سيارة تحمل عزام عزام تغادر معبر طابا الحدودي اليوم

نبيل شرف الدين من القاهرة: في زنزانة إنفرادية بمزرعة سجن (طرة) المصري، أمضى الإسرائيلي من أصل درزي عزّام متعب عزّام نحو ثماني سنوات على أمل وحيد، هو أن تنجح الضغوط التي تمارسها تل أبيبمن أجل إطلاقه ليتنسم هواء الحرية، بعد ليال طويلة قضاها وحيداًً داخل غرفة باردة، تقع في سجن عتيد بضاحية (طرة) جنوب القاهرة، وذلك إثر إدانته قضائيا بالتجسس على مصر لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلية (موساد)، وكثيراً ما بدت آمال عزّام رهن معجزة بعيدة المنال، إذ رفضت مصر كافة الضغوط والمطالب الأميركية والإسرائيلية لإطلاقه باعتباره مداناً بموجب حكم قضائي، لا يمكن تجاوزه أو التحايل عليه، فهل وقعت المعجزة ؟، هذا ما نسعى إلى إجابة عليه عبر هذا التقرير الذي يرصد القصة من بدايتها حتى يوم الخروج .

والمواطن الإسرائيلي عزّام الذي ينتمي إلى أسرة درزية تسكن قرية (مرار) في الجليل، كان ألقي القبض عليه نهاية عام 1996 بتهمة التجسس لصالح الموساد، حيث كان عاملاً في شركة نسيج إسرائيلية بحي شبرا الخيمة شمال القاهرة، وبدأت محاكمته في نيسان (أبريل) عام 1997، وفي أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 15 عاماً، إثر إدانته قضائياً بالتجسس لصالح إسرائيل، والإضرار بالمصالح القومية لمصر .

واتهم عزام بالسعي إلى تجنيد عامل مصري للعمل لحساب (موساد) مستعيناً بفتاتين إسرائيليتين هما زهرة جريس، ومنى شواهنة، لكن العامل الذي تبين لاحقاً أنه يدعى عماد إسماعيل اعترف للاستخبارات المصرية بتورطه بعد سبعة شهور على عودته من إسرائيل، التي سافر إليها في 24 شباط (فبراير) من العام 1996، وتعرف فيها على عميلتي الموساد زهرة ومنى وسافر منها إلى الأردن في 17 أيار (مايو) 1996 ليلتقي مع ضابط مخابرات إسرائيلي تسلم منه مبلغ 300 دولار بعد نجاح الفتاتين في تجنيده لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (موساد) .

وعقب توقيفه في مصر أدلى عماد باعترافات تفصيلية وروى كيف تلقى تدريبات على جمع المعلومات والكتابة السرية ووسائل الاتصال وروى في تحقيقات النيابة معه قصته كاملة منذ سفره إلى إسرائيل يوم 24 شباط (فبراير) من العام 1996، حيث كان في انتظاره في المطار عزّام الذي اصطحبه إلى فندق اسمه (بالم بيتش) في مدينة عكا.

وفي اعترافاته يقول عماد إنه التقى صباح اليوم التالي مع إيزاك متعهد الحفلات بالفندق الذي عرض عليه ممارسة الرذيلة مع إحدى الفتيات، وكانت تدعى زهرة التي ذهبت معه إلى شاطئ البحر والتقطا بعض الصور التذكارية، قبل أن تنتظره في اليوم التالي عند منطقة تسمى (مفرق سيغاف) التي خرجا منها إلى عكا، وأثناء سيرهما أشارت زهرة إلى أحد البنايات، وقالت لعماد هنا كانت تسقط صواريخ صدام حسين، وأضاف في اعترافاته أمام النيابة انه عمل لمدة يومين في مصنع تابع للجيش الإسرائيلي بالجنوب اللبناني، وفي اليوم الأخير له في إسرائيل ذهب لتناول العشاء مع زهرة وشادية في عكا وتوجها بعد العشاء إلى الفندق الذي كان يقيم فيه حينئذٍ .

الكتاب المقدس

لكن كيف وصل عزّام إذن إلى مصر؟ ، وماذا فعل بها، وكيف جرى القبض عليه ؟وثائق القضية تقول إن شركة إسرائيلية لصناعة الملابس الداخلية النسائية اسمها (تيفرون) كانت قد أبرمت عقداً مع الشركة السويسرية للملابس في مدينة العاشر من رمضان المصرية، على استيراد ماكينات حديثة في صناعة الملابس لصالح الشركة السويسرية، التي أرسلت بدورها عدداً من العمال للتدريب على إدارة الماكينات في إسرائيل، وتحديداً لدى الشركة التي يعمل بها عزّام عزّام، وكان من بين العمال الذين سافروا للتدريب عماد إسماعيل وبعد عودة هؤلاء من إسرائيل وقع خلاف بين الشركتين وفسخ العقد، واتفقت شركة (تيفرون) مع مصنع آخر في ضاحية شبرا الخيمة شمال القاهرة، على تأسيس مصنع متطور، وجلب خبراء إسرائيليين لتدريب العمالة المصرية، وكان من العمال الإسرائيليين المهندس وفا متعب عزّام، وشقيقه عزّام الذي نفى بعد القبض عليه في فندق (البارون) بضاحية مصر الجديدة، وجود أية علاقة له بالمخابرات الإسرائيلية، وإن كانت الشواهد والاعترافات التي أدلى بها المصري عماد إسماعيل قد أشارت إلى ذلك لاحقاً كما سنرى .

كان العامل المصري عماد قد عاد إلى مصر من إسرائيل، وقد استمرت اتصالاته الهاتفية مع زهرة كل يوم جمعة وبعد فترة قليلة حضرت زهرة إلى مصر وقام عماد وصديقه أحمد الناظر بإبلاغ مباحث السياحة وأقامت زهرة ثلاثة أيام بفندق فلسطين بالإسكندرية، وفي 19 أيار (مايو) سافرت زهرة إلى الأردن والتقت بعماد هناك وعرفته بماهر الذي اصطحبه إلى فندق (فلادلفيا)، وعرض عليه صوراً مشينة له في أوضاع مخلة مع زهرة، عندما كان في إسرائيل، واستغل هذا الموقف ومنحه 300 دولار، وطلب إليه التوقيع على ورقة بيضاء وإقرار يدينه حتى يتم تجنيده لصالح الاستخبارات الإسرائيلية صراحة .

وأمام نيابة أمن الدولة المصرية قال عماد إنه كلف أولا بقياس الرأي العام، وطبيعة المشكلات في المجتمع، بعد تدريبه على التركيز والحفظ بالذاكرة من دون تسجيل كما تم تكليفه بمعرفة أعداد المصريين الذين يصلون إلى الأردن يومياً، والأعداد التي تسعى للسفر إلى لبنان، ومن يزور التأشيرات لدخول لبنان وسورية وبعد ذلك قامت زهرة بتعليم عماد طريقة إرسال الخطابات عن طريق "الكتاب المقدس" بطريقة حسابية، بحيث يتم جمع الألفاظ بأشكال متعددة، وبعدها طلبوا منه تقريرا يتضمن عدد المصانع بمدينتي العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر في مصر ومتوسط حجم العمالة ونوعيات الإنتاج والبلاد التي يتم تصدير المنتجات المصرية إليها وطبيعة الأزمات الاقتصادية ومشاعر المصريين تجاه حكومة إسرائيل ومدى رغبتهم في السلام وتطبيع العلاقات على كافة الأصعدة .

ومضى عماد قائلاً إنه نصح بالذهاب إلى مقر مباحث أمن الدولة وتوجيه الشكر للضابط الذي نصحه بعدم الزواج من إسرائيلية وتقوية علاقته بالأجهزة الأمنية ووعدوه بتقاضي ألف دولار شهرياً وبعد عدة اتصالات مع زهرة وصله تكليف بالسفر إلى المجر، لكن عماد قرر التراجع يوم 19 تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1996، وسلم نفسه لجهاز المخابرات العامة المصرية، وكتب عماد إسماعيل اعترافاً بتورطه في العمل مع جهاز الموساد قال فيه: إنه بتاريخ 25 أيار (مايو) من العام 1996 وفي فندق فلادلفيا بالأردن وأمام المدعو ماهر نمر من جهاز الموساد الصهيوني قمت بكتابة إقرار بقبول التعاون معهم، وهذا هو نصه الحرفي كما اطلعت عليه (إيلاف) في الوثيقة التي تضمها أوراق القضية :

"أقر أنا عماد عبد الحميد إسماعيل، المصري الجنسية، وبكامل إرادتي أنني أرغب في الدخول والإقامة بدولة إسرائيل وأنني على أتم الاستعداد للتعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي نظير ما يقدمه لي من خدمات إرساء للحرية وإقرارا للديمقراطية وأنني على كامل الاستعداد للتضحية بكل ما أملك من وسيلة لعز إسرائيل ونصرة شعبها.

التوقيع : المقر بما فيه عماد عبد الحميد أحمد إسماعيل، بتاريخ 25 أيار (مايو) 1996 عمان - الأردن" .
ومازلنا حتى الآن مع اعترافات عماد أمام المحققين في نيابة أمن الدولة العليا في مصر، والتي قال فيها إنه حصل من الفتاة زهرة على ملابس داخلية مخبأ فيها "الحبر السري" بعد أن دبر عزّام الأمر حينما كان في إسرائيل، وقال أيضاً "كنت في إسرائيل مع عزّام ووجدي صديقه وذهبنا لشراء ملابس، فعرض علينا عزّام أن نذهب إلى مصنع "عين الأسد"، وأعطاني أربعة نماذج من إنتاج المصنع، وكانت زهرة تؤكد دائما عليّ ضرورة الاحتفاظ بالملابس التي وضع بها الحبر السري"، كما ورد في اعترافاته التي اطلعنا عليها .

حكومات متعاقبة

لكن على المستوى السياسي، تثير قضية عزّام أكثر من سؤال مثل : كيف تعاملت حكومات إسرائيل المتعاقبة مع قضية عزّام ؟، ولماذا نجحت حكومة شارون في إطلاق عزّام الذي ظل موضع رفض مصري قاطع ؟، وهل هناك بنود أخرى في الصفقة لم يحن وقت الإفصاح عنها بعد ؟، وهل يتعلق الأمر بإطلاق سراح القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي ؟

وبداية، يشير رصد حجم ودرجة الإلحاح الإسرائيلي على مسألة الإفراج عن عزام إلى أن شارون أكثر تركيزا من سلفيه، لأن عزّام عندما ألقي القبض عليه في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996 كان بنيامين نتانياهو رئيسا للوزراء وأعقبه بفترة وجيزة ايهود باراك، لكن اهتمام كل منهما بقضيته كان أقل من شارون، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من الأسباب التي لعبت دورا واضحا في فرض عزام وقضيته على أجندة شارون السياسية .

أولاً: اعتبارات حزبية تتمثل في تصوير الأمر داخل المشهد السياسي الإسرائيلي باعتبار أن تكتل "ليكود" هو الوحيد الأمين والقادر على الحفاظ على مصالح الإسرائيليين من جميع الفئات، بما فيها العربية، وقد بدت أهمية ذلك واضحة عقب رفض شيمون بيريز التوقيع على عريضة أعضاء الكنيست للرئيس الأميركي قبل مدة، وربما يكون هذا الدافع قد أكسب شارون شعبية كبيرة في الشارع الإسرائيلي، فعلى الرغم من التدهور الاقتصادي والخسائر المادية والمعنوية التي نتجت عن العمليات الفلسطينية، غير أنه لا يزال يحتل مكانة متقدمة في معظم استطلاعات الرأي العام، مقارنة بأي من منافسيه داخل الليكود وخارجه .

ثانيا: إرضاء العرب من أعضاء الليكود، لاسيما بعد أن تزايدت أعدادهم مؤخراً، واحتل بعضهم مكانة بارزة في صفوفه، مثل مجلي وهبة عضو الكنيست وهو مستشار مقرب لرئيس الوزراء شارون، وأيوب قرا عضو كنيست أيضا وأحد النشطاء الذين يواكبون عن كثب ملف قضية عزام ويحاول توسيع دوائرها في إسرائيل، وقد تعمد شارون تقديم هؤلاء إلى الواجهة لاستقطاب المزيد من الشخصيات الدرزية من خلال تقديم مميزات ومغريات كبيرة، لإحداث قدر من التوازن مع حزب العمل الذي يحصل على غالبية أصوات فلسطينيي عام 1948 منذ فترة طويلة، وبالفعل نجح شارون في جذب أعداد كبيرة منهم إلى الليكود .

ثالثا، حماية عملاء إسرائيل كمبدأ أساسي، فإذا تأكد أن الحكومة تتخلى عنهم، فان الكثير منهم سيرفض التعاون معها في المستقبل، خاصة أنها تعتمد على أعداد كبيرة منهم في تحقيق أهدافها، ولعل نجاحها في الوصول إلى بعض القيادات الفلسطينية واستهدافها مثلا يعود في جانب منه إلى عملائها في الأراضي المحتلة والذين قاموا بدور رئيسي في الوشاية والتمكن من تحقيق الهدف، لذلك ينطوي الاهتمام بقضية عزام دون انقطاع على رسالة تؤكد عدم تخليها عن جواسيسها مهما كانت الظروف السياسية. ويتعزز هذا الاستنتاج باستمرار جملة جوناثان بولارد المعتقل اليهودي في السجون الأميركية منذ عام 1985 والمحكوم عليه بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتجسس لصالح إسرائيل .

رابعا: تصوير النظام المصري أمام المجتمع الدولي بأنه مازال يتعامل مع الإسرائيليين دائما على انهم متهمون وتزج بهم في سجونها، في محاولة ترمي إلى تحقيق أهداف في مقدمتها، الإشارة إلى أنه يتعامل بمنطق الندية مع القاهرة، خلافاً لسلفيه باراك ونتانياهو، اللذين قبلا ـ حسب وجهة نظره ـ الكثير من الإهانات المصرية، بينما يفاخر شارون بممارسته الضغوط على القاهرة بغية حملها على إعادة سفيرها إلى تل أبيب في أقرب وقت ممكن، والإفراج عن عزّام عزّام، ووقف ما وصفه بحملات التحريض ضد إسرائيل في الصحافة ووسائل الإعلام المصرية، فضلاً عن الدفع في اتجاه تطبيع العلاقات بين البلدين على الصعد الرسمية والشعبية والإعلامية .

فلعله كان الظرف الإقليمي الراهن، وترتيبات أخرى لم يتم الكشف عنها حتى الآن وراء إطلاق عزّام متعب عزّام، الذي ظل جملة مفيدة في كل حوار سياسي، واتصال دبلوماسي بين مصر وإسرائيل، ليقابل بصخرة الرفض المصري الصلدة، التي يبدو أن مياهاً كثيرة جرت في النهر لحملها على إفساح الطريق أمام "الدرزي ـ الإسرائيلي" الذي أكد لسجانه ذات يوم مضى أنه سيخرج .. طال الزمن أو قصر، وهو ما حدث بالفعل .