قيل عشرات المرات في الموضوع من مستشرقين غربيين بل ومن بعض المفكرين والكتاب العرب والمسلمين. فهذه ليست أول مرة يتعرض الإعلام والفن في الغرب لهذا الموضوع. بل إن الغرب وضعه بنداً في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" وسماه "الجندر". وموّل معظم بحوث المرأة في الوطن العربي. وأفسح في إعلامه للنساء الكاتبات اللاتي ينقدن وضع المرأة العربية والإسلامية في الثقافة والمجتمع والتاريخ. وأيد الحركات النسوية. وهي قضية داخلية أيضا عرضها الإصلاحيون فيما يسمى الآن بقانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بشروط الطلاق، وتعدد الزوجات، والحضانة، والجنسية. بل تساءل البعض عن قضايا الشهادة والميراث والحجاب بعد أن نالت المرأة حقها في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية. وهي قضايا اجتهد فيها بعض القدماء. وتابعهم بعض المحدثين. فقد تغير الواقع، وتوقف الاجتهاد. فنشأت الأزمة. والغرب ينتظر التجريح والتشويه طعنا في الثقافة ليبرر عدوانه علينا، والتدخل في شؤوننا باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الأقليات، وحرية الأديان.
لقد تعود الغرب على الفن الملتزم، وتأكيد دور الفن في قضايا التغير الاجتماعي. فالفن للحياة. وهي المدرسة التي اعتززنا بها في فننا وأدبنا الحديث. كما تعود الغرب على حرية التعبير كحق من حقوق الإنسان الطبيعي، حرية التفكير أولا ثم حرية التعبير ثانياً. وقام بأكبر نقد اجتماعي وفني وسياسي لماضيه وحاضره. بل نقد تراثه ودينه، وسخر من عقائده ورموزه الدينية. وأخرج الأفلام عن السيد المسيح مثل "يسوع المسيح سوبر ستار" يجعله من المغنين الجدد "الهيبيز"، عاشقا للحياة، وأحب مريم المجدلية. كما نقد ديدرو في "الراهبة" حياة الرهبنة التي لا تتفق مع الإحساس بالحياة. بل لقد وضع الغرب أسطورة أنه وحده حضارة النقد والرفض في حين أن حضارات الغير هي حضارة التسليم والتبرير.
والمتلقي عندنا تقليدي. مازال يحرم التصوير، وعرض الأنبياء بل والصحابة كموضوعات للفن في التصوير أو السينما. فلا يجوز التشخيص. بل إن البعض مازال متأثرا ببعض فتاوى القدماء في تحريم الفن عموما، الموسيقى والغناء، والتصوير خصوصا. ومازالت الاتجاهات المحافظة ترفض أي اجتهاد جديد يُضاف إلى اجتهاد القدماء. فباب الاجتهاد قد أغلق، ولم يترك السلف للخلف شيئا، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
ولم نتحمل رواية مثل "الآيات الشيطانية" لأديب مغمور جعلناه مشهورا بفتوى قتله لأنه طعن في الأنبياء والصحابة وآل البيت. وكانت انتفاضة الحجارة في ذروتها. فخسرنا باليمين ما كسبناه باليسار، خطوة إلى الإمام وخطوتان إلى الخلف. وما كان يعمل له المصلحون باستمرار دفاعا عن الإسلام، حضارة، وثقافة، وحرية، واحتراما للغير، خسرناه في غمضة عين. وأكدنا الصورة المشبوهة للإسلام في أجهزة الإعلام الغربية عن تخلفنا، وأننا ضد الرأي الآخر وحرية الاعتبار. وأصبح الغرب هو الحامي لقيمنا التي عليها أقمنا الحضارة الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان والزيتونة والقرويين والأندلس وسمرقند وطشقند وبخاري. وهاجر المفكرون والمبدعون من الوطن العربي والعالم الإسلامي خارج الأوطان. وتركوا مصر وسوريا وبنجلادش وباكستان وإيران بحثا عن حرية التفكير والتعبير في الغرب. فالغرب يفكر ونحن نكفّر. فكيف نفكر في زمن التكفير؟ ووضعنا الحراس على أبواب مفكرينا وأدبائنا خشية من اغتيال المتعصبين المتشددين.
ولم تكن هذه سنة القدماء بل كان طريقهم هو الحوار والنقاش والرد كما فعل أئمة أهل السنة مثل ابن تيمية في "الرد على المنطقيين"، "نقض المنطق"، "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، والرد على الشيعة والقدرية. وكما فعل الغزالي في "الرد الجميل على من بدل التوراة والإنجيل"، والباقلاني في "التمهيد في الرد على المعطلة والجهمية"، والعلاف في "الرد على ابن الراوندي الملحد" وغيرها من الردود. بل امتد التقليد إلى الشعراء في مناقضات جرير والفرزدق. وأصبح الخلاف عند الأصوليين موضوع علم مستقل هو علم الخلافيات، وعلم التعارض والترجيح. وانتهوا إلى أن الحق متعدد، وكل الآراء صائبة، "للمخطئ أجر وللمصيب أجران". صحيح أن تاريخنا أيضا مملوء بالغضب: ذبح الجعد بن درهم، ومأساة ابن المقفع، وصلب الحلاج، وقتل السهروردي، وشنق سيد قطب وغيرهم من الشهداء إلا أن الغاية كانت سياسية خالصة. فقد كان الجعد بن درهم من أوائل المعتزلة الذين عارضوا الحكم الأموي، وابن المقفع من الذين طالبوا بمساواة العجم بالعرب، والحلاج لأنه شارك في وقاد ثورة القرامطة، والسهروردي لأن صلاح الدين كان يخشى على النضال ضد الصليبيين من محبة الصوفية التي قد تدفعهم إلى موالاة الأعداء.
وصحيح أيضا أن الغرب سقط منه "شهداء" الفكر. فقد أجبر سقراط على شرب السم لاتهامه بالسخرية من آلهة اليونان وإفساد أخلاق الشباب. وحكم على كثير من المعارضين للسيطرة الكنسية الرومانية في عصر الآباء على حرية الاعتقاد بالهرطقة والكفر. وحرق أموري البيني لأنه كان يقول بوحدة الوجود. وقتل العديد من المفكرين الأحرار في عصر النهضة، توماس مور لأنه تصور مدينة فاضلة خالية من الظلم والقهر، وجيوردانو برونو لأنه دافع عن مركزية الشمس ودوران الأرض حولها. وكانت المقصلة مصير كل المعارضين في الثورة الفرنسية في عصر الإرهاب مثل ميرابو ودانتون وغيرهما. وطُعن اسبينوزا بالسكين لأنه أنكر العهد الخاص بين الله وبني إسرائيل مدافعا عن ميثاق أخلاقي عام للبشر جميعا، ميثاق الطاعة والتقوى والعمل الصالح. ثم تغير الغرب في عصوره الحديثة بعد إعلان حقوق الإنسان وإن كان مازال يخترق حقوق الشعوب.
إن خطورة الوضع في هولندا هي في العنف والعنف المضاد. قتل المخرج السينمائي كفعل وحرق المدرسة الإسلامية كرد فعل، وتضييق الدولة الخناق حول حريات المسلمين وإقامتهم والهجرة إليها بعد أن بلغوا المليون ووصلوا إلى أعلى المناصب. ويأتي الفيلم في هولندا بعد الحجاب في فرنسا، والبقية تأتي. واليمين الأوروبي في تصاعد. والمحافظة الجديدة في أميركا كسبت الرهان. والعداء للإسلام والمسلمين مازال مستمرا منذ حوادث واشنطن ونيويورك منذ ثلاثة أعوام. و"صراع الحضارات" مازال يعطي الضوء الأخضر للخلاص من حضارات التخلف والعنف وكراهية الآخر، ورفض الحداثة. وقد تكون الغاية القصوى الخلاص من الإسلام والمسلمين في الغرب بعد أن أصبح الإسلام الدين الثاني في أوروبا بعد المسيحية، والدين الثالث في أميركا بعد اليهودية.
والكل يخشى أن تصبح أوروبا الغربية بعد أوروبا الشرقية وروسيا بل وإسرائيل دولا إسلامية في غضون قرن من الزمان، أقل أو أكثر. فمن الآن يأتي الاضطهاد، وتخرج الدعوات لطرد المهاجرين بعد الحد من الهجرات. بين المسلمين والغرب مسافة زمنية تبلغ خمسة قرون. فالغرب في آخر عصوره الحديثة ونحن في بداية عصورنا الحديثة. ومازلنا نحاول إنهاء عصورنا الوسيطة، القهر والتسلط كما أغلق الغرب عصوره الوسطى ومحاكم التفتيش. ومن ثم لزم الإسراع في العبور التاريخي، وفك حصار الزمن حتى ننعم بالحرية في الداخل والخارج. ولا يوجد حل للعنف المتبادل إلا الفهم المتبادل، ووضع كل طرف في إطاره الزمني ومرحلته التاريخية، ثم فك حصار الزمن واللحاق بمسار التاريخ.
هذه محاولة لفهم ما حدث وليس تبريراً له. ومجموع الخطأين لا يكوّن صواباً.