*روبرت كاغان (الشرق):
في الأشهر القليلة الماضية كنت أسمع من عدد من الخبراء في الشؤون الصينية كيف أن دبلوماسية بكين أصبحت بارعة وذكية خلال السنوات الأخيرة. فالدبلوماسيون الصينيون من ذوي الثقافة الرفيعة والثقة الكبيرة في مقدراتهم كانوا يجوبون الولايات المتحدة ويكسبون الأصدقاء ويتركون تأثيرهم على الناس في كل أنحاء شرق آسيا والعالم، وعليه فإنني لا أستطيع إلا التعجب من المقامرات الدبلوماسية التي تورطت فيها الدبلوماسية الصينية مؤخراً.

أول تلك المقامرات هي تمرير البرلمان الصيني (مؤتمر الشعب) لقانون يعارض الانفصال ويهدد باتخاذ إجراء عسكري ضد تايوان، وينص ذلك القانون في عبارات غامضة على أن الصين يمكن أن تلجأ لاستخدام القوة في حالات أربع: إذا أعلنت تايوان الاستقلال أو بدت على وشك إعلان الاستقلال أو بدت كما لو أنها تفكر في إعلان الاستقلال في وقت ما في المستقبل أو إذا لم تكن تفكر في الاستقلال مطلقاً ولكنها ترفض فقط الانضمام للصين في وقت مناسب.

ما يدعو للحيرة والدهشة في هذا التسريع القتالي النزعة ليس محتواه فقط ولكن توقيته، فقد جاء في أعقاب انتخابات أجريت في تايوان وقيل ان أنصار الاستقلال خسروا فيها كثير، ويأتي أيضا في وقت يبدو فيه رئيس تايوان السيد شين شوي بيان عاقداً العزم على تحسين العلاقات مع تايوان، فقد أعلن هذا مؤخراً أنه «لن يعلن الاستقلال» ولن يسعى لإدخال تعديل دستوري يؤدي لتغيير وضعية تايوان ولن «ينظم استفتاء لتغيير الوضع الراهن فيما يتعلق بقضايا الاستقلال أو التوحيد». ولكن بكين اعتبرت أن من الحكمة الرد على هذا الموقف التايواني المرن بجولة جديدة من التهديدات والتخويف غير أن التاريخ يبرهن أن مثل هذا التخويف لن يثمر إلا نتيجة عكسية في تايوان.

ويأتي هذا التهديد ايضا في وقت يظهر فيه بعض جيران الصين، خاصة اليابان، قدراً من العصبية والانزعاج من القوة الصينية المتنامية ومن فرد بكين لعضلاتها، وسعت اليابان مؤخراً لتوسيع نطاق ارتباطاتها الأمنية مع الولايات المتحدة ولأول مرة ناقشت علناً فكرة قيام تعاون أميركي - ياباني في حالة حدوث أزمة في مضيق تايوان.

فهل كانت افضل وسيلة تتعبها الصين لتهدئة القلق الياباني هي إظهار موقف أكثر ميلاً للقتال؟

ولكن براعة الصينيين لاتقف عند هذا الحد، فقد أوردت صحيفة «الاسترالي» تقريراً هذا الأسبوع أوضحت فيه أن المسؤولين الصينيين طالبوا الحكومة الاسترالية بضرورة مراجعة المعاهدة الأميركية - الاسترالية القائمة منذ خمسين سنة، ونقلت الصحيفة تحذيراً منسوباً إلى مسؤول في وزارة الخارجية الصينية يقول فيه انه يتوجب على استراليا أن تكون حذرة وإلا فإنها ستتورط في مواجهة مع الصين بسبب التزامات معاهدتها مع الولايات المتحدة، والآن يدرك كل من له أدنى فكرة بالشخصية الاسترالية ان مثل هذا التحذير وطلب فك الارتباط الأمني مع الولايات المتحدة هو النهج الخاطىء لمن يريد التأثير في السياسة الاسترالية، وعليه ينبغي على الصينيين أن يقيموا ببراعة دبلوماسية مختلفة تماماً عن هذه.

وفي واقع الأمر ليست هناك أي براعة وحصافة في «الدبلوماسية» الصينية، انهم يفردون عضلاتهم ويستخدمون نفوذهم العسكري والعسكري المتنامي من أجل مطالبة جيرانها بمزيد من الطاعة، وليس في هذا شيء مفاجىء، الشيء المفاجىء الوحيد هي الطريقة التي تجاهل بها العالم - ومن ضمنه أميركا -الميول القتالية المتنامية لدى الصين مسحورة بأدائها الاقتصادي وحالمة بأنها قد أصبحت دولة تخطت مرحلة الحداثة وقادرة على الاندماج في النظام الاقتصادي الكوني الحر. وكان بعض المحللين الصينيين يدعون حتى إلى إقامة هياكل أمنية جماعية جديدة في شرق آسيا تضم الصين.

ولكن هذه الفكرة تتجاهل نقطة مهمة، الهياكل الأمنية الجديدة مطلوبة في شرق آسيا ولكنها يجب أن تضم حلفاء أميركا الديمقراطيين الذين يجمعهم الآن خوف متزايد من الصين ونواياها المستقبلية، فمنذ 11 سبتمبر انشغلت الولايات المتحدة كلياً بالتهديد الإرهابي ولم تفعل الكثير لإعادة طمأنة حلفائها بأن قوة وعزيمة أميركا لممارسة الردع في شرق آسيا مازالت باقية، وكان من شأن مثل هذا العمل أن يقنع الصينيين بأن أسلوب التنمر لا يجدي نفعاً.

* عن: خدمة واشنطن بوست - خاص بـ الشرق